الرائد نت
20091213105350_neptunetriton_vg2

مسألة فقهية قبل رمضان

 

اعتماد الحساب الفلكي في تحديد بداية الشهر

للدعوة والإفتاء

من المسائل التي تتكرر في كل رمضان الخلاف في إثبات الشهر، ومن مستجدات العصر التي بدأت تطرح بإلحاح مسألة اعتماد الحساب الفلكي في تحديد بدايات الأشهر القمرية ومنها رمضان، وللعلماء في هذا الموضوع مذهبان:

المذهب لأول: للجمهور الذين قالوا بعدم جواز الاعتماد على الحساب الفلكي، واستدلوا بأدلة منها عدُّهم الحساب الفلكي بحكم الكهانة والنهي عن إتيان الكهان معروف؛ وأكثر استدلالهم بما ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) (إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ)، رواه البخاري. فلم يربط النص إثبات الشهر بقول الفلكيين بل أناطه إلى الرؤية وإكمال العدة.. وتوجيه النص بهذه الوجهة يتقاطع مع أمور عقلية ونقلية كثيرة سيأتي الحديث عنها.

المذهب الثاني: لفئة قليلة من علماء المذاهب قديماً؛ ففي مذاهب الحنفية والمالكية والشافعية يوجد من قال بأنه يُسأل الفلكيون ويعتمدُ قولُهم إذا اتفق جماعة منهم على ذلك (د. هاشم جميل، مسائل من الفقه المقارن، 1/296 فما بعد).

وهذا المذهب الذي كان مرجوحًا بالأمس أصبح اليومَ يحتاجُ إلى مراجعة موقف؛ فالذين ردوه بالأمس لهم الأسباب التي كانت في ذلك الزمن وجيهة؛ ومن هذه الأسباب:

– لم تكن حسابات الفَلَك في ذلك الزمن قد بلغت حدَّ الكمال الذي تحقق في العصر الحديث.

– ربطها بالتنجيم والتخمين عند بعض المشعوذين؛ وذلك بسبب الذين كانوا يمارسونه في ذلك الزمان.

والحسابات الفلكية في العصر الحديث هي اليقين القطعي؛ بينما الرؤية بالعين المجردة أو بالمنظار ظنية في إثبات هلال أوائل الشهور الهجرية.. فالذي كان في ذلك الزمن ظنيًا وجعل جماهير العلماء ينحازون ضده؛ تحول اليوم إلى يقيني؛ فحسابات علم الفلك اليوم هي أساسُ الملاحةِ البحريةِ والجويةِ والفضائيةِ؛ وبها استطاع الإنسان أن يتجول داخل المجموعة الشمسية؛ ويُنزل سفن الفضاء والإنسان الآلي على سطح المريخ، وهي أساس حسابات الكسوف والخسوف التي تحدث في المكان والزمان المحدد بفارق أقل من الثانية.

من جانب آخر فلقد فارق هذه الحساباتِ ما كان ملازمًا لها في التأريخ؛ من دجل وشعوذة وربط بين أحداث الغيب وحركة الكواكب.. لذا لا بد من إعادة النظر في الموقف من علم الفلك ومن الحسابات الفلكية.

وأبرز ما استدل به علماؤنا القدامى رحمهم الله قوله (صلى الله عليه وسلم) المتقدم (إِنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا يَعْنِي مَرَّةً تِسْعَةً وَعِشْرِينَ وَمَرَّةً ثَلَاثِينَ) وهذا الفهم للحديث أصبح يتقاطع مع واقع الأمة اليوم؛ ومع القرآن الكريم وواقع العلم.

– فواقع الأمة اليوم أنها ليست أمية على الإطلاق؛ وهنا لا بدَّ من التذكير بأمرين لا ينبغي أن يغيبا عن العقول عند النظر في هذا المسألة:

أولهما: أن وصف الأميةِ في شخصه (صلى الله عليه وسلم) وصفُ كمالٍ؛ أما في الأمةِ فهو وصفُ نقص؛ فمما لا شك فيه أنَّ الأمة المتعلمَة أفضلُ من الأمة الأمية؛ بينما النبي الأمي (صلى الله عليه وسلم) الذي جاء بهذا القرآن الذي لا يشك من يسمعه أنه مبعوث من الله؛ لأن الأمي غير المؤيد بالله (عز وجل) يعجز عن ذلك.

والأمر الآخر: إنَّ حملاتِ محو الأمية في هذه الأمة قد بدأت مبكِرًا ومنذ عصر الرسالة، فقد (كان نَاسٌ مِنَ الأَسْرَى يوم بَدْرٍ لم يَكُنْ لهم فِدَاءٌ؛ فَجَعَلَ رسول اللَّهِ (صلى الله عليه وسلم) فِدَاءَهُمْ أن يُعَلِّمُوا أَوْلاَدَ الأَنْصَارِ الْكِتَابَةَ)، مسند الإمام أحمد.. فالأمة كانت أميةً؛ ولكنها لم تبقَ كذلك؛ وهي الآن تقرأ وتكتب وتحسُب.

ومن العجب أن تأخذ الأمةُ بالحسابِ الفلكي في تحديد جهة القبلة والمواقيت لفريضة الصلاة، وهي فريضة مقدمة على الصوم.. ثم ترفض هذه الحسابات في إثبات الصوم.

– وكما يتقاطع هذا الفهم مع الواقع؛ كذلك يتقاطع مع جملة آيات في القرآن الكريم؛ كما في قوله تعالى (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ)، سورة البقرة: الآية (189) فهذا النص يرشد إلى الاعتماد على الأهلة في المواقيت الدنيوية والعبادية كالحج.. ولا يجوز أن نبقى نتعلل بالأمية في حساب الأهلة لشهري رمضان وشوال؛ ونحن نقرأ هذه الآية.

وكذلك يشير القرآن (وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ)، سورة  يس: الآية (39) ففي الآية إرشاد إلى دراسة المنازل لفهم القرآن؛ وإلا فمن ليس له نوع معرفة بمنازل القمر كيف سيفهم هذه الآية؟ فالآية فيها –كما في الآية المتقدمة- إشارةٌ إلى ضرورة الخروج من حال الأمية في الأمة ودراسة العلوم عامة؛ ولاسيما علم منازل القمر.

وإشارة ثالثة في قوله تعالى)فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ{75} وَإنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ…) فمن لا يتعرف على مكنون مواقع النجوم وعلم الفلك؛ لا يستطيع أن يدرك عظمة العلم المكنون في هذا القرآن الكريم.

فالممدوحُ في هذه الآيات هو التعلمُ وليس الأمية.. ومن التعلم الممدوح تعلم الفلك لإشارة الآيات إليه.. ويمكن أن يقودَنا هذا التعلم النافع إلى اعتماد هذه الحسابات الفلكية التي حوت الآيات.

( وكما يتقاطع هذا الفهم مع الواقع؛ ومع القرآن الكريم؛ يتقاطع مع المعطيات اليقينية لعلم الفلك التي أصبحت على أعلى درجات القطعية واليقين بما لا يمكن معارضتُها برؤية ظنية من شاهد أو اثنين يحتمل إخبارُهما الوهمَ أو الكذبَ.

فالحسابات الفلكية تقدم لنا اليوم تقريرًا مفصلاً في منتهى الدقة عن يوم ميلاد هلال الشهر الجديد؛ ومدة مُكثه بعد غروب الشمس؛ وهل يمكن أن تتوافر الظروف المناسبة لرؤيته أم لا؟ وتحديد ارتفاع الهلال فوق الأفق وزاوية موقعة بالنسبة للغرب ومن هنا يمكن أن نمدَّ الراصد بشتى المعلومات اللازمة ليتمكن من رصد الهلال.

ومن المناسب هنا ذكرُ دراسة فلكية قارنت بين يومي الدخول الرسمي والفلكي لشهر رمضان في المملكة العربية السعودية للمدة 1380-1425هـ (عدنان عبد المنعم قاض، دراسة فلكية مقارنة بين يومي الدخول الرسمي والفلكي لشهر رمضان في المملكة العربية السعودية، تطبيقات الحسابات الفلكية في المسائل الإسلاميةـ/ مركز الوثائق والبحوث، الإمارات، 2007). أجراها باحث خليجي قارن فيها بين يوم دخول شهر رمضان في المملكة العربية السعودية كما أعلن رسمياً عن دخوله واليوم الذي يحقق الشروط الفلكية للرؤية التي وضعها علماء الفلك والشريعة المسلمون؛ فأظهرت نتائج الدراسة أن طريقة الرؤية التقليدية المتبعة في إعلان دخول رمضان وافقت الحساب العلمي الفلكي، في 6 من 46حالة (أي بنسبة 13% فقط) وعارضته في 40 من 46حالة (أي بنسبة 87%) .. ألا تدفعنا هذه النتيجة إلى إعادة النظر في:

أولاً: الطريقة التقليدية لإثبات الرؤية وجعلها أكثر انسجامًا مع الحقائق الكونية والحسابات الفلكية التي أصبحت قطعية.

ثم: إعادة النظر في الفقه الذي يبرر هذه الطريقة إلى اليوم؛ لأنه لم يعد يستند على فهم شمولي لشرع الله، وذلك من أجل ترسيخ ثقافة احترام القطعي من علوم الحساب الفلكي عندما يقرر عدم إمكانية الرؤية، بسبب عدم حدوث الاقتران، وأن لا يُدعى إلى ترائي الهلال، ولا يقبل ادعاء رؤيته.

فالفهم الأقربُ للصوابِ لهذا النص النبوي الشريف هو أنه يقرر واقع مرحلة معينة من عصر النبوة كانت فيه الأمة أمية؛ أما اليوم فهذا الوصف غير منطبق على الأمة وهي مطالبة أن تكتب وتحسُب.

وهذا الاعتماد على الحساب الفلكي لا يعني أن نلغي الرؤيةَ ونعتمد الحساب المجرد؛ بل يبقى المعولُ على الرؤية لأنَّ النص يقول (صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ) مع ملاحظة أنَّ الحسابات الفلكية إذا قالت باستحالة الرؤية لأنَّ الهلال لم يولد؛ أو لأنَّه ولد لكنَّه غاب قبل الغروب أو معه، لا يجوز لنا في مثل هذه الحال أن نتداعى لمراقبة الهلال في ذلك اليوم؛ ومن زعم أنه رآه فهو إما صادق واهم؛ وأوهام الثقات كثيرة؛ أو كاذب مدعٍ.. وفي كلا الحالين لا يجوز تقديم إخبارٍ ظني لواهم ولا لكاذب على حسابٍ علمي دقيق؛ نسبة الخطأ فيه أقل من 0،001% والله أعلم.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى