الرائد نت
مجلة الرائدملف العددعام على الحراك الشعبي.. مسيرة نصر سطرتها دماء الشهداء
1234rghmnhgf

عام على الحراك الشعبي.. مسيرة نصر سطرتها دماء الشهداء

 

إقترب منه بهدوء بعد إنتهاء الصلاة ودسّ في يديه كيساً من النقود، سأله: ما هذا؟؟

رد عليه: بعت أرضي.. وجئتك بثمنها.. حتى يستمر الحراك الشعبي في الفلوجة.

صمت الشيخ ولمعة عينيه ووضع قبلة على جبين صاحبه، مدركاً إلى أي حدٍ آمن العراقيون بحراكهم الشعبي، وأنه بات طريق الخلاص بالنسبةِ لهم.

مسيرة تضحية

قبل عامٍ من الآن أنطلق شيخ ضئيل الجسم كبير الهمّة بإتجاه الطريق الدولي مصطحباً معه العشرات من أهالي الفلوجة الغاضبين من تصاعد القهر الطائفي، ومؤكداً على إغلاق الطريق الدولي حتى تتحقق المطالب.

وقت قصير وتحرّكت الرمادي وسامراء وديالى وبغداد ونينوى وكركوك، لتتبلور مجموعة من المطالب الملحّة لجمهور هذه المحافظات، والذي يحمل في ذاكرته سجلاً مؤلماً من القتل والتهجير بدأ بتاريخ 9/4/2003 ولم ينته إلى غاية اللحظات التي تكتب فيها هذه الكلمات.

ويعيد لنا د. عبد العزيز الجميلي سرد القصة كاملةً، مؤكداً أن البداية كانت من الفلوجة من جامع الهداية تحديداً، إذ أديت صلاة الجمعة بعدها أنطلق الناس بإتجاه الطريق الدولي.

وفي يوم الأحد 23/12/2012 خرجت الرمادي، وبعدها كان في يوم الأربعاء تجمع بعنوان يوم الكرامة في ساحة العزة والكرامة.

وعلى الرغم أن الأمر كان في بدايته محدداً، إلاّ أن المطالب سرعان ما تبلورت لتأخذ مجموعة يمكن تحديدها بالآتي:

– إطلاق سراح المعتقلين، والنساء المعتقلات بشكل خاص، وتفعيل قانون العفو العام، ومحاسبة المجرمين الذين أساؤوا معاملة المعتقلين والمعتقلات.

– إغلاق جميع الملفات التي تستهدف القيادات السنية، والكف عن تسييس القضاء، وإلغاء المادة (4) من قانون مكافحة إرهاب الذي يستخدم بشكل مكثف لاستهداف رموز السنة والعمل على إلغاء قانون المساءلة والعدالة الذي أصاب الناس بالحيف والظلم.

– تحقيق التوازن في كل مؤسسات الدولة ومنها المؤسسات العسكرية والأمنية.

– تسليم الملف الأمني في كل محافظة لقوى الأمن المحلية، ومنع المداهمات التي يقوم بها الجيش بتوجيه مباشر من الحكومة المركزية.

– إلغاء قيادات العمليات في جميع محافظات العراق، ومنع استخدام الشعارات الطائفية.

– وإجراء تعداد سكاني شامل تحت إشراف الأمم المتحدة قبل إجراء انتخابات عامة.

– تجنب المداهمات العشوائية وإلغاء قانون المخبر السري، والإسراع في تشكيل المحكمة القضائية العليا بشكل مهني.

– وإعادة جميع مساجد أهل السنة والممتلكات المغتصبة وإلغاء القانون (19) عام 2005.

– الكف عن التجاوزات التي تمارس بشكل منظم في المناهج الدراسية ووسائل الإعلام الرسمية بحق أبناء البلد.

ولم ينتظر أصحاب الهمم طويلاً، حتى أسّسوا ساحات للإعتصام، فنصبت الخيم، وبات الناس يجتمعون في تلك الأماكن، التي باتت منارات بوجه الظلم والظالمين.

وكانت البداية في ساحة العزّة والكرامة في الرمادي، وساحة الفلوجة، وميدان الحق في سامراء، وساحة إعتصام تكريت وساحة الفتح في قضاء بيجي بمحافظة صلاح الدين، وساحة إعتصام قضاء الشرقاط، وساحة إعتصام الموصل، وساحة إعتصام الحويجة.

ساحة للعزّة في الرمادي

إنطلاقة الحراك على المستوى التنظيمي كانت من الأنبار، عندما أجتمع أهالي الرمادي في ساحة أطلق عليها ساحة العزّة والكرامة.

يحدثنا مسؤول العلاقات في الحراك الشعبي د.عبد الرزاق الشمري عن سبب مبادرة المحافظة للدخول ضمن خط الحراك الشعبي قائلاً «الكل يعلم أن أهل السنة في العراق يعانون من الظلم والاعتقالات العشوائية والمداهمات الليلية، وجاء إعتقال حماية د.رافع العيساوي ليشكل القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ بات أهل السنة بمواجهة تهديد مباشر لهم ولرموزهم بدءاً بـد.عدنان الدليمي مروراً بالنائب محمد الدايني وإنتهاءً بالعيساوي».

الشمري كان ضيفاً على مجلة «الرائد»، وكان لنا معه هذا الحوار

الرائد: كيف تقيّمون تفاعل أهل الانبار مع الحراك الشعبي خلال عامٍ مضى؟

الشمري: بفضل الله الجماهير في تفاعل متصاعد مع الحراك، صحيح أن هناك بعض التراجع في عدد من الساحات بسبب المضايقات والتهديدات والمؤامرات، لكن مع ذلك ما زالت الجماهير ملتفة حول الحراك لأنها مقتنعة بأهمية ومكانة الحراك.

الرائد: ساحة العزة والكرامة هي أكبر الساحات في الحراك الشعبي، كيف نجحتم بإدارتها من الناحية المالية والتنظيمية والإدارية طيلة العام الماضي؟

الشمري: الكل يعلم أن المحافظات الست تشكلت لديها منذ اليوم الأول لجنة تدير الساحات الست، حيث أن لهذه اللجنة إجتماعات دورية لإدامة إدارة الحراك، حيث يتم تحديد أسماء الجمع ومحاورها والفعاليات التي يحتاجها الحراك لإدامة زخمه،  وآليات إدارتها واحتياجاتها.

وفي بداية الحراك، تكفل شيوخ العشائر بإدامة الحراك من الناحية المادية فنصبوا الخيم وقدموا وجبات الطعام للمعتصمين، لكن بعدها بدأ التفكير ببدائل، فكان أول مشروع هو صندوق التبرعات، والذي يجوب به الشباب ساحة الاعتصام يوم الجمعة، وبفضل الله وفر لنا ذلك مبالغ جيدة، كذلك هناك التبرعات التي تأتي من العراقيّين في الداخل والعراقيّين المقيمين في الخارج، فإننا وبفضل الله لم نستلم مبالغ من غير العراقيّين، وهذا مما يدل على أن أنتفاضتنا عراقية.

فالحراك بدأ عفوياً وأنتقل إلى العمل المؤسسي، حيث أعلنت الواجهة للحراك وأعلن الناطق الرسمي للحراك والناطق الرسمي بإسم كل محافظة ومسؤول العلاقات الخارجية للحراك والهيئة العامة من جميع المحافظات الست، وهي المعنية برسم الاستراتيجية لهذا الحراك.

أمنياً، منذ اليوم الأول كان لنا ترتيب لحماية الساحة عبر تشكيل لجان خاصة بهذا الأمر، وحتى الشرطة المحلية كان لها دورها في حماية الساحة.

الرائد: هل تعرضت الساحة لتهديد أمني خلال العام الأول للحراك؟

الشمري: بالطبع تعرضت الساحة لتهديد أمني كبير، لاسيما خلال شهر نيسان الماضي عندما قدمت قوة أمنية حكومية كبيرة وحاصرت الساحة، لكنها لم تحاول إقتحامها بعد أن أجتمع الأهالي في الساحة رافضين إقتحامها.

كذلك الصحوات الجديدة، والتي حاولت إستهداف الساحة، وفي بعض الجمع أستهدفت الساحة بعبوات صوتية، وأحرقت سيارات المصلين وأعتقل عدد من مرتادي الساحة، وأبرز تهديد للساحة كان عبر محاولة تلفيق تهمة مقتل الجنود الخمسة لعدد من مشايخ الساحة، ومحاولة جعل الأمر ذريعة لإقتحام الساحة.

الرائد: هل من الممكن أن تذكر لنا نماذج من بذل أهل الأنبار وتضحياتهم لإدامة زخم الحراك الشعبي؟

الشمري: كثير من التضحيات التي قدمها أهل الأنبار، قدمت كرياحين ينبهر بها الإنسان، فعلى سبيل المثال كنا في إحدى المرات بحاجة إلى مبلغ أجرة سيارة النقل التلفازي المباشر، والذي عجزنا عن توفيره، حتى قدمت إمرأة وأعلنت رغبتها في تحمل كلفة النقل التلفزيوني المباشر.

ولدى إستفسار مسؤولي الساحة عن المرأة، تبيّن لهم أنها ليست ميسورة الحال، لكنها باعت جزء من حليها لتوفير مبلغ المساعدة للحراك الشعبي في الأنبار.

بغداد.. المشهداني قرباناً للحراك

في بغداد كان للبطولة وجهها الناصع، في ظل تحدي وتضييق أمني غير مسبوق، جعل من المساجد ساحة للتظاهر وإعلان المظلومية والإنتصار للقضية.

بغداد ومنذ الجمعة الأولى أجتمعت في جامع الإمام الأعظم أبي حنيفة، معلنةً أنتصارها للمعتقلين والمعتقلات، ومطالبتها بإنهاء حالة التمييز والإقصاء الطائفي، فمن هناك هتف الشيخ منير العبيدي: «سلمية إسلامية.. لا شرقية ولا غربية»، راسماً مع إخوته خطاً واضحاً لهذا الحراك الملتزم بقيادة العمامة البيضاء.

وكانت لهذا الحراك أيام ليست كالأيام، بل علامات في مسيرته، منها يوم نصرة الإمام أبي حنيفة، بعد أن أغلقته القوات الحكومية أمام المصلين، ويوم الاعتصام في العامرية للمطالبة بإطلاق سراح الشيخ عقيل الفهداوي والذي أعتقل من العامرية غرب بغداد، ويوم الإعتصام للمطالبة بإطلاق سراح الشيخ منير العبيدي بعد أن أعتقلته القوات الحكومية من جامع برهان الدين ملا حمادي في حي الجامعة، ويوم الاعتصام للمطالبة بإطلاق سراح الشيخين عبد الستار عبد الجبار ومصطفى البياتى في جامع أبي حنيفة،

ولأن العمامة البيضاء كانت في المقدمة، فكان عليها أن تدفع الكثير.. فكانت دماء قاسم المشهداني.

وإذا ما علمنا أنه أحد الناطقين بإسم الحراك في بغداد، لذا وجدنا في «الرائد» أن من الوفاء للشيخ أن نعيد كلماته عن الحراك في بغداد:

يقول الشيخ الشهيد «نحن خرجنا لا من أجل مال، ولا من أجل جاه، ولا من أجل منصب، نحن خرجنا من أجل دين يُستهزأ به وعقيدة تهان، أعراض تنتهك، مساجد تفجر، أولاد يعذبون في السجون مناطق يضيّق عليها، فلا بد لأهل السنة أن يستشعروا القضية».

ويضيف الشيخ ناصحاً أهل السنة «لا بد أن يكون هناك عمل مع الله في الجانب الروحاني، ولابد لهم من عمل عبر آليات منها حشد الشباب، توفير قنوات ومواقع وصفحات تواصل إجتماعي لحشدهم، لأن الحراك قائم على الشباب فمادام الشباب موجود فبإذن الله سبحانه وتعالى الحراك موجود».

ويوضح الشيخ الشهيد: «لابد للحراك من مشروع لتكوين هوية أهل السنة، لا بد لأهل السنة من الإعتماد على مشايخهم ومراجعهم حتى يكون لهم منطلق للخروج».

لكن الشيخ الذي رسم بدمه طريق النصر لهذا الحراك، لم يكتب له أن يره بعينيه، إذ طالته رصاصات الغدر على يد الميليشيات الطائفية وبالتعاون مع القوات الحكومية، في منطقته التي عشقها (الغزالية)..

ميدان للحق في سامراء

لم يمضِ أكثر من أسبوع على إنطلاقة الحراك، حتى بادر أهل سامراء لإفتتاح ميدان الحق والذي ظل إلى يومنا معلماً من معالم الحراك الشعبي، لاسيما مع تعرضه المتكرر للاعتداءات المسلحة.

ويحدثنا القيادي البارز في الحراك الشعبي الشيخ حسين غازي عن سامراء ومبادرتها للحاق بركب الحراك، قائلاً: «لما كان القضاء عرف المظاهرات قبل عامين بسبب الضغط عليه، بعدة سبل منها الاستيلاء على الحضرة العسكرية، والاستملاك القصري للعقارات القريبة من الحضرة والشراء بطرق غير شرعية، كذلك إحاطة المنطقة بالحواجز الكونكريتية، وإقفال الأسواق، كل ذلك سبّب ضغطاً نفسياً على أهل سامراء، وهو ما جعلهم يبحثون عن متنفس، وهو ما وجدوه في إعتصام الرمادي».

حوارنا أستمر مع الشيخ غازي، إذ كان لنا تساؤل عن الوسائل التي حافظ من خلالها الحراك الشعبي في سامراء على زخمه، فأجابنا قائلاً: «نظمنا فعاليات متعددة لإدامة زخم الحراك، منها جعلنا لمن يسمي أسماء أبنائهم عمر وعائشة هدايا قيمة، كذلك حفلات ختان الأطفال، كذلك دعم المتزوجين الجدد من العاملين في الساحة».

الرائد: هل تعتقدون أن من الأجدى بناء رؤية خاصة بكل محافظة أو ساحة، أم من المهم توحيد الرؤى وجعل مطالب الحراك الشعبي واحدة؟

غازي: رأي اللجنة المنسقة للحراك، أن المطالب تكون واحدة لكل المحافظات وليست لكل محافظة على حدة، وهذا ما أبلغنا به محافظ الأنبار عندما دخل وسيطاً بيننا وبين الحكومة، فحمل جميع المطالب التي تشترك فيها جميع المحافظات المنتفضة.

لكن –ومع الأسف- أن هناك حالة من التسويف وعدم الرغبة في تنفيذ أي من المطالب، هم يريدون أن يوصلوا أهل السنة إلى حالة من اليأس والقنوط حتى بعد ذلك لا يشاركون في الانتخابات القادمة، لتبقى الكفة غير متوازنة ويبقى التهميش والإقصاء.

الرائد: شيخ هناك من يقول.. لو تركنا الأمر كما هو قبل الحراك لكان الأمر أفضل؟ فالتضييق والإعتقال والاغتيال إزداد بشكلٍ كبير عما كان قبله.. ما تعليقكم؟

غازي: الأمر صحيح.. ولكن هذا لأن أصوات العراقيّين من أهل السنة بدأت تظهر في معارضة للمشروع الإيراني، فلابد بالتالي أن تتصاعد حدة الهجوم والتهديد والوعيد، للقضاء على الحراك من أجل أن يستمر مشروعهم في طريقه.

لذلك نقول لأهل السنة، القضية كبيرة وتحتاج إلى تضحية، فالعراق بعد عشرة أعوام بنى جيشاً طائفياً وميليشيات وسيطروا على الدولة ومقدراتها، بالتالي فالتصحيح لا يتم بيوم أو يومين، وهذا ما كنا ندركه قبل الحراك.

لذلك إن كان أهل السنة على مستوى أن يغيروا وأن يجعلوا البلد يعيش متوازناً، فعليهم أن يصبروا على ما يتعرضون له، وهو ثمن لحياة كريمة بلا إقصاء أو تهميش.

ديالى.. خط المواجهة

الحراك الشعبي في ديالى مختلف، فهو خط المواجهة الأول، ولدى حوارنا مع القيادي في الحراك الشعبي في محافظة ديالى الشيخ أحمد سعيد تنبهر بعدد من سقط من أبناء المحافظة، والتي ما زالت مستمرة بحراكها إلى الآن.

ويسطّر لنا الشيخ سعيد قائمة من الضحايا الذين سقطوا خلال العام الماضي، ومنهم «الشيخ عبد الرحمن البدري الذي تم إغتياله، وأيضاً تم إغتيال الشيخ د.ثابت حسين وتم خطف الشيخ علي سلمان من المقدادية»، أما عن المحاولات فيسرد لنا الشيخ «محاولة إغتيال الشيخ شهاب البدري ومحاولتين لإغتيالي وخطف أخي وإعتقال الشيخ فهد العزاوي واعتقال الشيخ رعد غالب، هذا إضافةً للتهديدات المتكررة عبر الهاتف للمشايخ وتهجير العوائل وأخذ نشطاء من شباب الحراك وتفجيرين في سارية وتهديد ساحة جلولاء وإجبار الناس على الصلاة داخل المسجد بالقوة وتفجير جامع أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) وتفجير جامع أبي القاسم، وخطف المصلين العائدين من صلاة الجمعة بسيارات الحكومة والميليشيات إلى مناطق مجهولة».

ويروي الشيخ أحمد سعيد كيف أنطلق الحراك في ديالى قائلاً: «بعد أسبوعين من إنطلاقة الحراك في الرمادي إلتقى شيوخ ديالى وقرروا الإنضمام لمسيرة هذه الثورة المباركة، وكانت ديالى أصلاً مهيّأة لمثل هذا الحراك لإن الإقصاء والتهميش فيها وصل أعلى مدياته، حتى ظن الناس أنه لايمكن لأحد أن ينتفض حتى سلمياً في ديالى، ومع أن الأمر كان فيه شيء من الصعوبة، إلاّ أننا قررنا –أكثر من خمسين إماماً وخطيباً- أن ننطلق في ديالى ونعلن النفير للإنخراط في الحراك الشعبي لإن الله عاب على بني إسرائيل أنهم لم يقفوا ضد الظلم».

ويذكر الشيخ سعيد معالم بارزة في مسيرة الحراك، ومنها «ساحة جامع سارية وجسر سارية الذي سقط عليه الشهداء، وساحة جامع حي المعلمين، وساحة جامع أبي حنيفة في جلولاء وساحة السلام في قرتبة، وأيضاً ساحة مالك بن أنس في حي المعلمين».

أسئلة «الرائد» عن الحراك في ديالى لم تتوقف عند هذا الحد، إذ إستفسرنا من الشيخ عن رأيه بما يقوله البعض عن مسؤولية الحراك عن ما حصل من قتلٍ وتهجير في ديالى تحديداً، إجابنا مؤكداً «هذا الرأي لا يصدر عن عاقل يقرأ الساحة، إن عدد القتلى والمعتقلين قبل الحراك كبير جداً، كما أنه وبسبب الحراك مثلاً في ديالى خرج عدد من المعتقلين وتحركت مجموعة من القضايا، مع إنطلاقة الحراك خرجت الكثافة السكانية لأهل السنة في ديالى بعد أن خرجنا في جميع الأقضية بعد أن ظن البعض أن أهل السنة أنتهوا في ديالى».

ويتابع الشيخ متسائلاً «هل تهجير أهل السنة في الناصرية والاعتداء على المساجد في البصرة له علاقة بالحراك، إن الأمر في حقيقته مرتبط بمشروع يهدف لإحداث تغيير ديمغرافي في هذه المحافظات ولا علاقة للحراك به، وأتمنى أن ينتبه له الجميع».

الرائد: شيخ.. هذا الحجم من الانتهاك والقتل والتهجير لأهل ديالى هل هو موثّق بالإحصائيات والأرقام والأسماء؟

سعيد: الحراك الشعبي هو شعبي، الآن بدأ محاولة مأسسة نفسه لتدويل القضية، الآن هناك لدينا (400) عائلة مهجرة من المقدادية منذ إنطلاقة الحراك، وهناك الكثير منهم يبحث عن ملاذ آمن لإيصال صوتهم، ونحن ماضون لتدويل قضيتنا.

الرائد: هل لكم بذكر بعض ملامح التضحية من أبناء ديالى؟

سعيد: تكاد تكون ساحة البطولة في الحراك الشعبي في ديالى، ففي الجمعة التي أعقبت التفجير الأول الذي أصاب ساحة سارية وقتل فيه طفلان، وقف الناس وكبروا في الساحة، وفي الجمعة الثانية جلب الناس أطفالهم تحدياً للمفجرين.

وفي الجمعة التي أعقبت التفجير الذي أستهدف الجسر القريب من جامع سارية، أصرّ المصلون على الوصول والاحتشاد في ساحة سارية، وهناك أم فقدت ثلاثة من أبنائها، وأخرى فقدت أبنين وبقي لها واحد، وهناك أم فقدت أحد أبنائها وبقي لها واحد، أرسلته ليقف على المنصة في الأسبوع الأول على وفاة أخيه.

وهناك رجل عمره (58) عاماً يعاني القلب والروماتيزم يأتي كل أسبوع إلى ساحة سارية سائراً على قدميه ولمدة ساعتين، ورغم طلب المصلين منه عدم المجيء كونه معذوراً، رفض وظل مصراً على الحضور والمشاركة في الجمع الموحدة.

فالجماهير قدمت وأدت واجبها، والمتبقي من مسؤولية ملقى على كاهل السياسيين والمفتين ليأخذوا دورهم.

نينوى.. حراك العلماء والدعاة

عن الحراك في نينوى، بداياته والتحديات التي واجهته التقينا المتحدث الرسمي باسم علماء ودعاة نينوى والحراك الشعبي الشيخ عبد الرحمن الموصلي، فكان هذا الحوار..

 

الرائد: متى كانت إنطلاقة الحراك في نينوى؟

الموصلي: في يوم الخميس الموافق 27/12/2012، أجتمع العلماء والدعاة وجميع اﻻئمة والخطباء في الموصل،  في جامع النبي شيت لمدارسة حملة محمد (صلى الله عليه وسلم) قدوتنا وكانت حادثة اغتصاب فتاة من قبل القوات اﻻمنية قد وقعت قبل الإجتماع بأيامٍ قلائل، وقتها قرّر الجميع على الخروج بمظاهرة إلى مجلس المحافظة للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين والمعتقلات اﻻبرياء ومن ثم العودة إلى الجامع لمداولة اﻻجراءات بعدها، وتزامن ذلك مع إنطلاقة الحراك في الأنبار، وكان ذاك الخروج المبارك بداية ثورة العمائم البيضاء.

إذ خرج فيها أكثر من (600) إمام وخطيب مماجعل لها وقعا في نفوس الناس ثم تم اﻻتفاق بعدها على اصدار بيان من قبل (علماء ودعاة نينوى)، ومن هنا أنطلق هذا المجمع المبارك والذي جمع من كل المدارس الفكرية اﻻسلامية ولم يفرق بين صوفي وﻻسلفي وﻻاخواني وﻻغيرهم بل لم يكن التجمع هذا والى اليوم إﻻّ على أساس نصرة قضية أهل السنة والجماعة الذين لطالما أغتصبت حقوقهم وعذب أبناؤهم واعتقل شبابهم ورملت نساؤهم ويتم أطفالهم وانتهكت حرماتهم.

فتم الاتفاق على تشيكل لجنة من العلماء والدعاة لكتابة بيان المطالب والتي تمثلت في البداية بالآتي:

إخراج المعتقلين والمعتقلات اﻻبرياء.

إلغاء المادة 4 ارهاب.

إخراج قوات الجيش والشرطة اﻻتحادية من المدينة واستبدالها بشرطة محلية.

إلغاء قانون المساءلة والعدالة.

وتم اﻻتفاق على أن تكون مظاهرة في اليوم التالي بعد  صلاة الجمعة مباشرة تنطلق من المساجد إلى منطقتين، الجانب الايمن في منطقة خزرج والجانب اﻻيسر في المنصة وبالفعل انطلقت مئات الآﻻف في اليوم الثاني إلى المنطقتين بعد توجيه العلماء والدعاة لتلك الجماهير المباركة صاحبة الغيرة على دينها واعراضها.

وبعدها بدأت تلك المظاهرات وانطلقت مظاهرات الجانب الأيمن من منطقة خزرج وامتدت حتى وصلت إلى ساحة اﻻحرار وتم فتح تلك الساحة في تلك الجمعة المباركة.

الرائد: هل تم إختيار ساحات محددة للحراك في نينوى؟

المصلاوي: كان رأي العلماء أن تكون هناك صلوات موحدة في الجانب الأيمن والأيسر فكان الجامع الكبير هو الساحة اﻻولى لتلك المظاهرات وتلك الجمع التي تلقى فيها الخطب والكلمات والقصائد المطالبة بالحقوق أما في الجانب اﻻيسر فكانت التضييقات من قبل الجيش شديدة جداً.

ممادعى العلماء إلى فتح ساحة أخرى في ذاك الجانب وذلك في جامع الرحمة في حي السكر وكان يحضرها الآلاف مما جعل القوات الأمنية تقف عاجزة حائرة من أين تاتي هذه الجموع مماجعلها في اﻻيام اﻻخرى تقطع الطرق وتمنع مرور السيارات في الطرق المؤدية إلى تلك الساحات.

ولكن الحراك الشعبي لم تنثن عزائمه ولم يتوقف بل زاد اصرارا وعزيمة في ايجاد البديل لتلك الساحات فأصبح لكل منطقة مكان يصلون فيها الجمع الموحدة مما جعل الحكومة في حيرة من أمرها أين تذهب وماذا تغلق حتى أن الجمع الموحدة المركزية بدأت تقام كل مرة في مكان أو شارع، فالجمع الموحدة التي أقيمت في حي الرفاعي وموصل الجديدة حضرها الآلاف مما جعل الحكومة عاجزة عن صد هذا الحراك المبارك.

وكل ذلك كان من حكمة قادة الحراك والتي شكلت اكثر من عشر ساحات على مستوى المحافظة شهدت تفاعلاً جماهيرياً.

الرائد: كيف سارت مسيرة الحراك في ظل التشدد الأمني في نينوى؟

المصلاوي: بدأت اﻻعتداءات بمنع المصلين من الوصول إلى ساحات التظاهر وأماكن الصلاة الموحدة وذلك بالدبابات والناقلات المسلحة والهمرات المدججة بالأسلحة لإخافة الناس وترويعهم ومنعهم من الوصول مما أضطر قادة الحراك بأن يفتحوا ساحة في وسط المدينة وذلك لسهولة الوصول اليها وهي ساحة جامع النبي شيت (عليه السلام)، ومن ثم بدأت الحكومة بإطلاق النار على المتظاهرين في ساحة الأحرار راح فيها شهيد، فخرج قادة الحراك الشعبي ببيان مطالبة مجلس المحافظة بإخراج الجيش والشرطة اﻻتحادية من المدينة  ومظاهرة إلى المجلس ضمت أكثر من (150) إمام وخطيب ومن ثم الذهاب إلى ساحة الأحرار لقراءة البيان هناك ودعم الساحة معنوياً، وما أن وصلنا إلى هناك حتى أعلن المجلس إصدارقراره بإخراج الجيش والشرطة الاتحادية من المدن إﻻّ أن القرار لم تنفذه القوات الأمنية.

بعد هذه الأحداث تلك، بدأت الحكومة بسياسة إعتقال الأئمة والخطباء هنا وهناك بحجة اﻻشتباه وغيرها ثم يخرج الحراك ببيان وتصريحات كان من ضمنها خروج مظاهرة إلى قيادة العمليات للمطالبة بالشيخ ابراهيم نجم (رحمه الله) وإعطائها مهلة (24 ساعة) لإخراجه وفعلاً تم إخراجه قبل انتهاء المدة.

بعدها لم تجد الحكومة إﻻّ سياسة تكميم الأفواه ضد الحراك في الموصل وذلك من خلال منع التصوير للجمع واغلاق مكاتب الفضائيات التي كانت تنقل تلك المظاهرات مما أثّر سلباً على تلك التظاهرات وجعلها كأنها غير موجودة، إﻻّ أن بعض الشرفاء من العاملين في تلك الفضائيات بدؤوا بالعمل سراً حيث كانوا يبيتون أجهزتهم في أماكن الجمع الموحدة ليتسنى لهم تصويرها ونقلها للفضائيات فلما كان ذلك تم تهديدهم وتصفية الكثير منهم مما اضطر الباقون أن يتركوا مزاولة عملهم بل والهجرة من المدينة خوفاً على حياتهم ﻻسيما وقد نزلت قائمة بتصفيتهم وتم التنفيذ على بعضهم، مع الأسف.

الرائد: شيخنا الجليل يتساءل الكثير عن إيجابيات الحراك، بماذا تردون عليهم؟

المصلاوي: للحراك بالتأكيد إيجابيات كبيرة منها:

أنه جمع العلماء والدعاة من جميع المذاهب والمشارب على تلك المطالب ومن ثم تحت خيمة واحدة وهي قضية اهل السنة والجماعة وإن لم يكن للحراك إﻻّ هذه لكفت.

نزع حاجز الخوف الذي كان جاثماً على صدور كثير من الناس.

إظهار الهوية السنية ورمي عباءة الخجل من ذكرها بين المكونات على الرغم من أنها الغالبية في العراق.

محّص الكثير من السياسيين وبين حقيقتهم وكشف اللثام عن وجه نواياهم وماكانوا يفعلون.

إعادة مفهوم السياسة الشرعية لدى الكثيرين ومنهم الإسلاميّين أنفسهم.

إلتفاف الناس حول العلماء والدعاة وجعلهم قادة لأهل السنة بعيداً عن المناصب والمصالح الشخصية وذلك لتمثلهم في المطالبة بحقوقهم المشروعة واختيار القرار الأصلح لهم وتمثيلهم في كثير من المحافل الوطنية والدولية.

الرائد: إلى أين ترون الحراك ذاهب؟

المصلاوي: النصر قادم إن شاء الله ولكننا اليوم بحاجة إلى تجديد النية وتجديد الهمة والعزيمة والذهاب إلى مؤتمر موسع لأهل السنة والجماعة يجمع علماءهم في الداخل والخارج ومثقفيهم ومفكرين وسياسيين للخروج بمشروع يحفظ دينهم وكرامتهم وبيضتهم وأعراضهم.

ونحن في نينوى نسعى للم الشمل وجمع الكلمة التي وللأسف وأقولها بصراحة ومرارة استطاعت الحكومة ببعض ابواقها الذين هم من أبناء جلدتنا وممن يتكلمون بألسنتنا أن تطعن نوعاً ما لتفرق الكلمة وتشتت الشمل وذلك لإضعاف أهل السنة وعدم السماح لهم بأن يكون لهم من يقودهم أو من يجتمعون على آرائهم ولكي ﻻ تقوم لهم قائمة.

الفتح.. من بيجي

رغم صغر القضاء، إلاّ أنه ومع إنطلاقة الحراك وضع له بصمة قوية في مساره، عبر ساحة الفتح التي خصّصها للاعتصام.

وكان لنا حوار مع أحد قيادات الساحة الشيخ إدريس يوسف القيادي في حراك قضاء بيجي..

الرائد: متى إنطلق الحراك في بيجي؟

يوسف: إنطلق الحراك في بيجي بعد إسبوعين على إنطلاقته في الرمادي، وأتخذ حراكنا من ساحة الفتح قرب جامع الفتاح مكاناً له.

الرائد: هل تعرضتم لتهديد أمني؟

يوسف: سمعنا في مرحلة من مراحل الحراك تسريبات عن إحتمال إستهداف قادة الحراك في بيجي، إلاّ أننا رفضنا الإنصياع للتهديدات إيماناً منا بأن ما نقوم به واجب شرعي أولاً.

الرائد: ما هي إيجابيات الحراك بالنسبة للقضاء الذي تعيشون فيه؟

بدايةً نحن نشعر أننا نؤدي واجبنا الشرعي في قول كلمة الحق، ومن باب (تغيير المنكر)، بالتالي فهذا واجبنا تجاه قضيتنا.

الرائد: كيف تحافظون على زخم الحراك في بيجي؟

يوسف: لدينا في كل يوم خميس لقاء للتباحث عن الساحة وشؤونها، من الخطيب؟؟ ما نحتاج؟؟ في مختلف جوانب العمل خلال الجمعة الموحدة، كما أن هناك محاضرات مستمرة في مساجد القضاء نحاول من خلالها شرح قضيتنا وأهمية الإستمرار في حراكنا باعتباره واجب شرعي.

الرائد: ماذا تحبون أن تقولوا لجمهور الحراك في بيجي، والذي أستمر متواصلاً معكم طيلة العام الماضي؟

يوسف: ندعو الله أن يحسبهم مجاهدين ومصابرين في سبيل الله، ونحن باقون في هذه الوقفة إرضاءً لله سبحانه وتعالى سواء تحققت مطالبنا أم لا، أما من قتل أو تعرض إلى أذى فهو في سبيل الله، وحسبه الله.

الخاتمة

وبعد عام على الحراك الشعبي، كثير منّا يتساءل.. الحراك.. إلى أين؟؟، وهنا نقول أن الحراك كان هبّة جماهيرية، لكنه مع الوقت بدأ يأخذ طريقه نحو التنظيم ولملمة الأوراق، فأصبح هناك ناطقان بإسمه، وبات يتجه نحو مأسسة عمله.

وكان لقاء الناطق باسم الحراك الشيخ محمد طه حمدون بمنسق العلاقات في الاتحاد الأوربي، خطوة مهمة بإتجاه تدويل قضية أهل السنة بمواجهة ما يحيط بها من تهديد.

إذاً الحراك بات يتجه نحو تحقيق غايته بخطوات واثقة، لكنه يحتاج إلى «إستشعار بالقضية، وإيمان بالله، وتأسيس مشروع تأكيد الهوية، وطاعة واتباع للعلماء والأئمة، وتحفيز للشباب لأنهم هم وقود الحراك» ليمضي لتحقيق غايته، طبقاً لما يرى الشيخ الشهيد قاسم المشهداني

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى