الرائد نت
مجلة الرائدمنوعاتنبض العراقواحات الإيمانإطلالة فكرية .. أسباب أخرى للتفكير المثالي
rtyu

إطلالة فكرية .. أسباب أخرى للتفكير المثالي

 

لعلنا هنا نتجول مرة ثانية مع اسباب التفكير المثالي، لما لهذا الموضوع من أهمية بالغة ونذكر من هذه الأسباب:

1ـ حالة الشعاراتية والخطابية والبطولات الفارغة والعنتريات الكاذبة التي عاشتها امتنا منذ عقود، ولم تستطع الحركة الاسلامية ـ في بعض فصائلها ـ الافلات من سطوتها وتأثيرها، لأنها تجذرت مع النشأة في الشخصية المسلمة، وما زال العقل المسلم والإعلام العربي المعاصر يعاني ويعج بمثل هذه العنتريات والشعارات التي تلقي بظلالها على سمع المسلم وبصره، مما يجعله يستجيب لها شكلاً ومضموناً بتصريحاتها وتلميحاتها، فتصدر عنه المواقف التي لا توجهها الخطط والاستراتيجيات بقدر ما يوجهها الانفعال المنبري أو التصريح الناري أو الصور المؤلمة لضحايا المسلمين، مما قاد كثيراً من العاملين إلى الارتجال والعفوية التي أثرت على العمل الإسلامي عموماً.

يقول النبي (صلى الله عليه وسلم): (ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل)، رواه الترمذي، فالأمم والشعوب التي تسود فيها الكلمة على حساب العمل، والشعارات على حساب البرامج، والقصائد والخطب على حساب الخطط والإنجاز، هي أمم وشعوب لا شك انها ستكون في مؤخرة الامم انجازا وثقلا وتأثيرا، وستعيش على الهامش ولا بد، شاءت أم أبت، حتى تتبنى منطق الأفعال والإنجازات والخطط والعمل الجاد الدؤوب.

إن ما مضى إن دل على شيء فإنما يدل على الخلل في العملية التربوية أصلاً، إذ مكمن الخلل أنها تربي النشء الجديد على المبادئ دون أن تمكنهم من إدراك المصالح، تحدد الأهداف دون توضيح وتجلية الوسائل الممكنة لتحقيقها من غير الممكن، تشرح وتربي على وجوب الدعوة والتضحية في سبيلها دون التوعية والتثقيف بأن العمل الإسلامي سائر وفق خطة محكمة الأطراف محددة الأهداف ضمن أطر الزمان والمكان، حتى نضمن جيلاً لا يستخفه كل ناعق، ويربكه كل متهور، ويبكيه كل خطيب، وينساق خلف الجماهير الهاتفة على غير هدى ومن غير وعي.

إن ما مضى يفسر لنا أيضاً حالة الاستثمار السهلة لجهود وطاقات كثير من الشباب والحركات، بل وحتى بعض قيادات الحركة الإسلامية في عملية الصراعات الدولية والتصفيات السياسية والعسكرية وربما الثقافية، بعد الاقناع المحكم التدبير بمشاريع براقة الشكل ماكرة المضمون، والهدف المرتجى منها تحقيق مصلحة هذه الدولة أو تلك.

2ـ عدم وجود التصور والرؤية الواضحين للواقع على حقيقته لا كما نتمنى ونحلم ونتخيل، مما جعلنا مثاليين في أخذ القرارات والمواقف التي تحتاج الى الدراسات والتصور الصائب والرؤية الشمولية، فعشنا صراعاً مريراً بين المثال والواقع، لكن يبدو أن الغلبة كانت تنتهي في الغالب للمدرسة المثالية.

لقد كان الصراع بين المثالية والواقعية حاضراً في نكسة حزيران حين تصور الناس أن عبد الناصر سيلقي إسرائيل في البحر فعلاً، في الوقت الذي يجهل جل العرب والمسلمين آنذاك نخباً وجماهير عوامل قوة الكيان الصهيوني وضعفه، وعوامل قوة الجيوش العربية وضعفها، حتى تبددت أماني النصر في ساعات ليعيشوا أسوأ واقع من الممكن تخيله.

وكان حاضراً في أزمة الكويت حين اصطفت بعض الحركات الاسلامية مع العراق، ومحاولة تبرير احتلاله، والتهوين من تداعيات هذا العمل وفق منطق الأبيض والأسود، وعدو عدوي  صديقي، فتخليت فعلاً أن العراق سيهزم أميركا، ولم يدركوا أسرار اللعبة وموازين القوى وحقيقة الدوافع أصلاً في الموضوع، وكان يكفي الخروج بموقف متوازن برفض احتلال العراق للكويت مع رفض التواجد الأميركي الهادف إلى تدمير العراق والتواجد في الخليج.

وكان حاضراً في الجهاد الأفغاني في التسعينات حين تصور البعض هناك أن نجاح تجربة الحرب كفيلة بنجاح تجربة السلم، فيقيموا دولة ويعلو البناء، وتم تجاهل حقيقة أن الانتصار على الروس كان بفضل جملة من العوامل الدولية والإقليمية والأيديولوجية، حيث سمح تقاطع المصالح بتسهيل عملية مقاومة الروس ودحرهم، ولم تكن دماء المجاهدين وحدها -على عظمتها وتأثيرها- هي العامل الوحيد في المعادلة التي تغيرت تماماً في وقت السلم، فهنا أصبح التحدي متمثلاً بتشكيل دولة إسلامية، وولادة تجربة فريدة، وصراع مصالح، وكيد عدو، وتغيرت قواعد اللعبة، فالظروف ليست نفس الظروف، والتحديات ليست نفس التحديات.

3ـ ونحن نتحدث عن الواقعية فإننا لا نعني بأي حال من الأحوال الاستسلام والرضوخ لما هو حاصل وواقع، وانما هي دعوة لدراسة الواقع من جميع جوانبه ومعرفة القوى والعوامل الفاعلة في تشكيله وتكوينه، وحساب النتائج والبعد عن التهور والمجازفة، لتكون الفتوى والموقف والقرار بعد هذا الاجتهاد صالحاً للظرف محققاً المصالح التي نرجوها في هذا الواقع، ولنرتقي به الى المثال الذي نرجو، فنحن نعني بالمثالية هنا في جانبها السلبي، أو بمعنى أدق بالخيالية، ولا نعني: مجموعة القيم والمبادئ والمثل الشرعية والانسانية، ونعني بالواقعية: معرفة الاشياء على حقيقتها لنرتقي بها الى الحالة المثالية، ولا نعني بها الإنسحابية والاستسلامية أي الواقعية في جانبها السلبي.

إننا سنظل نواجه الكثير من الانتكاسات والكوارث والإحباطات ما دمنا غير مدركين كيف يسير العالم، وكيف تتصارع قواه على الارض، وكيف تمتزج السياسة والاقتصاد والسلاح والثقافة، لتشكل بمجموعها قوة حضارية مندمجة بعضها مع البعض الاخر بحيث يصعب تفكيكها وتجزئتها، وهي تؤثر في عالم يأكل فيه القوي الضعيف.

إن عدونا يجتاحنا وفق خطة، فلن نقف في وجهه إلاّ بخطة، ولن تستطيع الشعارات والإرتجالات والخطابات الوقوف بوجه هذا المد الهادر المزود بالعلم والسلاح والثقافة، بل وحتى برغيف الخبز.

إننا نكتب على أنفسنا الفشل إذا بقيت طموحاتنا أكبر من إمكاناتنا، وان الأحلام شيء والواقع شيء آخر، يفرض نفسه وشروطه، وتكليفنا الشرعي معرفة هذه الشروط والتعامل معها، ولنتذكر أن الأحلام ممكنة التحقيق، ولكن بعد جهاد واع طويل، أعان الله الجميع عليه.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى