الرائد نت
أسرة وطفلمجلة الرائدنبض العراقمآثر نساء من سنوات الاحتلال
D6F416DF-DA17-4FFE-8376-D42C3BACE2D3_mw1024_n_s

مآثر نساء من سنوات الاحتلال

 

1. دعـــــاء

تطلعت الأرملة الخمسينية من على شاشة التلفاز لمؤتمر صحفي للرئيس الأميركي (جورج بوش) كان يرتدي بدله انيقة وزاهية، متباهياً ومتبختراً أمام الكاميرات، ومتحدثاً عن تصديره ديمقراطية بقوة السلاح، فيما ضحكة عريضة مرسومة على وجهه وسط تصفيقات الحضور.

تذكرت دون إرادة منها، زوجها وولدها البكر، وخمساً من أقربائها استشهدوا برصاص المحتل الأميركي، منذ سقوط العاصمة الحزين، فقالت باكية: (رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ).

2. إيثــــار

بعد رحيل ولدها البكر، شيعت الثاني بنظرة أخيرة، صاحت وراءه: (تعال أقبلك وأشمك لمرة أخيرة)، ضحك وهو يعود مجلجلاً بسلاحه ويقدم لها خده، لكنها حضنته بشده، حتى رغبت بعدم تركه يذهب وأوصته:-

– لا تخذلني..وكن شجاعاً كشقيقك.

حينما عاد كان في قلبه ثقب رصاصة أميركية، استقبلته بزغاريد مخضبة بالدموع ومودعة إياه بقبلة أخرى على جبينه، وفي أيام عزائه، قالت قريبة لها:-

– مساكين هؤلاء الشباب ما فائدة ما يفعلونه..ذهبت دماؤهم سدى.

ردت الأم بلهجة غاضبة:-

– ليت عندي ولداً ثالثاً أقدمه فداءً للوطن.

3. سبـــاق مع الزمن

مع نسمات الصباح الأولى عاد زوجها من منفاه الطويل، استقبلته بابتسامة ملأى بالدموع..لكنها..استيقظت منهكة مع آذان الفجر متحسسة آثار الرؤيا المنتشرة في جو غرفتها كحقيقة ماثلة، رددت دعاء الاستيقاظ، وما ان أتممت صلاتها حتى بدأ يومها بتسارع الخطى.

في الخامسة والنصف جمعت خمس بيضات من أقنان الدجاج وضعتها في قدر تحت موقد نفطي يتنفس أبخرة خانقة، في السادسة أعدت الدقيق الأسمر لعملية الخبز، في السابعة أيقظت أولادها الثلاثة، بعد نصف ساعة ودعتهم لمدارسهم، في الثامنة نادت على حماتها المسنة بأن فطورها جاهز، ما تبقى حتى العاشرة عملت خلف ماكنة خياطة يدوية لإكمال طلبات الزبائن، وأشعلت التنور الطيني وهيأته للخبز، في الحادية عشرة جهزت الغداء للأولاد العائدين، في الثانية عشر ظهراً نظفت المنزل ورتبته، عصراً باعت ما تبقى من مصوغات ذهبية وذهبت لموعد مع محامية زوجها ونقدتها المبلغ، ومن ثم عادت مهرولة مع ميل الثواني حتى المساء، مع آذان الفجر كانت تستعد لزيارة زوجها المعتقل في سجن (بوكا) أقصى الجنوب العراقي.

4.  كافلـــة الأيتام

حينما استقرت رصاصة أميركية طائشة في العمود الفقري لزوجها تركته مشلولاً بالكامل ولم تنفع معه عقاقير الأطباء ولا جلسات علاجه الطويلة والعديدة، ولم يكن أمام زوجته الشابة سوى الجلوس عند فراشه، دائماً وأبداً.

تداريه بحنانها الواسع، تطعمه وتسقيه بيديها، تشذب لحيته وشاربه، تهندمه وتحسن من منظره، وتنظف فضلات امعاءه بكثير من الحب، وتنفق على صغيريها من منسوجات سنارة حياكتها اليدوية، ومن تبرعات الميسورين، حينما توفي بعد ثلاثة أعوام كاملة رآها بمنامه رجل صالح بتلكم الإنحناء تزاحم الرسول (صلى الله عليه وسلم) دخول الجنة.

5.  أسطورة

كانت هي الأم والأخت والزوجة، وكانت هي الدمعة المشبعة بالحزن في فراق الأحباب وفلذات الأكباد، وكانت هي التضحية والإيثار والشجاعة، وذات يوم سيطوى كل ذلك في خضم كتاب التاريخ العظيم، ولا يبقى سوى أثر من نور يحكي عن أسطورة عظيمة كان عنوانها ويبقى من مآثر نساء في زمن الاحتلال.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى