الرائد نت
s14

كيف نتخلص من الوهن؟

 

للشيخ الشهيد اياد العزي (رحمه الله)

يقول الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) في وصفٍ قريب جداً لواقع حياتنا: (تتداعى عليكم الامم كما تتداعى الاكلة على قصعتها…)

فقد تداعت علينا جموع الكفر والاحتلال كتداعي الوحوش على فريستها (قالوا أومن قلة نحن يومئذ يارسول الله) -أي هل ان هذا التداعي بسبب قلتنا- قال: (بل انتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ينزع الله تعالى من قلوب اعدائكم المهابة لكم ويقذف في قلوبكم الوهن قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال حب الدنيا وكراهية الموت)، أخرجه الألباني، هذا الحديث وصف الداء وضمنه الدواء.

ولو قراناه مجدداً كالآتي: أي أنه بسبب حب الدنيا وكراهية الموت ألقي في قلوبنا الوهن ونزعت من قلوب اعدائنا المهابة لنا على كثرتنا فتداعت علينا الأمم كتداعي الوحوش على فريستها، الداء هو حب الدنيا وكراهية الموت، إذاً لابد أن نتخلص من هذا (الداء) لنتمكن بعد ذلك أن نرد هذا التداعي، كيف نتخلص من حب الدنيا؟ وكيف نقبل بالطاعة على لقاء الله (عز وجل) ولا نكره الموت؟ فلا يكفي أن نصف للناس الداء ولكن لابد من ان نحاول جاهدين ونلتمس طريقاً لتقديم الدواء.

حب الدنيا يأتي من الجهل بحقيقة الحياة، والانسان بطبعه مجبول على حب الشهوات (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ  وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ)، سورة ال عمران: الآية (14)، وهو من جنسين مختلفين من طين وروح، الطين يشده إلى الأسفل والروح تسمو به إلى بارئها (عز وجل)، والضعف فيها منذ أبينا آدم يوم أن قال له الشيطان (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ  لَّا يَبْلَى)، سورة طه: الآية: (120)، وما زال الإنسان يبحث عن شجرة الخلد وملك لا يبلى مع أن الله (عز وجل) قال: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)، سورة البقرة: الاية (268)، لكن الامور لم تصل الى القلب وانما استقرت في العقل واذا بقيت هكذا ولم تصل الى قلوب الناس حقائق التنزيل فإن التعلق بالحياة سوف يستمر.

الحياة في أصلها للاختبار، قال تعالى: ( تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)، سورة الملك: الآيتين (1 و 2)، أي ليختبركم، والطالب في ساعة الاختبار يتمنى أن ينتهي ويخرج من قاعة الاختبار إعتقاداً منه أن ما بعد الامتحان أهون وأسهل ولكن الإنسان لم يصل إلى هذه الحقيقة في الفهم، هو لا يعتقد أن الحياة ساعة اختبار، مع أن الله (عز وجل)  قال: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا)، سورة النازعات: الاية (46)، أي إنهم لم يلبثوا ساعة من نهار، وقال عن الحياة أيضاً  (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ  مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)، سورة الكهف: الآية (20)، ثم قال (كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً)، سورة الكهف: الآية (45)، إذاً لو قسنا عمر الزمن من آدم إلى قيام الساعة كم سيمثل في نسبة الحياة الدنيا إلى الاخرة…، لايكاد يمثل شيء إذ هي بالحقيقة ساعة اختبار وهي: ليبلوكم أيكم أحسن عملا، والحياة (لمن يريد السعادة) لا سعادة فيها بالمعنى الحقيقي لأن الزوجة فيها النشوز والولد فيه العقوق والصحة فيها المرض والمال فيه الذهاب والعمر بأسره فيه الموت وهي بمقياس الزمن (لاتمثل شيء)، والأصل فيها (أشد الناس بلاء الأنبياء) لأنهم أفضل الناس على الاطلاق فالحالة المثالية للحياة تطبق عليهم فهم أشد الناس بلاء ويبتلى المرء على قدر دينه، هذه حقيقة الحياة.

وهناك جهل آخر، حين يعتقد الإنسان أن تمسكه بالحياة سوف ياتي له بالرزق والعطاء وبالحفظ والرعاية وهذا جهل آخر لأن الرزق والأجل لا علاقة له بالتمسك بالحياة، فإن الله تعالى قد حسم الأمر لن تموت نفس حتى تستوفي الاجل و الرزق (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ)، سورة ال عمران: الآية (45)، ثم هناك جهل ثالث وهو أن الله تعالى جعل العمل للدين والتوسل إلى الآخرة هو سبب في زيادة الرزق وفي زيادة العناية والرعاية للمؤمن في الارض قال تعالى: ( لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيباً)، سورة الفتح: الآية (18)، وقال ايضاً: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ، تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، سورة الصف: الآيتين (10 – 11)، فالله تعالى قد تكفل بالاثنين تكفل لمن تعلق قلبه بالاخرة في الحياة الدنيا وساضرب لكم مثلاً عملياً: ائتوني بصحابياً  قد مات قد فقيراً… الكل قد مات وفي يده فضل من عطاء كثير فإن الله تعالى قد رتبها هكذا (فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينة عليهم…. بعد ذلك….أثابهم فتحاً قريباً ومغانم كثيرا …) لأن الخزائن بيد الله ولأن الله غني عن الناس أجمعين، فإن الجهل بحقائق الشرع تجعل الانسان يتمسك بالحياة ويستذل من أجلها وهذه تقذف في قلبه الوهن، لأنه بعد ذلك يستعد أن  يعيش ذليلاً أو صغيراً أو حقيراً لأنه قد وطن نفسه على فراشا وثير وعلى زوجة وضيئة وعلى كرش ممتلئ لعدم اعتقاده أن الاصل في الحياة الابتلاء فيبحث في كل يوم وباي وسيلة حتى وإن كانت مهينة يبحث عن الرحة لأنه قد جهل من حقائق الشرع يفقد استعلاء المؤمن وعزة الإيمان والقدرة على تغيير الواقع، يعيش بالذلة والمسكنة فالوهن يدب في قلبه وعند ذاك سينزع من قلب عدوه المهابة له، وتترسخ في داخله كراهية الموت، بينما الموت ليس وحشاً كاسرا ً كما يتصور الكثير من الناس الموت هو خلاص من دنيا النكد لأن النبي (صلى الله عليه وسلم) عندما قالت له  فاطمة (رضي الله عنها) واكرب ابتها قال (لا كرب على أبيك بعد اليوم)، صحيح إبن ماجة، لأن الكرب هنا في دنيا الاحتلال وفي عالم الصليب وفي أيام الذلة والمهانة، أما هناك فهي راحة من دنيا النكد (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)، سورة الزمر: الآية (42)، في كل يوم نموت ونقول في صباحنا: الحمد الله الذي احيانا بعد مماتنا واليه النشور وربما نرى روية لطيفة نسعد بها وبعد الاستيقاظ من نومنا أي موتنا نعود نتمنى أن نعود الى نومنا لنكمل الرؤية، لذا من قال بأن الموت وحش كاسر (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ)، سورة فصلت الآية (30)، فأهل الإيمان وأهل التوحيد وأهل المساجد وأهل القران وأهل القيام وأهل العشرة الآواخر من رمضان تتنزل عليهم الملائكة أن لاتخافو ولاتحزنو وابشروا بالجنة التي كنتم توعدون، فالموت ليس وحشاً كاسراً الموت لقاء فقد قالها بلال (غداً نلقى الاحبة..).

هو ليس فراق فالإنسان يخرج من رحم أمه الضيّق إلى دنيا فسيحة ويخرج من دنيا ضيقة إلى برزخ فسيح ويخرج من برزخ ضيّق إلى جنات عرضها كعرض السماوت والأرض فهذا جهل بحقيقة الموت نعم من مات  وليس معه توبة نصوح من مات وقد أشرك بالله (عز وجل) له ماله من عذاب الله (عز وجل) أما أهل الإيمان والاستقامة هؤلاء على خير كثير إن شاء الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)، سورة الزمر: الآية (53)، لأن الإنسان إذا اعتقد بأن الموت (وحش كاسر) وأنه مقبل على عذاب شديد هذا يدفع به إلى التعلق بالدنيا وعدم الرغبة في مفارقتها فيكره الموت ويتعلق بالحياة.

فإذا إذا ما نجحنا إن نوصل هذه الحقائق من العقل لتستقر في القلوب سوف نعمل بالخطوة الأولى على نزع محبة الدنيا والعود لعبادة الله تعالى على جناح الشوق وجناح الرغبة في لقاءه ويتحقق هذا الأمر بعد ذلك بالتتابع والتدرج، وعندها يهيئ لنا جيل ندفع به عنا تدافع الأمم (كما تتدافع الوحوش على فريستها.. ).

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى