الرائد نت
fyuyuyu

العقل والمعدة

 

بمناسبة رمضان يرد سؤال غير بسيط كما يبدو من النظرة الأولى! مع أن نتائجه خطيرة وعظيمة.

وهو..

لماذا الامتناع عن الطعام والشراب ( كاحتياج أساسي نهاراً ) لمدة شهر من كل سنة ؟

ولماذا عدت هذه عبادة عظيمة لا يجزي عليها ولا يقدر أجرها إلا الله تعالى حتى نسبها له (كلُّ عَمَلِ ابنِ آدمَ لَه إلَّا الصَّومَ، فإنَّهُ لي وأَنا أجزي بِه)، رواه البخاري.

معلوم أن الله تعالى عُرف بالعقل، وكل الأنبياء حفزوا أتباعهم على النظر في خلق الله تعالى ليستدلوا على عظمته (عز وجل).. والقرآن الكريم كان قمة الرسالات في هذا الشأن.

والعقل هو الميزة الوحيدة ليكون الإنسان إنساناً.. وإلا فهو مشترك مع الحيوان فيما عدا ذلك.

وإذا قرأت في تاريخ الأديان الصحيحة أو الباطلة ستجد أن الصيام قاسم مشترك لتطهير النفس والارتقاء بالعقل والتفكير، وناتج ذلك معرفة الله تعالى والتقوى.. وهذا ما نبه له القرآن الكريم (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، سورة البقرة: الآية (183).

ما هذه العلاقة الغريبة التي أكد عليها الإسلام والأديان الأخرى في أهمية الصيام للعقل والقلب؟

وهل الاستنتاج المنطقي الطبيعي لهذه العلاقة أن هناك علاقة عكسية بين العقل والقلب من جهة والمعدة من جهة أخرى؟

وهل يؤكد هذا توصية النبي (صلى الله عليه وسلم): (ما ملأَ آدميٌّ وعاءً شرًّا من بطنٍ حسْبُ الآدميِّ لقيماتٌ يُقِمنَ صلبَهُ فإن غلبتِ الآدميَّ نفسُهُ فثُلُثٌ للطَّعامِ وثلثٌ للشَّرابِ وثلثٌ للنَّفَسِ)، رواه ابن ماجة.

وهل يؤكد هذه العلاقة العكسية بين المعدة والعقل توصية المربين من سلفنا الصالح بالاقتصاد في الطعام والشراب، وذم الكروش والبطون المنتفخة وخاصة إذا كانت لعالمِ دين أو قدوةٍ بين قومه؟

وهل يؤكد هذا الحكمة المشهورة (المعدة بيت الداء والحمية رأس الدواء)؟

كل هذه المقدمات تشير بوضوح أن المعدة وسيلة للحياة وليست غاية لكي نهتم بملئها.. ولو من الحلال.

وأن العقل تخمد جذوته إذا امتلأت المعدة.. ويتحرر ويتألق إذا اعتدلنا في طعامنا وشرابنا واكتفينا بالقليل.

ودليل هذا أن الإنسان يميل إلى النوم والخمول كلما ملأ معدته بالطعام.

وبما أن الإنسان يجد في الطعام لذة لا تقاوم فهو يغفل عن هذه الحقيقة أو يتغافل.

ولإخراجه من هذه الغفلة فرض الله تعالى الصيام (فرضاً) على الأمم ليثبت لهذا الإنسان بالدليل العملي.. أن الشبع لا يحتاج إلى التكالب والخوض في ما حل وحرم.. وأن الشبع لا يحتاج أن نضيع أعمارنا وديننا من أجله.. وأن الشبع لا يستحق أن نستهتر بعقولنا وقلوبنا من أجله.

ورمضان يقول لك، أنك مهما كنت شرها فلن تستطيع أن تأكل بعد إفطارك إلا لقيمات مع الماء تستعيد بها توازنك وعقلك وقلبك.. والعاقل من اتعظ.

ومن عجائب الزمان أنك تسمع في زماننا هذا من المثقفين والنخبة كلاماً كثيراً عن الطعام وفوائده وألوانه أكثر مما تسمع عن كتاب جديد قرؤوه أو رأي فريد سمعوه.

وهذا مؤشر خطر إذا شاع في مجتمع فإنه يدلك أي الفريقين له الغلبة.. العقل أم المعدة ؟

رمضان يعظنا كل عام موعظة مفروضة مكتوبة ” اقتصدوا في طعامكم ولا تقتصدوا في عقولكم ” حتى تكون النتيجة المطلوبة وهي ( لعلكم تتقون ).

وكل عام وعقولنا بخير.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى