الرائد نت
أسرة وطفلمجلة الرائدنبض العراققصة قصيرة … امرأة من زمن الأساطير
2F90AD3E-80D5-4353-9F62-CA6B0A0B95CD_mw1024_n_s

قصة قصيرة … امرأة من زمن الأساطير

 

في قرية صغيرة غير بعيد عن دجلة تسللت أضواء الصباح الأولى تكشف عن منارة مسجد باكية وعن بقايا جثتي عجوزين مقتولين قرب البزل الرئيس.

وعند قدمي الأرملة الخمسينية (أم سعدون) كانت الشمس قد تسربت بتؤدة من النافذة المغبرة الحزينة، كان وجهه لا يزال ندياً، ورطباً، ومبتسماً، ومن خطوط شعره البيضاء كانت تنبعث رائحة مسك.

– أنا خارجة لأمر ضروري .. لا تقلق سأعود بعد قليل.

غطت وجهه بشرشف قطني ناعم، توقفت عند عتبة الباب وشيعته بنظرة أخرى شعرت وكأن في صمته نبرة عتاب، فارتسمت على وجهها الأسمر العريض وعينيها المذهولتين ابتسامة بريئة:

– سأعود .. صدقني.

بدا لها في سكونه هذه المرة تفهماً صادقاً، خرجت وأحكمت إغلاق الباب عليه، نظرت بتوجس من خلال فتحة باب الفناء الخارجي، كان الصمت المطبق يغلف المكان ممزوجاً بعبق البساتين المجاورة.

فكرت بأنها سيكون عليها الوصول لمنزل جارتها القريب من الساقية، ومن ثم الاستفادة من الأنفاق التي صنعها الرجال بين الدور المتلاصقة أثناء تصديهم للمليشيات المموهين بملابس الأمن الرسمية.

لمحت حركة خفيفة لبضعة رجال مسلحين، ما أن ابتعدوا حتى أخذت تلهث بين خطواتها، فقد كانت امرأة بدينة وقصيرة، يشق عليها المشي المتسارع، ولكنها نجحت بدخول الدار.

كانت تشعر أنها في صراع مع الزمن لجمع ما تبقى من نقود ومصوغات تركها الأهالي ساعة فرارهم المفاجئ.

سرعان ما انتقلت بسلاسة بين ثقوب المنازل المهجورة وانتهت من آخرها في حدود العاشرة، كان عليها الآن البحث عن العجوزين، حيث تناهى إليها صدى رصاصات موتهم.

في الخارج بدت قريتها المهجورة موغلة بصمتها المريب، طرقات فارغة وموحشة ومبكية وأطلال لا حياة فيها، ومرت من أمام المسجد المهدمة مئذنته.

لم تكن تسمع سوى صوت تنفسها وخطوات أقدامها، ولكن العجيب ومع كل هذه الغربة كانت تشعر بنفسها تحيا وسط عالم مكتظ من الذكريات الدافئة.

بل إنها كانت تشعر بنفسها موكلة بقدر ما سماوي بأن تكون أمينة على هذه القرية من العبث، ارتمت بحضن جدار طيني تقبله وترويه من دموعها.

كانت القرية قد صمدت لأكثر من أسبوعين لزمر العصابات المتخفية بملابس الجيش والمتدفقة دون انقطاع.

ولكن بذلك المساء الموحش كان نفاد ذخيرتهم وراء قرار الرحيل، واتفقوا على إخلاء الأطفال والنساء والشيوخ أولاً عبر منافذ البساتين المتشابكة.

ثلاثة مسنين رفضوا الرحيل، أحدهما كان حماها، وبدا تمسكهم بخيارهم العنيد: (ولدنا هنا وسنموت ..)، كان قرارها الجريء:

– سأبقى معه.

كان خيار بقائها ليس بدافع الشجاعة بقدر ما كان استسلاماً للحنين الساكن في أحشائها وعدم تصورها بالعيش بعيدا عنها.

أعدمت المليشيات المسنين الآخرين خارج القرية، أما حماها فقد بدا الأمر معه أشبه بحلم، حينما ثقبت رصاصة مسدس رقبته ولفظ أنفاسه في حجرها مبتسماً، بعد أن نظفته من الدماء، كانت تغطيه في النهار خوفا من أن تأكله الكلاب وتعرضه للهواء مساء كي لا يتعفن، كانت تبكيه بدموع لا نهائية ولكنها مع الوقت أخذت تحدثه وتستشيره وكأنه يشاركها وحدتها، قبيل الظهيرة عثرت على بقايا جثتي المسنين التي نهشتهما الكلاب، وأودعتهما تحت شجرة توت كبيرة وغطتهما بالأعشاب.

بعد ثلاثة أيام من الحادثة ومع ساعة الفجر، عبر خمسة رجال بقارب خشبي نهر دجلة متسللين عبر الأحراش المتشابكة، دفنوا الرجال المسنين الثلاثة، واقتادوا المرأة معهم رغماً عن أرادتها. كان الصباح يبعث بضيائه في أرجاء القرية، وعيناها تودعان أماكنها الأثيرة بدموع غزيرة، قالت باكية: .. لا تقلقي .. سأعود صدقيني.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى