الرائد نت
مجلة الرائدمنوعاتنبض العراقواحات الإيمانزاد الدعاة.. فقه الواقع وبناء الأحكام والمواقف
زاد الدعاة

زاد الدعاة.. فقه الواقع وبناء الأحكام والمواقف

 

إنني لا أبالغ عند القول: أن المشكلة عند كثير من الدعاة والعلماء والساسة والمثقفين هو الجهل بالواقع والقوى المحركة والفاعلة فيه، من قرارات سياسية وثقافة شعبية وتقاليد اجتماعية وتراكمات تاريخية وموازين قوى مالية وعسكرية.

إن عقلية الحب والبغض دون معرفة الأسباب الموضوعية والقدرات والإمكانات للتعامل مع الواقع، أوقع العمل الإسلامي عموماً في مشكلات معروفة جعلته يكشف أوراقه وبناه التحتية من غير داعٍ ولا مبرر.

 

وأنا هنا لا أريد سرد كثير من الآيات والأحاديث التي تشرح لنا كيف أن القرآن كان يتنزل والحديث كيف يورد وهما يعالجان الواقع بحسب الحال، ويتقلبان في الأحكام بحسب الظروف، ولا أريد التوسّع في ذكر جملة من أقوال الفقهاء ومجتهدي الأمة وهم يراعون الواقع ومتغيراته بما يناسب جلب المصالح ودرء المفاسد فذكر ذلك في مظانه المعروفة في كتب العلم الشرعي، ولكن أقول أن هناك جهلاً كبيراً بآلياته القرآنية والحديثية والفقهية والأصولية لفهم الواقع والتعامل معه.

لقد حدث تقصير في فهم الواقع العراقي وكيفية التعامل معه، حيث تتعدد المشكلات والأطراف والمصالح والأجندات والطوائف وتتشابك الجغرافيا فيه مع التاريخ مع الدين مع السياسة تشابكاً عجيباً، يستحق التأمل والدراسة من الأطراف العاملة في الساحة العراقية فكيف بغير العراقيين مخلصين وغير مخلصين،وهم لا يعرفون العدو من الصديق ولا تناقضات الوضع العراقي الملتبس، والذي استثمر من قبل أطراف دولية وإقليمية ومحلية تريد جعل هذا البلد مسرحاً لتصفية الحسابات بالوسائل المشروعة وغير المشروعة.

إن أحد أهم أسباب إخفاق الساسة هو الإخفاق في إنشاء تحالفات قبل أن تقوم بخطوتها بإعلان حكم إسلامي، كما أغفلت سياسة التحييد والمراوغة للأطراف الإقليمية والدولية الفاعلة داخلياً وخارجياً، والتحييد سنة نبوية وسياسة شرعية جليلة، فالنبي (صلى الله عليه وسلم) حالف وصالح قريشاً وخزاعة وغيرهم من القبائل المشركة، لأن مشروع البناء في وقت ما كان يحتاج التهدئة والبناء لمواصلة الطريق وهو المؤيد من السماء!!.

وعلى العموم فإنما أردنا التنبيه على أهمية فقه الواقع لبناء المواقف، ومما دعاني إلى ذلك التوكيد أننا بالتجربة بنينا الكثير من المواقف بناء على أعتبار موازين القوى في صالحنا وأننا في موقع الهجوم، وإذا بنا وبسرعة نقف موقف الدفاع بسبب الخطأ في الحسابات والوقوع في وهم القوة الطاغي الذي يسيطر على المشاعر ويتحكم في القرارات.

لا بد أن ننتبه إلى أن شبكة العلاقات الدولية والتحالفات القائمة اليوم لا تقوم على المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية بمفردها، بل مجموع ذلك هو الذي يتحكم في قانون التحالفات الجاري، فمثلا لو كنا أعظم الأمم مبادئ وقيماً لكننا مأسورون رهن المساعدات، فإن القيم التي نتغنى بها لن تنفعنا عندئذٍ في استقلال قرار أو نهضة أمة، وكما قالوا: إذا لم يكن طعامك من فأسك لم يكن رأيك من رأسك، وكما يقول الكاتب المبدع د. وليد سيف: “إن الامة التي لا تنتج طعامها وشرابها لن تنتج واقعها”.

إن عالم اليوم ما زال عالم القطب الأميركي الأوحد الذي يريد أن يهيمن على مقدرات العالم مسلمه وكافره، والذي يسوّق نموذجه السياسي والاقتصادي والثقافي ويستعمل في سبيل ذلك كل السبل المشروعة وغير المشروعة، ومن هنا فإني أتصور أن الواجب تجاه هذا العدو المتفرد التعامل معه بإزدواجية، فمن ناحية من الواجب مقاومة مشاريعه الإستعمارية بصورها وأشكالها المتعددة، ومن ناحية أخرى من الضروري تحييده والمراوغة معه ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، لنكسب الوقت لبناء النفس وإعداد القوة، ولتفويت الفرصة عليه أن يجرنا إلى معارك يفرضها هو في الوقت والميدان والاسلوب الذي يريد، حتى لا نفقد المقاومة والبناء جميعاً.

المشكلة العراقية مشكلة معقدة من هذه الناحية فمن جانب يقتضي الواجب الشرعي والوطني كان مقاومة المحتل حتى إخراج آخر جندي من البلاد، ومن ناحية أخرى فإن هذا العدو المحتل موجود في المنطقة وبقوة في البر والبحر والجو مما يقتضي بضرورة وجود صيغة للتفاهم، حتى لو خرج هذا المحتل ساحباً وراءه أذيال الهزيمة.

والمشكلة الفلسطينية ذات تعقيد أكبر فيما يخص هذا القطب، ففي الوقت الذي تكون فيه أميركا الداعمة الرئيس لإسرائيل، فإنها أيضاً المؤثر الرئيس عليه.

لو أردت أن ألخصّ لك مضمون الآلاف من الكتب والبحوث في الفكر الإسلامي والفقه والأصول والفتوى والسياسة لقلت لك: إعرف الواقع على حقيقته، ثم ابدأ المعالجة وفق القيم الاسلامية.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى