الرائد نت
مجلة الرائدواحات الإيمانالحراك الشعبي.. وغذاء التربية والدعوة
3440_herakiq

الحراك الشعبي.. وغذاء التربية والدعوة

 

لا يختلف إثنان على أن الحراك الشعبي أعاد إلى أهل السنة ملامح الحياة والنبض إلى قلوبهم بعد أن قست او كادت بتأثير التحديات التي يواجهونها ، ولاسيما أنه أوجد معاني التحدي والعزة واتباع العلماء والدعاة من جديد.

لا يعني هذا اغفال أن أهل السنة لم يتفاعلوا بأجمعهم مع هذه الإشارات كون أنها إسلامية ولذا وَجد عموم أهل السنة من غير المتدينين وهم كُثر أنفسهم غير معنيين بالأمر رغم تأثرهم بالجو العام.

ولكن قراءة مسيرة الحراك منذ الانطلاقة وإلى اليوم يمنحنا القناعة بأنه تمكن من زحزحة حجرين أحدهما لدى أهل السنة أنفسهم وهو حجر الرضا بالواقع وذلك من خلال ايجاد القضية التي تمنحهم لوجودهم معناه مرة أخرى، والحجر الثاني لدى الطرف المقابل، وذلك من خلال تفتيت التكتل الحاصل، وإيجاد الرغبة لدى شركاء المالكي بإزاحة كابوسه من الصدارة والتغطرس والتعالي والديكتاتورية .

وبما أن الحراك الشعبي على هذه الدرجة من الأهمية ، كان لا بد من الاهتمام بمنحه زخماً يعمد إلى تأسيسه بشكل منضبط من جهة، ويعطيه الفاعلية المطلوبة لاستمراره من جهة أخرى، وذلك كله يتحقق عبر تعميق معاني التربية الايمانية والصبر والمرابطة في النفوس.

إن الدعوة والتربية عنصران من عناصر تشكيل مجتمع الإيمان وهما وسيلتان قام بهما رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأمر الله، حيث نرى التربية العميقة والدعوة بين المجتمع هي تكليف من الله تعالى إلى رسوله (صلى الله عليه وسلم) ومن بعده إلى إتباعه وأصحابه.

وفي حديث لرسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إنَّ لكلِّ عملٍ شِرَّةٌ، و لكلِّ شرَّةٌ فَتْرَةٌ)، صححه الألباني. فإن كانت شرة أحدكم فليستثمرها، فالحراك حقق ساحة شرة وأيضا حقق حضور حماسي كبير حيث أعاد إلى المجتمعين والسامعين الإحساس بأن أمة الإسلام أمة واحدة وهو شعور لا يمكن وصفه جمالا وروعة، لذا في بيئة كهذه فان الإشارات التربوية والدروس القرآنية تكون مؤثرة وعملية أكثر من أي وقت آخر ولذا تجد أن من جمع أسرته في ساحات الاعتصام أو من شارك مع أخوته في التظاهرات ترسخت لديه إحساس بمعنى قرآني جديد حيث عاش نصر معركة بدر وتهيأت له ذكرى أصحاب البروج وبدا يتلمس رحمة الله في فتح طريق لموسى وقومه داخل البحر وعاش في أقوال احمد ابن حنبل وأبو حنيفة في الابتلاء والوقوف أمام الظلم بل ربما كان صاحب سعيد ابن جبير إمام الحجاج.

إن التربية الإيمانية منهج عملي وحركي لا يمكن أن يجني ثماره بالكلام دون العمل ولا يمكن أن يكون له عمق إن لم يُحفر في النفس ببرامج وتحديات، إن القلوب لا يمكن أن تفهم الآية  (انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ)، سورة التوبة: الآية (41)، حتى تسمع من مآذن الرمادي أن الجيش قد حاصر ساحة الاعتصام فيقوم الأخ من عشاءه أو من فراشه إلى ملابسه فيرتديها ويوصي أهله ويستعد للحاق بفرق النصرة للساحة ثم يحاصر المحاصِرين من الجيش ويقف أمام جبروتهم وهو خائف أن لا يثبت فينزل الله نصره عليه ويرد كيد الحكومة على نحرها وينسحب الجيش، فإذا غمامة من الرضا والشكر والحماسة حيث العيون تذرف والأبدان تقشعر وهي ترى الملائكة تنصر المؤمنين، هذا شعور لا يمكن أن يبنى بأي أقوال أو محاضرات.

ثم إن حركة الحياة خلال الأشهر الماضية في الحراك أصبحت تضم الحراك كجزء أساسي، فإطعام المتظاهرين وإعداد الكاميرات ونصب الخيم واستقبال الوفود والتكلم حول شعار الجمعة واسمها والتعامل مع القنوات ورد الشبهات والاتفاق على البرامج اليومية في المساجد والشوارع واللقاء مع الهيئات والشخوص والمؤسسات وتوعية الشباب والنساء والدعوة في المساجد وإلقاء المحاضرات وإبراز رموز ودعاة جدد وتعويض النقص في الساحات والاعتصامات وجمع الفرقاء من إعلاميين وسياسيين وعلماء وعشائر عمل يومي توطنت عليه نفوسنا وبدأت تتشكل برامج ذات قدرة حركية كبيرة لدى الدعاة لأداء ما عليهم حتى أصبحت البرامج التي تأخذ شهورا سابقا تنجز اليوم خلال (3) أيام أو أقل وهذا تجده في كل محافظة من المحافظات المنتفضة.

أما ما يشعر به البعض من الملل والتعب فهي مسألة طبيعة في التدافع وهي قرين القضية الإيمانية والنفسية وهي كذلك تقترن بالوسائل والبرامج الموضوعة على الدوام من اجل إدامة الحماسة والإقدام والصبر والتفاؤل.

فحديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إنَّ لكلِّ عملٍ شِرَّةٌ، و لكلِّ شرَّةٌ فَتْرَةٌ) يدل على أن النفوس تتأرجح بين الإقدام والإحجام وبين الحماسة والإحباط مع طول الزمن لإن النفوس عجوله وتستبطئ النصر إذا طال الأمر ولذلك قال رسول الله لخباب ابن الارت حين سأله الدعاء وهو الذي حُرق بالنار ولم يطفئه إلا ودك ظهره: إلا تدعو الله لنا إما تجد ما نحن عليه؟؟ فغضب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وقال: انه كان فيمن قبلكم قوم يأتي بهم فيوضع المنشار على مفرق رؤوسهم وينشرون بالمنشار نصفين ما يصرفهم عن دين الله ………. ولكنهم قوم تستعجلون .

لقد كانت نتائج الاحتلال بالنسبة للمجتمع العراقي عامة ومجتمع أهل السنة على وجه الخصوص كبيرة، حيث التفتت والضعف وسوء الخلق وقلة الطموح مع العزلة المجتمعية والإحساس بالإقصاء والصغار والوهن مع عدم الثقة بأي رمز أو عالم أو هيئة، وإن الآخر أقوى ولا فائدة من المقاومة أو المعارضة.

وإذا أخذنا مع الأمر (35) عاماً في حكم العلمانية والنظام السابق الذي حاصر الحريات وأدخل الناس من بلاء حرب إلى بلاء حصار إلى بلاء الرشوة والمحسوبية مما حطم القيم والعادات والتراث وحقيقة التدين، ثم جاء الاحتلال لكي يفرق بين الأخ وأخيه وبين الأب وابنه وبين الجار وجاره وقسم الشعب العراقي إلى طوائف وملل، وقنن هذه الفرقة بقانون وإجراءات ومناصب وقرارات، هل يمكن أن يعود المجتمع العراقي إلى سابق عهده خلال (8) أشهر أو سنة أو أكثر ؟؟ هذا ما لا يقر به علم ولا تاريخ وتجارب.

الرسول صلى الله عليه وسلم استغرق (13) عاماً من أجل أن يبني (78) رجلاً في مكة مع أمثالها في المدينة كشريحة مجتمعية أقام بها دولة الإسلام لاحقاً، لأن هذه الفترة التربوية للمجتمع كفيلة بتحويل القيم النفسية والمجتمعية لإفراد المجتمع إلى قيم ذات مستوى مؤثر وتبني بعد ذلك لها وظائف وواجبات، وتبني في نفس الوقت القدرة على الصمود والثبات والاستمرار مع وجود قضية لا تنازل عنها .

سقطت القدس والشام ونينوى عام (058هـ) وتم تحريرها عام (056هـ)، إن أول حراك لمعارضة المحتلين كانت عام (059هـ) ولكنها لم تثمر إلا بعد (06) عاماً لأن البناء المجتمعي يحتاج إلى وقت طويل لبناء القدرة على النصر خلاف التهديم والذي لا يحتاج إلا إلى عام أو عامين إن لم يكن اقل من ذلك، ولذا من يريد النصر في عراقنا بلا مجتمع مؤيد فهو حالم وإذا أراد أن يكون نصره مع المجتمع السني فعليه أن يرهق نفسه من أجل إعادة قدرته وإمكاناته وقيمه وتاريخه وهذا يحتاج زمناً، فمن تعب خلال هذه الفترة فليستريح برهة ويعود فإن العمل كبير والطريق طويل، وعلى فرق الحراك استنباط من الوسائل الإبداعية من أجل بناء البرامج الإستراتيجية أمثال مؤسسات الحراك والتي سيكون لها الأثر الأكبر في التغيير أمثال مؤسسات المجتمع المدني العمالية والطلابية والتدريسية والهندسية وغيرها من الأطر السياسية والإعلامية والاقتصادية والحركية والشبابية والنسوية وهكذا، وعلى فرق الحراك إيجاد الأساليب المثبتة للجمهور الأعظم وإطالة قدرته على الصمود والعطاء أمثال الأناشيد والمسرحيات والوثائقيات والحضور الرمزي بينهم واستجلاب المؤيدين العالميين من أوربا وأميركا وغيرها للمشاركة وما شابه من البرامج المئوية اليومية والأسبوعية، كل هذا باتجاه تحقيق ضغط على الحكومة والدولة لتحقيق مطالب أهل السنة ورفع معاناتهم .

ويتخلل الحديث بهذا الجانب مسألة المتساقطين في طريق الحراك، فانطلاقاً من أن التمييز في الدعوات مسالة طبيعية وأن التاريخ والتجارب ملئى بالمتساقطين وبالمنشقين والمتفرجين والقاعدين ورجال أول هبّه ، كنا علينا تفهم ما يحصل اليوم بسهولة، فتقدم رجال في مرحلة ما لا يعني ضرورة بقاءهم في المقدمة على الدوام فلربما كانت المرحلة تقدم من هو أكفأ من لها لتغير أشكال التدافع وهذا ما نراه في صلح الحديبية وخروج المسلمين لأداء عمرة الحديبية حيث أرسلت قريش ابتداءً رجال حرب وخديعة ثم أرسلت رجال تدين وتصوف ثم أرسلت رجال تفاوض وكل مرحلة كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مستعد للتعامل معها بشكل يناسب شكلها وخطورتها .

وأخيراً من الواضح أن السائر في طريق النصر والتمكين سيمر بابتلاءات وانسحابات للأصحاب واتهامات بشتى أنواع الشبهات وعليه حينذاك واجبين :

1- الاستمرار والثبات مع وضع ما وسعه من الإجراءات التي تديم تقدمه من إعدادات وإمكانات وبدائل مع المشورة والتعلم من الآخرين.

2-الإيمان بصحة الطريق وان الله معه وان النصر والتمكين بأمر الله وعونه لا بقدرة العبد وبرامجه.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى