الرائد نت
ET0562

رحلة في عالم التحشيش

 

الحشيشة نبات طبيعي يوجد في دول كثير ومتعددة يطلق عليه أسماء عديدة بسبب أنواعه واختلاف أماكن  زراعته، ولكن تأثيره واحد فهو يؤدي بالإنسان الى فقدان وعيه بجعله غير مدرك لمن حوله عند تناوله، وهو يدخل في المحرمات لكونه من جنس الخمر فضلاً عن أخطاره الصحية. من اشهر أسمائه لب القنب ولبن القنب الهندي والبانجو وغيره.

هذا ما استطاع أمين التعرف عليه حين عمل بحثا عن هذا الموضوع في (Google)، ولكن   بسبب تغير الوقت وتجدد الحياة لاحظ أمين خلال بحثه، أن كلمة (محشش) و (تحشيش) لا تطلق على من يتناول هذه النبتة فقط، وإنما أصبح لها معنى أعم في وقتنا الحاضر وخاصة عند العراقيين، إذ أصبحت كلمة (المحشش) تطلق على الشباب الذين يقولون الطرائف (النكت) لإضحاك الناس.

قرر أمين أن يخوض أكثر في هذا العالم الجديد، بحثا في الأمر والتعرف عليه حيث شاهد أن الشباب واندفاعهم نحو الطرائف وقول النكت وقراءتها باستمرار من الكتيبات والانترنت وصفحات الفيسبوك والتويتر له انتشار واسع والهدف من قائليها هو  جلب  الأنظار إليهم، أو قضاء أوقات فراغهم أو للتخفيف من معاناتهم على أرض الواقع.

وهذا ما أكّده أحد مسؤولي (الأدمن) الصفحات التحشيشية على الفيسبوك لأمين حين دار بينهما حوار عن  الموضوع، إذ قال: “لقد أردت تكوين صفحة على الفيسبوك وتمنيت أن يكون لها معجبون كُثر، وهذا طبعاً يعتمد على ما يفضّله الأكثرية من الناس فلاحظت أن أكثر الصفحات التي يتردد إليها الناس بكل الأعمار وخاصة الشباب هي صفحات (التحشيش) أي صفحات قول النكت  والطرائف”.

ومن أشهر الصفحات العراقية في هذا المجال: (إمبراطورية التحشيش) أو (صفحة بدون  تحشيش) أو (سور التحشيش  العظيم) و(التحشيش يجمعنا سوة) و (سفارة التحشيش العراقي) و (وزارة التحشيش العراقي)، وهناك نوع آخر من الصفحات المتخصصة بـ(التحشيش السياسي) وهذه تتناول القضايا السياسية ولكن بإسلوب ساخر مثل (بعد ما ننطيها) و(مطلكيات) و(حسنة أم اللبن صارت سياسية) و(غريب أمور عجيب قضية) وعشرات الصفحات المشابهة الأخرى.

قد يكون في هذه الصفحات بعض التجاوزات، والتي قد يصل بعضها للحرام عن طريق الكذب أو الغيبة أو السخرية من أشخاص بعينهم، أو عن طريق بعض الألفاظ الشائنة، ولكن غالباً ما تكون هذه الصفحات لا تقصد الإساءة أو التجاوز ابتداءً، وإنما الهدف هو “التسلية والترفيه”، كما يقول القائمون عليها.

“الأمر الذي أذهلني وفاق كل توقعاتي هو إقبال الناس الكبير على مثل هذه الصفحات – والحديث لمسؤول صفحة مشابهة – إذ أن الكثير من هذه الصفحات تحصل على مئات الآلاف من المعجبين خلال فترات قياسية، وأن إقبال الناس أصبح  يزداد  يوماً  بعد يوم  بسبب ما أنشره من  مواقف وطرائف ونكات وصور مضحكة،  كنت سعيداً جداً لهذا الإقبال”.

وعند سؤاله عن الايجابيات التي رآها في صفحته مقارنة بالصفحات الرياضية أو الصفحات  العامة؟ أجاب: “الحقيقة إقبال العدد الكبير من الناس حولها، إضافة إلى تعليقاتهم الإيجابية وطلبهم المزيد من الصور والنكت الأخرى، وكذلك أني  حين  أريد  أن اطرح  موضوعاً  أعجبني، أستطيع  أن أتحدث مع  الكثير  من الأشخاص”.

أما عن السلبيات، فيقول محدثنا “إنها كثيرة، فإرضاء الناس غاية لا تدرك، ولكن الأمر الأكثر سلبية هو إذا لم يعجب المشاهدون بالصورة أو الطرفة، من هنا  تبدأ المشكلة، حيث تبدأ التعليقات السلبية وقد  تصل إلى التجاوز بين الناس عن طريق التعليقات، وتبدأ المشكلات بينهم”.

وانتقل أمين بأسئلته إلى أكثر من مسؤول صفحة، ولكن إجاباتهم كانت متشابهة بالمعنى، فمعظمهم من الشباب المتفرغ الذي يرغب جذب اهتمام أكبر عدد ممكن من المتابعين، ولم يجد ممن حاورهم من له رؤية وهدف واضح يتجه نحوه بمثل هذه الطرائف والمواقف.

ومن الملاحظ الآن أنك تجد الطفل عندنا يحفظ ما يقرب الـ(100) طرفة وهو بعمر لا يتجاوز  الثامنة في حين لا يستطيع  قراءة  صفحة، والأمر الأكثر إزعاجاً ما تحويه بعض هذه النكات من استهزاء بالدين أو بالأخلاق أو احتوائها على كلمات سيئة لا يصح إشاعتها، ومع ذلك تجد الكثير يرددها وينشرها (يشيّرها)، نعم إن تداولها هو بدافع  الضحك إلا أن معناها كبير جداً وفسادها واسع، وإن اعتياد الناس لقراءة هذه (النكت) يؤدي إلى ألفتهم لها وقبولهم بمحتواها من حيث لا يشعرون، وهذا ما أكّده طالب جامعي عندما سأله أمين عن  سبب تداول الشباب للنكات، ومن أين تحصلون عليها؟

فأخبره: “أن صفحات الفيسبوك هي الناشر الأكبر لمثل هذه الطرائف، فإنك تجد أن معظم الشباب مشتركون بعشرات صفحات (التحشيش)، وقد يكون ذلك –حسب قول الطالب– لدفع الملل والضغط الذي يعانون منه في دراستهم، فبعضهم يروي هذه الطرائف داخل المحاضرة، حتى بوجود بعض الأساتذة، ويتسابق الشباب بينهم في اجتذاب النظر خاصة في الكليات المختلطة، إذ يمتهن بعضهم نقل هذه النكت وتراه يبحث مساءً بشغف عن أي شيء جديد في هذا المجال ليرويه صباحا أمام الطلاب كي يقال عنه (صاحب نكتة) أو (دمه خفيف) أو (أسطة مال تحشيش).

ويرى مراقبون “أن انتشار مثل هذه الظاهرة عند الشباب هي نوع من التنفيس عما بداخلهم من إحباط وضيق، خاصة لما يمرّ به بلدنا من مآسي تجعل من الصعب عليهم التفكير بمستقبلهم مثل كل شباب العالم، فحوّلوا هذا الكبت والإحباط إلى مزح وطرائف ومشاهد قد تكون صورة من صور انتقاد الواقع وعدم الرضا به”.

والمتتبع لهذه الصفحات يجد كيف أنها تتفنن بانتقاد كل أوضاعنا المعوجّة (الرياضية، السياسية،  الاجتماعية، الاقتصادية)، وقد لا تجد مجالاً إلاّ ودخل فيه (التحشيش) بكل مستوياته، حتى أن بعضهم يقول أن الشعب العراقي أصبح لا يجمعه إلاّ الانتقاد أو (التحشيش)، ولذلك تجد روّاد معظم هذه الصفحات من كل القوميات والطوائف والاعمار والمحافظات، مع أن بعض هذه الصفحات ومواضيعها لا تخلو من نبز أحياناً لجهة بعينها.

وقد يوضّح ما عرضناه سبب انتشار هذه الصفحات بل تحوّلها إلى طبيعة يعيشها الكثير من شبابنا، إلاّ أن الضحك لوحده لا يغيّر حال، فضلاً عن أن إضحاك الناس بأي طريقة حتى لو كان بالكذب أو التجاوز قد يؤدي بصاحبها إلى المحاسبة الشديدة من الله يوم القيامة، أو قد توقعه بالعديد من المشاكل في حياته.

إن خفة الدم والأريحية من الصفات الجميلة على أن لا تتحوّل إلى سخافة وتميّع واستهتار.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى