الرائد نت
24018951340137495

إطلالة فكرية.. العولمة الإسلامية

 

لا يخفى أننا أعلنا النفير العام للوقوف بوجه سياسة العولمة المتوحشة بأشكالها السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية، وكيف تريد السيطرة على العالم من خلال آلياتها واذرعها، مزيلة خصوصيات السيادة الوطنية واستقلال الاقتصاديات ومزايا الشعوب الوطنية.

إن الواجب الشرعي والوطني يحتم علينا مواجهتها بكل ما نستطيع، لكن علينا ان ندرك أن الضعف الحالي الذي يعيش فيه المسلمون يجعلهم أسهل من غيرهم للوقوع في شرك هذه العولمة والرزوح تحت تأثيراتها، فهم في ذيل الأمم سياسياً واقتصادياً وحضارياً، فالاستبداد ضارب بأطنابه في الدول الإسلامية، والفقر والتخلف الصناعي والزراعي والصحي والتعليمي واضح للعيان، والأمة تعاني من عطالة فكرية وحضارية فقدت معها روح الإنجاز والتطلع إلى مشاكسة وقيادة الأمم الأخرى حضارياً وثقافياً.

إن المنجزات الحضارية لا تقاوم إلاّ بمنجزات حضارية، والتقدم الصناعي. كآلية من آليات العولمة. لا يجابه إلاّ بمثله، أو على الأقل بما يقرب منه أو دونه، بما يحقق الاكتفاء للذات الوطنية.

كيف سنجابه العولمة والاستعمار إذا كانت دول إسلامية تعيش على الحنطة الأميركية!!، وكيف ستنهض الأمة إذا كانت الدول الإسلامية الكبرى كباكستان ومصر تأخذ مساعدات أميركية وأوربية!!، وكيف تحرر فلسطين وتواصل جهادها لعدوها والماء والكهرباء والوقود والحدود بيد غاصبيها!!، وكيف سينهض العراق  وحالة التشظي والانقسام والتاريخ الدموي والمظالم السابقة واللاحقة بين أبنائه وجيرانه تفعل فعلها وتؤخر عملية النهوض!!، أسئلة تدع الحليم حيران، لكن لا بد من طرحها ومحاولة الاجابة عليها.

إن أصغر دارس للثقافة الاسلامية يعلم أن الثقافة الاسلامية عالمية التوجه والمجال والخطاب، (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، سورة الانبياء: الآية (107)، (وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة)، رواه البخاري.

ولقد كانت دعوة النبي (صلى الله عليه وسلم) للملوك في عهده إعلاناً عملياً لعالمية الدعوة الاسلامية، وما الفتوحات الإسلامية إلاّ ترسيخ وتطبيق لهذا المبدأ.

وقد كان النجاح حليفهم، لأن الدين الصافي والشريعة الميسرة والصدق القولي والعملي والمنجز الحضاري والثقافي والأخلاقي الذي كان يمتلكه أصحاب تلك الفتوحات مكّنهم من أن يعولموا قضيتهم ويعمموا رسالتهم بشكل عجيب يدعو إلى الفخر والاعتزاز.

أما اليوم ونحن نعيش عهود التراجع الحضاري، فإننا نواجه العولمة بوسائل تقليدية بالمؤتمرات والندوات والمقالات والكتب والإعلام، وهذه على ضرورتها، إلاّأنه لابد من امتلاك الوسائل المبتكرة، والبرامج المدعومة لمواجهتها، بعد مراجعة الذات، وحضور القرار السياسي، وفهم الظاهرة بأبعادها الحقيقية من خلال الإحصاءات والأرقام الدقيقة، لمحاصرتها والتقليل من آثارها أو الاستفادة منها ماأمكن.

ولعلي وأنا اضرب مثلاً للعولمة الثقافية في مجال الفنون يتضح الأمر أكثر، حيث تقول التقارير: (إن أكثر من 1000 فيلم أنتج في هوليود، منذ أول فيلم أنتج هناك عام 1895م يتحدث عن تخلف ووحشية ونزوات العرب والمسلمين تصريحاً أو تلميحاً)، والغريب أن ذاك كان عام 1896م أي بعد عام واحد من إنتاج أول فيلم، ولنبدأ بمقارنة بسيطة من هذه النقطة:

1. ان الافلام الهوليودية التي تنبز العرب والمسلمين تعدت الألف فيلم، فكم اذن هو الرقم الحقيقي لمجموع أفلام هوليود الى هذه الساعة، والتي تعرض في دور السينما وشاشات الفضائيات في العالمين العربي والإسلامي، وما يشاهد منها أكثر بكثير مما يشاهد من غيرها من الأفلام الأخرى بما فيها الأفلام العربية.

إن مشاهدة هذه الافلام والتي تشكل (85 %) من المنتج العالمي يشكل نذير خطر، لما فيها من عوامل الإبهار، فقد غدا النموذج الأميركي مؤثراً ليس في المنتمين للحضارة الاسلامية فحسب، بل في أبناء الكثير من الحضارات  كاليابانية والفرنسية والصينية، وقد بدأت تدق ناقوس الخطر لأن الخصوصية الثقافية أصبحت مهددة من هذا السيل العارم من الأفلام.

2. إننا بقينا لعقود وإلى هذه اللحظة نناقش فقهياً إباحة التمثيل أو عدم إباحته، وما تزال جمهرة لا باس بها يحرم التمثيل، ليس استناداً لأدلة شرعية قوية بقدر ما هو الحاجز النفسي والتقليد الفقهي.

3. إن الألف فيلم وما تضمنته من الأفكار والاتهامات والتشويهات للعرب والمسلمين إنما وراءها مؤسسات ومراكز أبحاث وحكومات تدعم هذا التوجه فكرياً ومالياً وبحثياً، فما هو الدور الذي قامت به الأمة المسلمة وهي تواجه مثل هذه العولمة الثقافية، وهي لن تؤدي دوراً يذكر مستقبلاً إلاّ بالتحلي بقيم الفهم والتخطيط ودراسة الواقع وبرمجة الحلول وابتكار الوسائل والآليات.

إن اليهود في أميركا أنتجوا عام 1916 فيلم مولد امة – يقصدون امة اليهود – وقد كان هذا الفيلم حلقة في سلسلة طويلة من الجهود لإقامة دولة الكيان الصهيوني، وقد أنشئت الجامعة العبرية في فلسطين عام 1924م وقد قال حاييم وايزمان – عالم الكيمياء – وأول رئيس لإسرائيل عند افتتاحها: “الآن تم بناء الدولة”.

إن الحضارة والسيادة والاسقلال لاتنشأ بقرار ولا بحماسات ثورة ولا ببلاغة قصيدة، إنما تنشأ بفهم واع للدين، وبدعاة عاملين مخلصين، وبأطباء ومهندسين وصناعيين ومخططين بارزين، وحتى نأكل مما نزرع، ونركب مما نصنع، ونلبس مما نخيط، عند ذاك نستطيع تعميم تجربتنا وعولمة أفكارنا وحضارتنا، والأمل حاضر غير مقطوع ما دام الإسلام محفوظاً وقيمنا الروحية باقية، فهي الكٍفيلة بأن تعيدنا إلى سابق عهدنا وتلهمنا الطاقة لمراجعة ذاتنا، بل هي السحر العظيم لاجتذاب غيرنا الينا بما تمتلك هذه القيم من ربانية المصدر وفطرية الطابع وعالمية الصلاحية.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى