الرائد نت
مجلة الرائدمنوعاتنبض العراقواحات الإيمانإطلالة فكرية … إشكالية الدين والتدين
ghjghgh

إطلالة فكرية … إشكالية الدين والتدين

 

يمكننا تعريف الدين الإسلامي ببساطة بأنه: “مجموع النصوص في القرآن والسنة النبوية الصحيحة”.

وتعريف التدين بأنه: “فهمنا لهذه النصوص وتطبيقها وفق هذا الفهم”.

إن المسافة بين الدين والتدين مسافة قريبة بعيدة، قريبة بمعنى أننا قد نصيب في فهمنا للنصوص الشرعية وبذلك يكون تديننا مطابقاً للدين، وبعيدة بمعنى أننا قد نخطئ في فهمنا للنصوص وبذلك يكون تديننا غير مطابق لما يريده الشرع والدين في حقيقة الأمر.

وتتباين درجات البعد عن الدين في فهمنا وتديننا على حسب درجات الخطأ والإصابة وحجمها في فهم الشرع والنصوص.

بعد هذا التعريف والتمهيد الموجز، نريد أن نشير إلى أبعاد الإشكالية التي يعاني منها المجتمع والعمل الإسلامي وملخصها: أن معظم المتدينين سواء كانوا علماء أم من العامة يظن ظناً، وهو يقين عنده، إن ما فهمه من الشرع هو الدين بعينه، وليس فيه مجال للشك أبداً، ومن هنا نشأت الإشكالية في العقلية الإسلامية بين الدين والتدين، على مستوى الفكر والفهم، أو على مستوى السلوك، من وجوه ثلاثة:

الإشكالية الأولى الوجه الأول: في النظرة إلى التراث والمعارف الإسلامية السابقة: وتنشأ من عدم التفرقة بين النص المقدس في الكتاب والسنة وبين اجتهادات العلماء على مدى العصور في تفسير هذه النصوص، سواء كانوا فقهاء أو مفسرين أو محدثين أو أصوليين أو لغويين أو كلاميين، إذ إن هذه الاجتهادات بمجملها عبارة عن شرح وتفسير ومحاولة لفهم النص المقدس الذي يعلو ولا يعلى عليه، والذي يُتبع ولا يَتبع أحداً، وهذا الشرح والتفسير والفهم يبقى في دائرة الاجتهاد والنظر والظن، والخلفية العلمية والثقافية، والظرف الزماني والمكاني المحيط بالمفسر والشارح، وتحت معيار الأجرين عند الإصابة، والأجر عند الخطأ كما قرره الحديث النبوي.

وما دامت كذلك فإنها ليست مقدسة ولا معصومة، ولا طلب أصحابها التقديس والعصمة، بل صرح أكثرهم: ( كل يؤخذ منه ويرد إلا صاحب هذا القبر)،  يعني النبي (عليه الصلاة والسلام) كما قال الإمام مالك، (إذا صح الحديث فهو مذهبي)، سير أعلام النبلاء، كما قال الإمام الشافعي.

إن غلق باب الاجتهاد وتجميد العقل الإسلامي عن العطاء والإنتاج المعرفي الذي يكيّف الحياة الإسلامية وفق نصوص الوحي المعصوم، كانت من أكبر الكوارث التي حلت في الحياة العلمية الإسلامية، إذ بدأت الفجوة تزداد يوماً بعد يوم بين نصوص الوحي والشرع المعصوم، وبين الحياة التي تزداد ملابساتها وتعقيداتها يوما بعد يوم، وبدأ يقل أو يغيب فقه النوازل، ولا يوجد من يعطي الحلول الواقعية بضوابط الشرع وآليات الاجتهاد الفكري والفقهي، بل كانت وما زالت الحلول المعلبة والمخبأة في زوايا التاريخ والكتب القديمة هي التي تطرح لمعالجة هذه الملابسات والنوازل من دون مراعاة لاختلاف الزمان والمكان.

والغريب أن تراثنا الفقهي والأصولي قد بُحّ صوته وهو يؤصل لأصل القياس وغيرها من الأدلة الأصولية، ويذكر القاعدة الفقهية: (لا ينكر تغير الفتوى بتغير الزمان والمكان والأشخاص)، ويلهج بها في كل موضع، لكن إغلاق باب الاجتهاد جمّد عملياً استثمار الأدلة الأصولية والقواعد الفقهية، بل جمد علم أصول الفقه نفسه، إذ أصبح علماً تاريخياً تعرف به طرق الاستنباط والاجتهاد، أما تفعيله واستثماره فدونه قطع الرقاب.

إن إغلاق باب الاجتهاد يوحي بعملية هروب شبه جماعي من فريضة الاجتهاد في نوازل الأمة، والتذرع بسد ذريعة التطفل ممن ليس بأهل للاجتهاد والنظر، ويا ليت الأمر اقتصر على ذلك ونحن معهم، لكن المشكلة إن ممن هو أهل للاجتهاد بشهادة الجميع لم يسمح له، بل حورب وأقصي كأنه خرج على ثوابت الشرع وقطعياته، وما حصل لابن تيمية وابن حزم معروف ومشهور.

ومما فاقم الأمر تضييق مفهوم الفقه الذي كان سائداً عند السلف الصالح ومتقدمي هذه الأمة وهو الفهم بمعناه اللغوي أي الفهم لكل أبواب الدين عقيدة وشريعةً وأخلاقاً، فضيق إلى المعنى الاصطلاحي وهو العلم بالأحكام الشرعية العملية فقط من عبادات ومعاملات.

بعد هذا الفهم للدين ونصوصه المقدسة وتقديس التراث بدل دفع عجلة الاجتهاد والعطاء في نوازل الأمة، بدأت الفجوة تكبر بين الدين والتدين، بين قوة النص والدين، وتلقي المتدين المرتاب المتشكك بإمكانية خلود الشرع وتعديتها وتقويمها للحياة الإسلامية، حتى وصل المجتمع إلى مرحلة عصا سليمان التي أسقطتها يد العلمانية التي هجمت على الحياة الإسلامية، فوجدت الأرض والعقول والقلوب ممهدة وميسرة.

إن فرض العلمانية وإسقاط الخلافة لم يكن قراراً سياسياً اتاتوركياً متسرعاً، بل كان مدروساً وممهداً له بعد إصابة المؤسسة الدينية بالعقم والعطل، خلا بعض العلامات المضيئة، ولقد قاومت الأمة ما استطاعت هجمة العلمانية، إلاّ أن المقاومة كانت عاطفية حماسية يدفعها الحنين إلى الماضي، وليس مقاومة العارف الخبير المخطط الذي في جعبته جملة من الحلول والتصورات لاستئناف حياة إسلامية جديدة وفق اجتهادات وأطر معاصرة.

كم من دعوى إجماع فقهي في القديم والحديث تبين أنها ليست بإجماع، وكم من رأي اتهم بالشذوذ تبين بعد البحث أن له ما يعضده من الشرع ومن أقوال العلماء.

وكم من تيار إسلامي وحركة إسلامية معاصرة ثبت أنه قد كان من اجتهاداتها ما هو وفق فتاوى في كتب التراث قبل مئات السنين، كان يفتي بها فقيه لزمان ومكان وظروف لا تشبه ما نحن فيه بأي شكل من الأشكال.

الإشكالية الثانية: في عملية الفهم والتطبيق المعاصرة للنصوص: وهي إشكالية ناشئة أصلاً عن الإشكالية الأولى ومتفرعة عنها، فإن عملية الفهم والتطبيق والتدين المعاصرة جاءت عبر تراكمات معرفية تراثية ومعاصرة جامدة، وصلت بالعقل المسلم إلى ما وصل إليه من حالة العجز عن الإبداع والاجتهاد في النصوص، مستعينا بالتراث الضخم الشارح والمفسر، حتى أصبحت الحياة العلمية المعاصرة يغلب عليها التقليد والغبش وغياب فقه المقاصد الشرعية والفهم الجزئي للنصوص.

الإشكالية الثالثة: في التدين المغشوش وسيادته في الساحة الإسلامية: وهذه الإشكالية ناشئة أيضاً عما قبلها، فان الانحراف في عملية الفهم أورث التدين انحرافاً في عملية التطبيق والتدين الحقيقي والصحيح، حتى أصبح الإنسان المسلم يمر بما يمكن أن نسميه أزمة أخلاقية وقيمية، فالمربي المخلص والعالم المتفاني والتاجر الصدوق والقيادي الناجح والزوجة الصالحة عملات نادرة في واقعنا، وسط هذا الموج المتلاطم من ظواهر النفعية والغش والخداع والأثرة وانعدام المسؤولية والفوضى والسطحية والفقر الثقافي والاقتصادي والأخلاقي.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى