موضوع غلاف العدد الاخير
العدد مائة وسبعة
  •  القائمة البريدية  
  •  سؤال شيبوب 
  •     فتاوى     
نبض العراق

قصة قصيرة .. حلم طفلة

  الكاتب :
قصة قصيرة .. حلم طفلة

قصة قصيرة .. حلم طفلة

بقلم .. عامر العيثاوي

   من هنا وهناك  العدد الواحد والاربعين

خبأت عائشة رأسها بتأثير برد ساعات الصباح الأولى تحت غطاء فراشها القديم، مقرفصة جسدها الصغير، ومحتضنة لعبة متهرئة من القماش، كانت تحاول النوم يائسة بسبب ضجيج ماكنة الخياطة، أزاحت الغطاء قليلاً لتشاهد والدتها منشغلة بتحريك الماكنة اليدوية، ابتسمت لها: (ما زال الوقت مبكراً حبيبتي، عودي للنوم)، تطلعت بانزعاج: (عملك يمنعني من النوم)، قامت ضاحكة مقبلة إياها بين عينيها: (سأذهب لتحضير الفطور)، ارتدت على عجالة معطفها المعلق في أحد زوايا المنزل المكوّن من ثلاث غرف وحمام، وسطح مغطى بسعف نخيل والطين، واتجهت للباحة كان الضباب كثيفاً، التحفت بردائها البسيط، وأخذت تبحث بأصابع متجمدة عن البيض في قن الدجاج، عادت مسرعة للمنزل، أشعلت الموقد الطيني واضعة على فوهته آنية البيضات، طرقت باب غرفة أم زوجها، انتظرت قليلاً لتطل برأسها مستطلعة: (كيف أصبحتِ..؟)، اعتدلت على سريرها: (الله يرضى عليك)، تقدمت نحوها: (الفطور صار جاهزاً)، ردت ضاحكة: (تتعبك هذه العجوز الهرمة) .. (ما هذا الكلام أنتِ بمثابة أمي)، سألتها مستفسرة: (ستواجهينه اليوم)، أشارت برأسها: (وسآخذ معي عائشة) .. (لا تخبريه عنهما)، ردت وهي تناولها عكازتها: (هو يعلم على الأقل بأنا هُجِّرنا من دارنا السابقة)، دمعت عينا العجوز: (أمس رأيتهما بمنامي كانا فرحين ومستبشرين)، أضافت وهي تنهض بمساعدتها: (البارحة جاء المؤجر أخبرني بزيادة للإيجار)، تنفست بعمق: (حسناً، صرت أعرف) .. أخذت توقظها برقة، فتحت (عائشة) عيناها بكسل، ردت متباكية: (أرغب بالنوم)، أخذت تعبث بخصائل شعرها الذهبية: (أبوك مشتاق لرؤيتك)، نهضت متثاقلة، قبلتها ووضعتها على كتفها، رتبت لها هندامها، وانطلقتا ... سرعان ما نامت الطفلة في سيارة الأجرة، حين وصلتا كانت طوابير طويلة سبقتهما، أعياها الانتظار، فتوجهت لوالدتها: (متى سنعود ..)، شجعتها قائلة: (لم يبقَ الكثير)، وصل دورهما أخيراً، أخذت الحارسة تسألها: (ماذا تحملين) .. (لاشيء ممنوع)، فتشتها الحارسة: (ألم نخبركم بأن جلب النقود ممنوع) .. (زوجي يحتاجها..)، أجابتها رافضة: (ستبقى النقود بالأمانات)، أمسكت بيد والدتها خائفة، وهي تشاهد نساء عديدات يقفن أمام سياجين متقابلين، والكل يصيح، قادتها أمها: (أنظري ذاك والدك)، شاهدت ذلك الرجل، الذي تسميه أمها بوالدها، واقفاً في الجانب المقابل من السياج المشبك، صاح عليها: (كيف حالكم جميعاً) .. (أنتَ كيف هي صحتك)، نظر نحو طفلته: (كيف حالك حبيبتي)، نظرت نحوه بعيون مرتابة، أشارت لها والدتها: (سلمي على والدك)، ولكنها ظلت صامتة، ناداها والدها: (عائشة ألا تعرفيني؟ أنا والدك)، تراجعت للخلف، نادتها والدتها: (تعالي اقتربي، واقرئي أمام بابا سورة الإخلاص)، هربت بعينيها بعيداً، انتاب والدها بعض الحزن، واسته زوجته: (أعذرها، عندما اعتقلت كانت صغيرة)، فجأة واجهها بنظرة ذات معنى: (كيف حال أبي وشقيقي)، نظرت للأسفل: (بخير يأكلون الخبز)، خنقته العبرة: (لِمَ لم تخبريني إن المليشيات قتلتهم)، صمتت للحظة: (ما فائدة زيادة أوجاعك)، كان غارقاً بدموعه، حتى أنه لم يجب على بقية أسئلتها، عادت متعبة، وهي تحمل على كاهلها طفلتها النائمة، أعدت العشاء ونامت مبكرة، ومع أذان الصبح استفاقت مرددة دعاء الصباح، وأخذت تجري، حضرت العجين للخبز، ونظفت المنزل، وجلست على ماكنة الخياطة، تنهي ملابس زبائنها، كانت قد قابلت محامية زوجها، فأخبرتها الأخيرة: (إن أوراقه سليمة، لكن الأمر يحتاج للسخاء للبعض من هذه)، مشيرة لورقة من فئة المائة دولار،كانت تفكر أنها ربما ستبيع منزلهم القديم، بحال استطاعت، حينما استفاقت عائشة ناظرة لوالدتها: (أين أبي شاهدته يدخل، حتى أنه قبلني من هنا)، وأشارت لخدها، اغرورقت عينا والدتها بالدموع: (كنت تحلمين حبيبتي كنت تحلمين).

 


التعليقات
لا توجد تعليقات
(E-mail)

اكتب الحروف التي في الصورة.