الرائد نت
مجلة الرائدملف العددفي ذكرى مولده .. قصة نجاح الحبيب.. ومضات وعبر
123_1

في ذكرى مولده .. قصة نجاح الحبيب.. ومضات وعبر

 

ربما لم ينتبه الكثير منا وهو يطالع في السيرة قصة شكوى الصحابي خباب بن الأرت (رضي الله عنه)للنبي (صلى الله عليه وسلم) من جور المشركين، وسؤاله للحبيب أن يدعو لهم بالنصر.. أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان (مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ)..

أي أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان ظاهراً على الملأ في أهم مكان في مكة، قرب الكعبة المكرمة وسط حالة الإرهاب التي أشاعتها قريش داخل هذه المدينة الصغيرة، ولم يكن متوارياً عن الأنظار بل ظاهراً بمواجهة الظلم والطغيان القريشي.

ثبات على الموقف

الظهور العلني للنبي (صلى الله عليه وسلم) كان دائماً طيلة الـ(13) عاماً التي مثلت مرحلة تكوين الشبيبة الدعوية التي حملت راية الإسلام فيما بعد، رغم مضايقات قريش وقادتها له، إلاّ أن تواجده (صلى الله عليه وسلم) كان مستمراً.

إذ يروي عبد الله بن عمرو أنه (بينما رسول (الله صلى الله عليه وسلم) ساجد وحوله ناس من قريش وبالقرب منه سلى بعير – أي أمعاءه وأحشاءه – إذ قالوا من يأخذ سلى هذا الجزور فيقذفه على ظهره فجاء عقبة بن أبي معيط فقذفه على ظهره (صلى الله عليه وسلم) وجاءت فاطمة فأخذته عن ظهره).

وفي مراتٍ أخر كان لجنود الله دورهم في الذود عن الحبيب (صلى الله عليه وسلم)، إذ يروي ابن إسحاق عن ابن عباس (أن أبا جهل قال يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب آلهتنا وإني أعاهد الله لأجلسن له غداً بحجر فإذا سجد فضخت به رأسه فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم، فلما أصبح أبو جهل أخذ الحجر وجلس وأتى النبي (صلى الله عليه وسلم) فقام يصلي بين الركنين الأسود واليماني وكان يصلي إلى الشام وجلست قريش في أنديتها ينظرون فلما سجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) احتمل أبو جهل الحجر ثم أقبل نحوه حتى إذا دنا منه رجع مرعوبا منتقعا لونه قد يبست يداه على حجره حتى قذف به من يده وقامت رجالات قريش فقالوا ما لك يا أبا الحكم فقال قمت إليه لأفعل ما قلت لكم فلما دنوت منه عرض لي فحل من الإبل والله ما رأيت مثل هامته ولا قصرته ولا أنيابه لفحل قط فهم أن يأكلني).

وفي مواقف أخر كان له نصيبه من الألم (عليه الصلاة والسلام)، لاسيما بعد وفاة عمه أبو طالب، ففي إحدى المرات اعترضه أحد سادة قريش فنثر على رأسه تراباً فدخل رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيته والتراب على رأسه فقامت إليه إحدى بناته فجعلت تغسل عنه التراب وهي تبكي ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول لها: (لا تبكي يا بنية فإن الله مانع أباك).

أما التهم التي كيلت له (صلى الله عليه وسلم)، فجميعنا قرأ عنها وسمعها، فتارةً هو شاعر وتارةً هو ساحر وتارةً هو مجنون، إلاّ أن ذلك لم يثنه عن الإستمرار في مسيرة الدعوة حتى بلّغها وأدى الأمانة.

هدف واضح.. ويقين بالنصر

ويبدو أن صمود الرسول (صلى الله عليه وسلم) بمواجهة ما يحيط به من مؤامرات واستفزازات، كان ناجم من وضوح الهدف بالنسبة له.. فكلنا يتذكر المحادثة المهمة في التاريخ الإسلامي بين النبي (صلى الله عليه وسلم) وعمه أبي طالب، الذي ناشده أن يترك أمر الدعوة بعد أن عظم عليه فراق قومه وعداوته لهم ولم يطب نفساً أن يسلّم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لهم ولا أن يخذله فدعا محمداً فقال: “يا ابن أخي إن قومك قد جاءوا إلي فقالوا كذا وكذا فأبق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق فظن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قد بدا لعمه بداء وأنه خاذله ومسلمه فقال: (يا عم لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في شمالي على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه).

إذاً هدف واضح وإرادة قوية لا تردد فيها.. فإما تحققها أو الهلاك دونها.

وإضافةً لوضوح الهدف السامي الذي حمله الرسول الله وسخّر حياته برمتها لتحقيقه، وهو إيصال الرسالة الإسلامية، كان هناك يقين بنصر الله (عزّ وجل)، فهاهو (صلى الله عليه وسلم) يخاطب خباب بن الأرت الذي جاءه شاكياً جور المشركين وظلمهم قائلاً: (وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الْأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ لَا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُون)، وهذا ما حصل بالفعل.

وعندما لحقه سراقة وصاحبه أبي بكر الصديق (رضي الله عنه)، طامعاً بالجائزة التي وضعتها قريش على رأسه، وعده الحبيب (صلى الله عليه وسلم) بسواري كسرى، وهو كان في أصعب أيام حياته، تاركاً منزله ومهاجراً إلى المدينة المنوّرة تاركاً مكة بسبب حالة الجور والظلم التي تعرّض لها طيلة 13 عاماً.

وتكرر هذا المشهد في معركة الخندق، إذ روى ابن إسحاق عن سلمان الفارسي، أنه قال‏:‏ (ضربت في ناحية من الخندق، فغَلُظت علي صخرة، ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) قريب مني؛ فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان علي، نزل فأخذ المعول من يدي، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة؛ قال‏:‏ ثم ضرب به ضربة أخرى، فلمعت تحته برقة أخرى؛ قال‏:‏ ثم ضرب به الثالث، فلمعت تحته برقة أخرى‏.

قال‏:‏ قلت‏:‏ بأبي أنت وأمي يا رسول الله‏!‏ ما هذا الذي رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب ‏‏ قال‏:‏ أو قد رأيت ذلك يا سلمان؟‏ قال:‏ قلت:‏ نعم؛ قال:‏ أما الأولى فإن الله فتح علي بها اليمن؛ وأما الثانية فإن الله فتح علي بها الشام والمغرب؛ وأما الثالثة فإن الله فتح على بها المشرق)‏، وهذه الفتوحات كانت واقعاً على عهد الخليفتين عمر بن الخطاب وعثمان بن عفّان (رضي الله عنهما).

 

مرونة عالية وأساليب مختلفة

كذلك من يقرأ السيرة يكتشف أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) لم يكن يعتمد أسلوباً واحداً، فهو تارة يدعو الأشخاص على فرادى كما حصل في إخطار صاحبه أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) بأمر الوحي.

وعندما أشتد حصار قريش على دعوته، توجه الحبيب إلى أرضٍ جديدة هي أرض الطائف، ويرى د.راغب السرجاني أن الحبيب (صلى الله عليه وسلم) لم يتخذ هذا القرار إرتجالاً، وإنما جاء قراره مستنداً لعدة إعتبارات، منها:

تعتبر الطائف هي المدينة الثانية في الجزيرة العربية بعد مكة، ومركزًا حيويًّا مهمًّا من مراكز الكثافة السكانية والتجارة، ولها مكانة في قلوب العرب، حتى إن المشركين كانوا يقولون: (وَقَالُوا لَوْلاَ نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)، سورة الزُّخرف: الآية (31). والقريتان هما مكة والطائف.

يسكن في الطائف قبيلة ثقيف، وهي من أقوى القبائل العربية ولو آمنت لكانت سنداً عظيماً للدعوة بقوة جيشها وكثرة عددها.

المنافسة الدينية بين مكة والطائف كبيرة، فمكة وإن كان بها البيت الحرام وبها أيضاً الصنم الذي كان يقدسه كثير من العرب وهو (هُبُل)، فإن الطائف كان بها صنم آخر من أهم أصنام العرب وهو (اللات)، وكثيرًا ما كان يقسم به العرب على اختلاف قبائلهم. أما صنم (العزّى) فكان في وادي نخلة على مقربة أيضاً من الطائف، فلو ذهب إليهم رسول الله بدعوته، فلعلهم يدخلون فيها طمعاً في سحب البساط من تحت أقدام أهل مكة.

الطائف قريبة نسبيّاً من مكة، المسافة حوالي مئة كيلو متر، والرسول لا يريد أن يبعد كثيراً عن مركزه الأول والذي تعيش فيه طائفة كبيرة نسبيّاً من المؤمنين، التعاون والتنسيق بين المركزين سيكون أسهل لو كانت المسافة قريبة، وبالذات في هذا الزمن الذي كانت فيه المواصلات شاقة.

كان لأغنياء قريش أملاك في الطائف، وخاصة بني هاشم وبني عبد شمس وكذلك بني مخزوم، فلو دخلت الطائف في الإسلام لكان ذلك ضربة اقتصادية موجعة لقريش.

وبعد أن أستكمل متطلبات رحلته، إنطلق (صلى الله عليه وسلم) باتجاه الطائف، ليعرض رسالته على أهل الطائف، لكن رد أهل الطائف كان قاسياً بمواجهة دعوة الإسلام.. ومع ذلك لم يتوقف الحبيب (صلى الله عليه وسلم)، بل إتجه ليعمل بأسلوب آخر، وهو إستثمار موسم الحج بالاحتكاك بالوفود القادمة للحج في مكة لإطلاعهم على رسالته وهذا ما حصل مع وفد الحجيج القادم من المدينة آنذاك في العام الحادي عشر من البعثة النبوية حيث كان لقاءه (صلى الله عليه وسلم) مع وفود من قبيلتي الأوس والخزرج الذين أستمعوا لدعوته فآمنوا به و صدقوه وفى العام الثانى عشر عادت هذه الجماعات الصغيرة و أخبروا قومهم بما سمعوا و رأوا, وبايعوا الرسول (بيعة العقبة الأولى), وطلبوا منه أن يرسل معهم تلميذه مصعب بن عمير (رضي الله عنه) ليعلمهم القرآن الكريم -أول سفير في الإسلام-، ليأتي بعدها وفداً كبيراً من الأوس والخزرج من المدينة المنوّرة -يثرب حينذاك- قوامهم (73) رجلاً وامرأتين لمبايعة الرسول في بيعة العقبة الثانية، وهكذا حوّل الحبيب (صلى الله عليه وسلم) محنته إلى منحة بفعل مرونته في إستخدام أساليب الدعوة وعدم وقوفه عند وسيلة دون أخرى.

وهذه كانت أولى بوادر تحقيق الهدف النبوي بنشر دعوة الإسلام في عموم أصقاع الأرض.

تنوّع وسائل الرسول القائد في التعامل مع الأزمات إستمر طيلة حياته (صلى الله عليه وسلم)، فمن مفاوضات وصلح في الحديبية في العام السادس للهجرة، إلى عزمٍ وإصرار على الدخول إلى مكة –الفتح الأعظم- دون شرط أو تفاوض بعد عامين.

أخذ بالأسباب

كذلك مسيرة الرسول (صلى الله عليه وسلم) كانت في كل مراحلها أخذ بالأسباب الدنيوية مع التوكّل على الله وليس قفزاً عليها، ويتجسّد أخذ الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالأسباب في هجرته.

ويرى د.منير الغضبان أن (الهجرة) إلى المدينة لوحدها كانت تجسّد “عبقرّية في التخطيط البشري”.

الأخذ بالأسباب الدنيوية أبتدأ من التحضير الأولي للهجرة، والاتفاق مع علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) لأن يبيت مكانه للتمويه على المحيطين بمنزله (عليه والصلاة والسلام)،  بل إن الاستاذ محمد مسعد ياقوت يرى أن التحضير سبق الاتفاق مع أبن عمه على أن ينام مكانه.

ويدرج ياقوت مجموعة من المراحل التي يرى أنها تجمل عملية التحضير للهجرة، وكالآتي:

 

الصاحب:

كان كلما عزم أبو بكر (رضي الله عنه) على الهجرة؛ أثناه النبي (صلى الله عليه وسلم) عن ذلك وقال له: (عَلَى رِسْلِكَ فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي)، رواه البخاري.

الراحلة:

فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِيَصْحَبَهُ، وأعد ناقتين، وظل يعلفهما أربعة أشهر.

التخفي:

قَالَتْ عَائِشَةُ (رضي الله عنها) : فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ، قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) مُتَقَنِّعاً فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا!، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي !وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ.

قَالَتْ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ) وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ فَدَخَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) لِأَبِي بَكْرٍ: “أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ “.

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ !

 

قَالَ:” فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ”.

فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَالصُّحْبَةُ ـ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ـ ؟

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ):” نَعَمْ ”

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَخُذْ ـ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ـ إِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): “بِالثَّمَنِ”.

الزاد:

قَالَتْ عَائِشَةُ (رضي الله عنها): فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجِهَازِ وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا، فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ، فَبِذَلِكَ سُمِّيَتْ ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ.

الاستخبارات:

قَالَتْ عائشة (رضي الله عنها): ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ فَكَمَنَا فِيهِ ثَلاثَ لَيَالٍ يَبِيتُ عِنْدَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ- وَهُوَ غُلامٌ شَابٌّ ثَقِفٌ لَقِنٌ – فَيُدْلِجُ مِنْ عِنْدِهِمَا بِسَحَرٍ، فَيُصْبِحُ مَعَ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ بِهِ إِلا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلامُ .

التمويه:

وكانت مهمة عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ- مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ-، أن يأتي بالأغنام لمحو آثار خطوات النبي (صلى الله عليه وسلم) وأبي بكر، قالت :” يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ”.

 

الدليل:

وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّه (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلاً، هَادِيَا خِرِّيتًا، ماهرًا بالطريق، وكان من بني الديل، مشركًا، لهم حلف مع آل العاص بن وائل، فَأَخَذَ بِهِمْ طَرِيقَ السَّوَاحِلِ، أي القريب من البحر الأحمر.

ومع هذا التخطيط والاستعداد البشري كان اليقين بالمعيّة الإلهية حاضراً في تلك الهجرة المباركة، فيروى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ, أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ حَدَّثَهُ, قَالَ:

(نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رُؤوسِنَا, وَنَحْنُ فِي الْغَارِ, فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ, أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ, فَقَالَ: يَا أَبَا بَكْرٍ, مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟)، رواه مسلم.

والمعنى هنا واضح، فالنبي (صلى الله عليه وسلم)، يعلمنا أن العمل يجب أن يستكمل كل مستلزمات إنجازه على أتم وجه مع اليقين بتوفيق الله ورعايته، والتوكل –كما يعرّفه الشيخ محمد راتب النابلسي- أن تأخذ بكل الأسباب، حتى لن يظن أن النجاح كله في الأسباب، وبعد ذلك تتوكل على رب الأرباب.

ويتابع الشيخ النابلسي ليوضح بأن الهجرة بهذا الشكل بالنسبة لرسول الله (صلى الله عليه وسلم) كانت رسالة للمسلمين في الاجتهاد في العمل والتوكل على الله، وإلاّ كان بكل سهولة على الله أن ييسر لنبيه براقاً ينقله إلى المدينة في ثواني.. بل إنه (صلى الله عليه وسلم) كان أشجع أصحابه، فلم يمنعه الخوف من أن يظهر على المشركين في هجرته وإنما أراد أن يسطر مجموعة من الدروس في هجرته المباركة.

ويستدل على قوله –أي النابلسي- بحديث سيدنا علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): (كُنَّا إِذَا احْمَرَّ الْبَأْسُ، وَلَقِيَ الْقَوْمُ الْقَوْمَ، اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللهِ  فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدْنَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْهُ).. فهو أشجع أمته، بل إنه في إحدى المرات سمع أهل المدينة أصواتًا مخيفة، فخرجوا من بيوتهم لتقصي الخبر، فإذا النبي قد سبقهم إلى الخطر، وعاد ممتطياً جواده ويقول:(لَنْ تُرَاعُوا, لَنْ تُرَاعُوا)، رواه البخاري.

إذاً القضية برمتها مجموعة من الدروس والعبر لنا نحن أمة الحبيب المصطفى (صلى الله عليه وسلم) لنتأسى برسولنا ونبينا.

 

الخاتمة:

الخلاصة من كل ما مضى أن الرسول الحبيب (صلى الله عليه وسلم) صاحب تجربة الناجحة من المهم دراستها والوقوف على تفاصيلها الدقيقة، وأننا في هذا المرور السريع حاولنا أن نفهم مجموعة مفاتيح النصر النبوي، وما أشدنا حاجة إليها في هذه المرحلة.

ولخصّنا تلك المفاتيح بأربعة أمور؛ هي الهدف الواضح واليقين بنصر الله، والبذل والثبات على الموقف، والأخذ بالأسباب متوكلين على الله المولى القدير.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى