الرائد نت
مجلة الرائدمنوعاتنبض العراقواحات الإيمانإطلالة فكرية .. حل إشكالية الدين والتدين
fyutfr

إطلالة فكرية .. حل إشكالية الدين والتدين

 

مر معنا في العدد السابق رصد وتشخيص لإشكالية الدين والتدين ونحاول هنا رصد بعض الحلول لهذه الإشكالية فنقول:

1ـ إن نظرتنا للتراث لا بد أن تكون نظرة موضوعية، فعلماء الأمة على اختلاف تخصصاتهم بذلوا مجهوداً فريداً ونادراً ومبهراً في محاولة فهم وشرح نصوص الوحي، وقد اجمعوا على مسائل، واتفق جمهورهم على مسائل، واختلفوا في مسائل أخرى، كل ذلك وهم يستعينون بآليات وقواعد اجتهاد واستنباط ونظر، لم تكن متمايزة ولا مدونة حتى جاء الشافعي فبدأ بتقعيدها وتدوينها.

لذا علينا أن نستعين بما استقر من هذه الآليات الاجتهادية والأصولية في إنتاج الحكم الشرعي، مراعين الثوابت والمتغيرات، والقطعي والظني، والأصل والضرورة، والمصلحة والمفسدة، والمجمع عليه والمختلف فيه، والنقلي والعقلي والعلاقة بينهما ومساحة كل واحد منهما، كل ذلك في نظرتنا للنصوص والتراث التفسيري لها.

ولا يحل لنا بأي حال من الأحوال تجميد علم الأصول، وعدم تفعيله في عملية الاجتهاد والإفتاء في النوازل التي تحل بالأمة.

2ـ من الضروري جداً تعميق نقاط الاتفاق في نظرتنا للنصوص، والتأكيد على التفرقة بين الثوابت والقطعيات، التي يكفر جاحدها، وهي محل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، و لا يجوز الاجتهاد فيها، ولا الخلاف حولها، وعليها معقد الولاء والبراء، وغالباً ما تكون في الأصول والكليات، وهي النسبة الأقل من الأحكام.

وبين المتغيرات والظنيات، التي لا يكفر جاحدها، ولا تجري عليها نصوص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، و يجوز الاجتهاد فيها، والخلاف حولها، وليس عليها معقد الولاء والبراء، وغالبا ما تكون في الفروع والتفصيلات، وهي النسبة الأكبر من الأحكام.

3ـ لا بد من دراسة الجذور الحقيقية والتاريخية –وبعمق- للتدين المغشوش السائد، وما هي أبعاده الواقعية؟ ومن الذي يغذيه ويرسخه في حياة المسلمين؟ كل ذلك ضروري لمعرفة نقطة البداية للإصلاح.

والحقيقة أن الجواب عن هذه الأسئلة ليس بالأمر السهل، وربما يعجز الأفراد عنه، لكن الجهد الجماعي سيتكفل حتما بالجواب، وتقديم الخطط والبرامج والبدائل والوسائل والأفكار.

4ـ ضرورة التفرقة بين الدين والتدين على المستوى الفكري والنظري، والتأكيد على التمايز بين النص المقدس في القرآن والسنة وبين الفهم غير المقدس لهما، وبذلك تبقى عند المفكر والفقيه والباحث حالة التحفز والاستنفار للوصول إلى الإصابة وتجنب الخطأ، وأن يضع اجتهاداته ضمن دائرة الظنيات القابلة للتصحيح والتعديل، لا ضمن دائرة القطعيات التي لا يجوز المساس بها على أي حال من الأحوال.

5ـ إعادة سنة الاجتهاد بشروطه إلى الحياة العلمية، إذ بالاجتهاد يتم تفعيل النص المقدس في الحياة الإسلامية، وينزل على الواقع بما يناسبه مستعينا باجتهاد من سبق من علماء الأمة.

ولقد كان من المؤمل أن تقوم الكليات الشرعية بهذا الدور، لكنها من حيث الجملة فشلت -في الغالب- في تخريج مثل هذه العقلية الاجتهادية، وذلك في رأيي بسبب غياب عناصر ثلاثة:

الأول: ضعف القدرات الذهنية والفكرية والفطرية لكثير من خريجي هذه الكليات.

الثاني: عدم التكامل في مفردات المناهج، وعدم حداثتها، بسبب اعتمادها كلياً أو شبه كلي على الجانب النقلي الصرف في تضمين المعلومات القديمة وتكرار الأمثلة التي عفا عليها الزمن، أو لم يعد لها وجود.

الثالث: التساهل الحاصل في شروط التدريس وقصره على مجرد امتلاك الشهادة العليا والحصول على اللقب العلمي، دون امتلاك أي مؤهلات أخرى.

ربما كانت هذه العناصر الثلاثة من أهم الأسباب (لا على سبيل الحصر) في سبب التردي الحاصل في مخرجات الجامعات الشرعية، مما أنتج الضعف العام والملحوظ في ملكة الاجتهاد والخوف أو التخويف منه، مما أنتج بالتبع عقلية تقليدية لا تنتج علما ولا تبدع معرفة، وإنما تتلقى فتقول، وأصبح من ثم التدين تديناً تقليدياً جامداً مبتور الصلة عن النص ومنطوقه ومفهومه وإشاراته وإيحاءاته.

6ـ لابد من التأكيد على النظرة الموضوعية للتراث المعرفي الإسلامي، وعلى النظرة الواعية لنقاط الاتفاق والافتراق بين معطيات هذا التراث، ومعطيات الحاضر والتكييف الفقهي لمستجداته، إذ إن النقل الحرفي للتراث سبب أزمات خطيرة على المستوى الفكري والسلوكي المعاصر للأمة، فتنزيل كثير من الاجتهادات والأقوال على واقع معاصر مختلف هو تنزيل خاطئ ومناف أصلاً لما يريده الشرع، وان نقل التجارب السلوكية الصوفية التي عاشتها الأمة في وقت من الأوقات إلى الحياة الإسلامية المعاصرة، وقد كان لها بعض المبررات من انتشار الترف وطغيانه على الحياة الإسلامية، ـ بغض النظر عن حصول الانحراف المعروف بعد ذلك ، كان لها اثر شديد الخطورة في نشر البدع، وتعميم روح العزلة والانهزامية في وقت ضياع الشريعة وسلب الحقوق وانتهاك المقدسات واغتصاب الأرض والعرض.

وعلى الضد من ذلك، سادت نفس الروح الانهزامية عندما تم حصر التدين في   بعض المندوبات والتكميلات الشرعية، كبعض السنن والهيئات، على أهميتها، لكن المشكل حدث في إهمال الواجبات والفرائض العينية والكفائية، وما تتطلبه المرحلة من فقه وعمل.

7ـ نشر الفهم التكاملي للإسلام بين العقيدة والسلوك، فالعقيدة ليست حالة معرفية صرفة لا تؤثر في السلوك، وإنما هي المنطلق والضابط للسلوكيات التي أرادها الإسلام، وعرف بها الصحابة الكرام والسلف الصالح من هذه الأمة، إذ لا ينفع فعل الواجبات بلا ترك المحرمات، ولا فعل الصلاة دون الزكاة، وقد قاتل أبو بكر (رضي الله عنه) على ذلك كما هو معروف.

والفصل نفسه عندنا إذا تأملنا نسبة المزكين إلى المصلين، إذ الفارق هائل، كما علينا أن لا نتجاهل العلمانية، وما رسخت من مفاهيم فصل الدين عن الحياة على المستوى الفكري والسلوكي.

إن الفهم الواعي للدين والواقع التديني، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة والتدرج الناضج هو الذي سينتشل الواقع المرير الذي نعيشه من انتكاساته.. والله اعلم.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى