الرائد نت
مجلة الرائدمنوعاتنبض العراقواحات الإيمانزاد الدعاة .. السطحية في الفهم والتربية
mnbv

زاد الدعاة .. السطحية في الفهم والتربية

 

ربما كان من الطبيعي أن نرى محللاً سياسياً على شاشات الفضائيات وهو يقيم الوضع العراقي، فيدخل فريقا إلى الجنة وفريقا إلى النار، ويمنح أوسمة الوطنية والشجاعة لأناس، ويرمي تهم العمالة والخيانة لآخرين، ويحلل أدق تفاصيل النشاط السياسي والأمني والاجتماعي، وهو لم يرَ العراق في حياته مرة!، ولم يلتقِ بأهل الشأن مرة!، ولم يقرأ تأريخ ما يجري مرة!، كل ذلك قد أصبح طبيعياً، لماذا؟ لأن السطحية، وفقدان العمق في الرأي والتحليل والمواقف هي ميزة من ميزات عقول أناس ليسوا قليلين في زماننا.

إن لب المشكلة حين تكون السطحية طاغية على مواقف وأحكام كثير من النخب، أما الجماهير فربما نستطيع إعطاءها نوع من العذر بسبب قلة القابليات والإمكانيات المعتادة للجماهير وعموم الناس في كل زمان ومكان، وإن أختلف الحد الأدنى من إمتلاك الوعي والثقافة بين شعب وآخر.

لعلنا نتلمس بعض أسباب هذه السطحية بما يلي:

1ـ إن السطحية أثر من آثار سوء التربية والتعليم، فالتكوين العلمي والتربوي سواء على مستوى المؤسسات التعليمية والتربوية الرسمية أو المستقلة، مفتقرة إلى حد كبير إلى العمق في اختيار مناهجها وتزويد المنتمين إليها بالعلم النافع وبالتجارب الحياتية العامة، وأخص بالذكر هنا مؤسسات الجماعات الإسلامية، التي من المفترض أن تخرج لنا أجيالاً سمتها الرأي الحكيم، والعمق الواضح في الفكر والشخصية، لكن مع الأسف فإن ندرة النماذج هي الظاهرة التي تتحكم في الموضوع لما في تكوينها من جهد مطلوب، خصوصاً مع الشحة في الملاك التعليمي والتربوي.

2ـ إننا أمة العرب أمة كلام وفصاحة وبلاغة، تؤثر فينا الكلمة أكثر من غيرنا من الأمم، لما تتمتع به لغتنا من دلالات وفيرة تزودنا بإمكانيات تزويق الكلام وتجميله وصناعة المؤثرات الموحية.

ومع أن المؤهلات الخطابية والبلاغية جزء من تكوين الزعماء الضروري وصفة من صفات القيادة المؤثرة عند كل الأمم، إلاّ أنه في بلداننا يغلب على الثقافة التخطيطية والإنجازية التي ينبغي أن تسود، بل أصبح من الضروري أن يمدح في مجتمعاتنا لمجرد أنه متكلم لبق، مع انه في الحقيقة بيّاع كلام لا غير، ويذم أو يتجاهل من أفنى حياته يبذل ويبني وينجز من الأفراد والجماعات.

3ـ لقد عمّق الإعلام بكل أنواعه وخصوصاً الإعلام الفضائي من هذه السطحية، فهو إعلام رسمي في الغالب، أو ذو أجندة سياسية، وهذا ليس عيباً بحد ذاته، ولكن عندما تكون المنافسة غير شريفة، أو الدعم المالي مشبوها، والتوجهات والمضامين في طروحات البرامج يدفعها الحب والبغض والإثارة والدعاية الصرفة، دون عائد ومرد ثقافي وتوجيهي وتبصيري للمشاهد، كما يجري في كثير من البرامج الأعلى نسبة بالمشاهدة والأقل نسبة بالفائدة، وتساهم مساهمة خطيرة في تسطيح العقل المسلم وامتهان قضاياه وتوجهاته.

4ـ إن العمق يحتاج إلى المنهج الجيد والتجربة الجيدة، وإلى تعلم صنعة تفكيك وتركيب الأحداث ومعالجتها بالمناسب من الحلول.

هذا على المستوى التعليمي، أما على المستوى التربوي فإنه متفرع عما قبله، فبغياب المنهج التعليمي الجيد غاب المنهج التربوي الجيد، وشح عندنا التربويون الموصوفون بالعمق والفهم والأصالة والإبداع، إلاّ القلّة القليلة مما لا تسمح أوضاعهم الأمنية أو الاجتماعية أو المادية من استيعاب هذه الكثرة من أبناء الصحوة، والمقبلين على مؤسسات الحركة الإسلامية، وينتظرون الاحتواء والتطوير.

إن المربي لا يعلّم تقوى الله فحسب، بل يعلم ويربي على جودة الرأي، والحكمة الحاضرة، والبصيرة النافذة، وقراءة ما بين السطور في الأشخاص والأحداث والمواقف، ويغرس في نفوس من يربيهم الاتزان وترك الخفة، وتدوير الفكرة قبل أن تلوكها الألسن، والإعجاب المعتدل والانبهار المتوازن بالقادة الدينيين والسياسيين.

كل ذلك لأن أكبر قائد ومفت شرعي قد تفوته الواضحات، وقد يتورط السياسي مهما كان في مواقف وتحالفات، يحتّم علينا تعليم قاعدة الحركة العريضة كيف يكونون عميقي النظر وثاقبي البصيرة في الحكم على الأشخاص والمواقف والأحداث، كي لا تسوقهم السطحية إلى ما لا يحمد عقباه.

لعلي ذكرت أهم الأسباب في نشوء ظاهرة السطحية، وقطعاً هناك أسباب متعددة أخرى، لكن المقام مقام تذكير وليس مقام استقصاء.

وأرى العلاج في جملة خطوات اذكر منها:

1ـ منهج تعليمي شامل، يأخذ بالحسبان كل ما من شأنه أن يعلم طبيعة الحياة والواقع عموما، كي يمتلك الداعية الرؤية الشاملة الكلية وهو ينقد الأوضاع ويعالجها.

2ـ منهج تربوي قائم على جملة من المربين الثقات، ممن عرف بالعمق والفهم الثاقب، كي يعلم بالتجربة والمثل الحي، وما أمر السيرة النبوية عنا ببعيد.

3ـ ترسيخ جملة من القيم والمبادئ، مثل التروي في إصدار الأحكام ونفي القداسة عن كل مشهور، والاتزان ومزاولة الشورى في تناول القضايا المطروحة ومشاورة أهل الرأي والاختصاص.

4ـ تسهيل الاتصال المثمر بين القيادات والجماهير، لإزالة أي تسطيح لقضية معقدة مركبة تعاني منها الساحة الإسلامية، والتعريف بالملابسات والظروف للجماهير لتجنب الوقوع في سوء الفهم وشرك الدعاية والإشاعة والإعلام المضاد.

وأخيراً فإن السطحي ينظر الأشكال، والعميق ينظر إلى المضامين.

السطحي ينظر إلى النتائج ويغفل المقدمات، والعميق ينظر إلى المقدمات ليستوعب النتائج.

السطحي تستخفه الحماسة والعاطفة الجياشة، والعميق تؤثر فيه الخطة المحكمة والمنهج العقلاني والنتائج المحسوبة.

والموفق من وفقه الله.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى