الرائد نت
مجلة الرائدواحات الإيمانالصراع والتدافع.. تأملات في خصائص التصور الإسلامي
6483

الصراع والتدافع.. تأملات في خصائص التصور الإسلامي

 

إن للصراع والتدافع بين الحق والباطل.. الإيمان بالله والكفر به (جل وعلا) سمات وخصائص، كان تناولها مفصلاً في القرآن الكريم، حتى إن القارئ الواعي لكلمات الله يمكنه وضع مقومات وخصائص (إسلامية) لذلك الصراع، وهي حاضرة في أي مواجهة وصراع من هذا النوع، وهذه الخصائص يمكن تحديدها بالآتي:

أولاً: وجود أمة مؤمنة واضحة المعالم علنية الصدع  تتبنى إقامة حكم الله على أرضه إلى أن يأتي فتح أرض الله أو البصر بدخول الفئة الباغية والناس في دين الله.

ثانياً: إنبثاق طائفة باغية معادية لها من شياطين الإنس والجن لصد الفئة المؤمنة ومحاولة إخراجها من أرض الله أو قتلها أو إرجاعها إلى فكر الأمة الباغية.

ثالثاً: وجود مجتمع بمختلف الفئات العمرية والفكرية والاجتماعية بين طرفي الصراع كلا يجذبه إلى طرفه.

رابعاً: إن منهج معالجة الواقع الآسن وخريطة الطريق واستشراف المستقبل للفئة المؤمنة في التعامل مع الباغين والناس مستمد كلياً من القران الكريم كأنه ينزل عليهم الآن مهما كان زمانهم أو مكانهم.

خامساً: نهاية الصراع محسومة للفئة المؤمنة  الضعيفة، وهي سنة ربانية كتبها الله على نفسه إلى يوم القيامة.

قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ * وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ)، سورة إبراهيم: الآية (13).

والصراع والتدافع، سنة ربانية حتمية لابد منها في كل زمان ومكان بين أصحاب الحق وأصحاب الباطل، وهما نقيضان لا يجتمعان يستلزم أحدهما مزاحمة الآخر ودفعه أو طرده أو إزالته، يقول الباري (عز وجل): (وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ)، سورة البقرة: الآية (250).

كذلك يقول (جل وعلا): (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)، سورة الحج: الآيتين (39-40)

وإذا أعتقد أي إنسان أنه يقف على التل، ولن يدخل الصراع مع أحد طرفيه فقد خرج من طبيعته البشرية، إذ ركّب الله في كل إنسان أدوات الخير وأدوات الشر ليختار أحد الطرفين.

ومنذ أن خلق الله سيدنا آدم (عليه السلام) مرّ هذا الصراع بمراحل متعددة وكالآتي:

المرحلة الأولى (الجنة): فإن الصراع والتدافع بدأ قبل نزول سيدنا آدم (عليه السلام) إلى الأرض وفي الجنة بدأ الصراع بين سيدنا آدم (عليه السلام) والشيطان.

المرحلة الثانية: عند النزول من الجنة  إلى الأرض، أستأنف الصراع بين أبني آدم وحسم بانتصار الباطل وكلما أسنت أرض الله بعث فيها نبي ليكوّن فئة مؤمنة فتنبري لها فئة معادية تصدها عن الانطلاق إلى الناس لإرشادهم إلى ربهم ثم إرجاعهم إلى الجنة من جديد فيحسم الصراع بالهداية أو العقاب الرباني المستأصل لكل من لم يدخل دائرة الفئة المؤمنة.

المرحلة الثالثة: بعثة محمد(صلى الله عليه وسلم) آخر رسول من الله للبشرية فوجد كل المقومات الأربعة معطلة وكالاتي:

1- لم يكن هناك صراع وتدافع قبل بعثة رسولنا الكريم على ضوء مقومات التصور الأربعة، فلم تكن هناك أمة يربطها تنظيم ليحقق هدف تعبيد الناس لربهم على الرغم من وجود أفراد مثل ورقة بن نوفل ولكن يكن له هدف تعبيد الناس أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

2- كانت الأرض كلها على مستوى الروم والفرس والعرب فئة كافرة مشركة وباغية على حق الله تعالى.

3- أما الناس فكانوا غارقين في سفاسف الأمور من الشعر والخمر وقطع الطرق والتباهي بالأنساب وتصديق الكهنة والانتماء لشهوة نفسٍ أو تبعية طاغوت.

4- وأما المنهج وإن كان محرفاً بيد الرهبان فلم يكن له أثراً على أتباعه ناهيك عن الآخرين.

5- حالما صدع الرسول (صلى الله عليه وسلم) بالمقومات استيقظ كل الشر المتراكم في الأذهان لمئات السنين من التضليل دفعة واحدة، وزلزلت العقول والقلوب وهاجت وماجت الجاهلية كلها شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض الخطط والمكائد والأموال لوأد تلك الفئة المؤمنة ولكن هيهات فقد عرف المؤمنين لذة وقيمة الصراع النظيف الذي يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة وقد كان.. فحققت الفئة المؤمنة مقومات التصور فكان..

– الفتح بإرجاع ارض الله إلى بارئها طاهرة مغتسلة مما أصابها من جنابة ونجاسة.

–  النصر باعتراف قادة الفئة الباطلة بضلالهم ودخولهم في دين الله.

– دخول الناس في دين الله أفواجاً.

– أصبح الدين كله لله فلا مناهج شرقية ولا غربية.

6- ثم بدء الصراع والتدافع بعد مرحلة النبوة ومرحلة الخلافة الراشدة ومرحلة الحكم الإسلامي العضوض، أي بعد كارثة سقوط الدولة الإسلامية بقيادة الدولة العثمانية 1924 على يد العلمانيين وبدء الإسلام ينحسر شيئاً فشياً في التكايا والمساجد والعقول والقلوب ولا أثر له في مؤسسات الدولة والشارع.

وانبرت النخبة المستشرقة والمتغربة تتزاوج مع الحكام العلمانيين الذين نصبهم الاستعمار الأوربي الذي ورث الدولة العثمانية الإسلامية بأن الدين هو السبب في هذا التخلف فيجب إزاحته من الميدان وإبقاء العلاقة شعورية مابين العبد وربه وأنفقت ملايين الدولارات في تنظيم المؤتمرات والكتب واللقاءات السرية لأجل ذلك، فتم إلغاء وتغييب أحد مقومات الإسلام وهو تغييب الفئة المؤمنة المتمثلة بالدولة العثمانية من الصراع.

7- شعر بالخطر الذي سيغرق كل أرض الله ويحرقها بجريمة تغييب الفئة المؤمنة الإمام حسم البنا فأعلن جماعة الإخوان المسلمين عام 1928 كفئة مؤمنة للدخول في سنة التصارع والتدافع الربانية.

8- بدأ الصراع هذه المرة غريباً وأي غرابة وجبرياً وأي إجبار كما أخبر الرسول (صلى الله عليه وسلم) وهو صراع بين:

– فئة مؤمنة منهجها القران.

– وبين فئة مسلمة منهجها غير القران.

– تقاتل الفئة المؤمنة.

– تجر الناس إلى إسلام علماني مستورد وتريد تقنعهم أن الإسلام هو هكذا ليس ماتدعيه الفئة المؤمنة فسقط ضحية هذا التثقيف أغلب الناس وأصبحوا غثاء على دين ظنوه الإسلام وما هو من الإسلام بشيء.

9- ونحن الآن في الجولة الأخيرة من الصراع المتمثل في الصراع العلماني في العراق والشام ومصر بين الإسلاميين وكل حكام العالم وجنودهم وتحتاج في العراق وسوريا إلى مراجعة نفسها على ضوء المقومات وقد استشرف الرسول (صلى الله عليه وسلم) ذلك في حديثه : (منعتِ العراقُ درهمَها وقفيزَه، ومنعتِ الشامُ مدَّيْها ودينارَها، ومنعتْ مصرُ إردبَّها ودينارَها، وعدتُمْ مِنْ حيثُ بدأتُم، وعدتُمْ مِنْ حيثُ بدأتُمْ، وعدتُمْ مِنْ حيثُ بدأتمْ، شهدَ على ذلكَ لحمُ أبي هريرةَ ودمُهُ)، رواه مسلم.

ومعنى الحديث أن ستعود الخلافة الراشدة مرة ثانية ونهائية وتنتصر الفئة المؤمنة وستلغى الفئة الباغية والكافرة، ويلغى وقوف الناس بين الفئتين إذ يقتل الخنزير ويكسر الصليب وتلغى الجزية فأما إسلام أو القتل لتسلم الأرض من جديد إلى بارئها لتقوم الساعة ويبدأ الحساب.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى