الرائد نت
مجلة الرائدملف العددالعراق .. البحث عن إدارة الدولة المتصدّعة
1109_herakiq

العراق .. البحث عن إدارة الدولة المتصدّعة

 

تعددت الأطروحات حول أسباب الإخفاق الحاصل بإدارة الدولة العراقية، خصوصاً في مرحلة ما بعد الاحتلال عام 2003، إخفاق عززته الانهيارات الأمنية والسياسية والاقتصادية المتوالية على الوضع العراقي يوماً بعد يوم ويدفع ثمنها المواطن العراقي البسيط.. وصل حد انتهاك الأعراض وإزهاق الأرواح في المعتقلات ومدن العراق المختلفة، وكل هذا بحسب المراقبين بسبب المنظومة السياسية الرتيبة التي بنيت عليها الدولة في هذه المرحلة، وطبيعة تأجيج الاختلافات العرقية والمذهبية التي تشكلت عليها أنظمة الدولة العراقية منذ عشرينيات القرن المنصرم حتى يومنا هذا والتي ساهمت العناصر الإقليمية بإبرازها للسطح.

 

البحث عن الحــل

هذا الواقع المأساوي المتكرر دفع بمن اكتوى بنار الإخفاق الأمني والتردي في التعامل مع النسيج الاجتماعي بعد أن وصل حد انتهاك الأعراض والأرواح، إلى طرح خيارات الفيدرالية أو اللامركزية الإدارية، وهو طرح يبحث عن حلول حقيقية للفواجع التي تمر على ارض العراق يوماً بعد يوم، وذلك في محاولة لتقويم الاعوجاج الحاصل في هيكلية بناء الدولة العراقية منذ القرن المنصرم حتى يومنا هذا في مرحلة ما بعد الاحتلال.

ولسنا بصدد البحث عن توضيح محاسن أو مساوئ النظم السياسية التي يمكن أن تدار بها الدولة في طريقها نحو الخلاص من واقعها كالفيدرالية أو المركزية أو حتى اللامركزية الإدارية، فقد تم التطرق لمثل هذه المواضيع في أعداد سابقة لمجلة “الرائد”.

ولكن نحاول في هذا الملف المبسط أن نعرض واقع حال لنظرية الفيدرالية بين مؤيدوها ومعارضوها كونها حديث الساعة، وبعدها نعرض بعض الاعتراضات على الفيدرالية على شخصية متبنية لموضوع الفيدرالية ومدافعة عنه، على أننا نترك الحكم للقارئ الكريم لنتيجة هذا الطرح المبسط كون الحديث عن هذا الموضوع أصبح عن مصير بلد بأكمله كما يقال من قبل المتابعين للشأن العراقي، بل قال آخر: إن ما سيحصل على الأرض العراقية من تطبيق سياسي مستقبلي في إدارته سيتعدى تأثيره المنطقة برمتها، ولا بأس بشيء من التعريج لتوضيح مفردات الفيدرالية أو اللامركزية الإدارية قبل الخوض في التفاصيل.

من أشكال الحكم

الفيدرالية.. شكل من أشكال الحكم تكون السلطات فيه مقسمة دستورياً بين حكومة فيدرالية أو اتحادية ووحدات حكومية أصغر (الأقاليم، الولايات)، ويكون كلا المستويين المذكورين من الحكومة معتمد أحدهما على الآخر وتتقاسمان السيادة في الدولة.

أما ما يخص الأقاليم والولايات فهي تعتبر وحدات دستورية لكل منها نظامها الأساسي الذي يحدد سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية ويكون وضع الحكم الذاتي للأقاليم، أو الجهات أو الولايات منصوصاً عليه في دستور الدولة بحيث لا يمكن تغييره بقرار أحادي من الحكومة المركزية.

الحكم الفدرالي واسع الانتشار عالمياً، وثمانية من بين أكبر دول العالم مساحة تحكم بشكل فدرالي، وأقرب الدول لتطبيق هذا النظام الفدرالي على المستوى العربي هي دولة الإمارات العربية المتحدة أما على المستوى العالمي فهي الولايات المتحدة الأميركية.

أما اللامركزية الإدارية: فهي طريقة من طرق الإدارة التي بموجبها تقاسم الوظيفة الإدارية بين حكومة المركز، وبين هيئات أو إدارات منتخبة محلية تباشر سلطات ومهام ووظائف محلية بالتنسيق مع الحكومة المركزية.

استهلاك بالتطبيق

بحسب الخبراء فان اللامركزية الإدارية ليست نظاماً سياسياً كما يروج البعض وإنما نظاماً إدارياً، يتم فيها توزيع الوظائف الإدارية في الدولة بين الحكومة المركزية وهيئات محلية أو مصلحية مستقلة على أن تعمل الأخيرة تحت إشراف ورقابة الحكومة المركزية.. بعكس الفيدرالية التي تكون ذات نظام سياسي اقرب للإداري لكن ضمن الدولة الواحدة المتعددة الفئات والقوميات أو المذاهب، وقد شرع الدستور العراقي كلا النظامين في الإدارة الداخلية للبلد، غير أن اللامركزية الإدارية وبحسب المحللين قد أخذت حصتها من التطبيق ولم تجد قوة على الأرض بسبب السيطرة المركزية المطلقة على الإدارة العامة لمؤسسات الدولة العراقية.

ولذلك راجت الدعوة لتطبيق الفيدرالية بقوة كخلاص للواقع الحالي للدولة من الانهيارات المتكررة على مختلف الصعد والتي فشلت فيها الحكومة، رواج الفيدرالية…أدى بالطبع إلى ظهور معارضون لها بقوة ومؤيدون لها بنفس الوتيرة.

تعارض حكومي 

عندما طرح موضوع الفيدرالية لمرحلة ما قبل جلاء المحتل، تصدت لهذا الطرح جهات عدة، بعضها كان حكومياً وبعضها من ينتمي للمحافظات المطالبة بها، وبما يخص الموقف الحكومي ومنه دولة القانون التي يتزعمها رئيس الوزراء نوري المالكي، فقد رأى مراقبون أنه ينطلق تفسير طائفي محدد نحو نزعة المركزية والسيطرة على المكون الأخر.

أما مواقف بقية الجهات السياسية.. فبرزت من خلال التحالف الكردستاني الذي رأى أن “مطلب تشكيل الأقاليم في العراق من الناحية الدستورية واضح وصريح”، بحسب النائب النائبة عن التحالف أشواق الجاف.

وبيّنت أن “المادة (119) أعطت الحق لأبناء لشعب العراقي بالمطالبة بتشكيل الأقاليم”، ويكاد النائب عن التحالف الوطني سابقاً جواد البزوني الشخصية الوحيدة من المكون الأخر التي دعمت الحق السني بخلاف مكونه، مصرحاً: “إن الحل الأمثل للازمات يكمن بإقامة الأقاليم التي تؤدي إلى نوع من الاستقرار الأمني والسياسي والاقتصادي خاصة إذا كانت تلك الأقاليم مقامة على أساس إداري دستوري لمحافظة أو لمحافظات عدة”.

مشروع قديم

غير أن الموقف الأهم والذي يجب أن يتم الوقوف عنده.. هو من ثقف ونشر البيانات ضد المشروع وهو يعود بانتمائه إلى المكون الذي ظلم بسبب الإدارة المركزية للدولة العراقية، ومن أبرزهم هيئة علماء المسلمين التي دعت إلى رفض مشروع الفيدرالية جملة وتفصيلاً.

الناطق الإعلامي للهيئة مثنى حارث الضاري صرح في رده عن طرح الفيدرالية، بالقول: “إن الفدرالية ثوب تم ارتداؤه من كل القوى السياسية وحسب ظروفها وتقلباتها في الصراع على السلطة والنفوذ”،  والفكرة – والكلام للضاري –”هي مشروع قديم تم إقراره في مؤتمرات المعارضة قبل احتلال العراق، وتسببت في وقتها بمشاكل كبيرة وانشقاقات بين أحزاب المعارضة وتم استصحابها منذ سنوات مع كل مفترق من مفترقات العملية السياسية”.

ويتابع الضاري واصفاً الفيدرالية بأنها “ثوب تم ارتداؤه من كل القوى السياسية وحسب ظروفها وتقلباتها في الصراع على السلطة والنفوذ، وقد اقترنت بدعوات من الأحزاب المتنفذة في السلطة منذ بداية الاحتلال فطبقتها قوى منه في شمال العراق، وفرضتها في الدستور بتأييد من القوى الأخرى التي أرادت تطبيقها في الجنوب ولم تفلح حتى الآن، وتجاوزتها بعد سيطرتها على العراق كله، فيما تلقفتها الآن بعض القوى السياسية التي تحاول بواسطتها تغطية فشلها في الحصول على ما تريد وانكشاف زيف حججها التي روجت لها من أجل تبرير مشاركتها الخاسرة منذ البداية في العملية السياسية”.

وباختصار ما سبق من الكلام فإن الفيدرالية في العراق “خيار خطير وعامل انقسام وتهديد لوحدة العراق وتاريخه وثقافته وحضارته وعيش أبنائه على خلاف ما يروج لها دعاتها، وهي لن تحقق شيئاً لمن يظن بأنها قد تكون خلاصاً له من الواقع السيئ الذي يعانيه”.

مصالح..

الضاري أضاف: “إن هيئة علماء المسلمين لا تفسر دعوات الفيدرالية والأقاليم إلا أنها مصالح شخصية ومكاسب سياسية وآمال وهمية يسعى إليها دعاة الفيدرالية والأقاليم، وهؤلاء الدعاة لا يعبرون عن الشعب العراقي، وإنما يعبرون عن أنفسهم أو أقل من ذلك، فبالتالي لا يمكن للعراقيين أن ينصاعوا وراء هذه الدعوات ولا يغتروا بمعسول الكلام منها، وأن يشككوا في تلك الطروحات جميعها، ويبحثوا عن أسباب طرحها من هذا وذاك، ليروا بأم أعينهم المصلحة أين تكمن؟ سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية”.

موضحاً إن الهيئة كذلك “لا ترى في الفيدرالية والإقليم حلاً لموضوع التغلغل الإيراني في محافظات العراق، فهذا الموضوع لا يعالج بهذا الدواء، فالعلاج النافع والأولى والأمثل هو معالجة الداء الرئيس والمرض الأكبر وهو الاحتلال البغيض، بمقاومته أولاً، ثم برفض جميع مشروعاته وإن كان ظاهرها لصالح العراق والعراقيين، والمعارضة لعمليته السياسية التي ما حققت للعراق إلا مزيداً من القتل والتهجير والاعتقال والتعذيب والتشريد والتشويه وتردي الأوضاع جميعها، وغير ذلك مما يطول وصفه لواقع العراق في ظل الاحتلال الأميركي”.

البحث عن الشرعـيـة

في مطلع هذا العام كان لفتوى أصدرها في بادئ الأمر الشيخ عبد الملك السعدي برفضه للفيدرالية زخما شرعياً لمعارضوا الفيدرالية، إلا أنه وبعد الانتهاكات المتكررة بحق السنة وبالذات بعد مجزرة الحويجة بدأ الموقف يتغير قليلاً نحو التفكير بالموضوع… فقد ذكرت مصادر سياسية عراقية رفيعة في عمان للصحافة  إن العلامة السعدي أبلغ وفوداً تمثل القوى السياسية في الموصل والرمادي وتكريت أنه تفهم المطلب الفدرالي كنظام إدارة حديث يضمن لأهل كل محافظة أن يديروا شؤونهم وأمنهم عبر الهيئات المنتخبة.

وعما إذا كان هذا التحول قد يدفع سريعاً مشروع الفدرالية والأقاليم الذي تنقسم الأوساط السنية بشأنه، قالت المصادر “إن حادثة الحويجة وتعامل القوات الأمنية التابعة لبغداد مع المتظاهرين في مختلف التظاهرات، يدفع الجميع إلى التفكير بشكل جاد في مجموعة حلول، وستكون الأقاليم على رأسها”.

ويعود الشيخ السعدي بعد مذبحة جامع سارية في ديالى الأخيرة، ليعلن في بيان رسمي إن الدعوة للأقاليم كانت ردود فعل لجرائم التعسف والظلم والإبادة والتهميش ظناً منهم أنَ الإقليم سيحميهم من كل هذا.

مكون سُـيباد!

وتجلى الموقف الشرعي أكثر حول الفيدرالية من خلال مشايخ الجمع الموحدة بالمحافظات المنتفضة الست، والذين أوضحوا الفيدرالية قد تحصل نتيجة للظلم الواقع على المكون السني، خطيب جمعة سامراء الموحدة محمد جمعة علق على تبني فكرة الإقليم بالقول أن “السنة في العراق يشعرون بالظلم والإقصاء ولهذا سيكون خيارنا الإقليم في ظل عراق واحد ولا يوجد ضير منه إذا اتفق السياسيون والشيوخ ورجال الدين”، الشيخ جمعة أشار إلى أن “الكرد يطالبون بحقوقهم تحت لواء قوميتهم والشيعة تحت راية مذهبهم ونحن مظلومون”.

أما خطيب جمعة الموصل الشيخ جميل إبراهيم تحدث عن واقع السنة بالقول “نحن السنة إن بقينا على هذا الأمر واستمر الحال لسنين، فإن هذا المكون سُـيباد، إذ أنه منذ عشرة سنين هناك عملية إبادة لهذا المكون، لماذا هذا الاعتداء؟ لماذا هذا التهميش والقتل؟، نحن نريد الحفاظ على الهوية السنية”.

ليست جريمة

وتبع موقف الحراك الشعبي، إعلان الناطق الرسمي باسم مؤتمر أهل السنة إن الإقليم أصبح خيار واضح بعد مطالبة لجان الحراك الشعبي علماء السنة بضرورة بيان الموقف مع أي من الخيارات المطروحة: المواجهة المسلحة أم الإقليم السني؟.

الشيخ محمد عياش الكبيسي، أفاد في صفحته الرسمية على الفيسبوك: “إن الذي يحرم الإقليم ينبغي أن يتحمل خيار المواجهة والعكس صحيح أيضاً لأن الخيار الثالث إنما هو الاستسلام الكامل للمشروع ألصفوي”.

وأضاف الكبيسي في معرض رده عمن يتهم دعاة الفيدرالية بالتقسيم: “إن دعاة الإقليم لم يرتكبوا أية جريمة سوى أنهم ومن وجهة نظرهم –يقصد رافضو الفيدرالية- يرون أن مشروعهم هذا سيؤول إلى التقسيم، وهم ينازعونكم في هذه النتيجة، ويقولون لكم: إن كان الأمر لنا فنحن لن نختار التقسيم، وإن كان الأمر لغيرنا فإنهم سيفرضون التقسيم سواء كنا في محافظات أو كنا في أقاليم، ولكن هل حمل السلاح لإسقاط النظام سيجنب البلاد التقسيم؟”، موضحاً: “إن كل الدلائل تشير إلى أن المواجهة المسلحة لن تكون مواجهة وطنية بين شعب ثائر وحكومة ظالمة، بل ستكون في البداية ثورة المكون السني على حكومة شيعية، وهذا يستدعي اصطفافاً طائفياً وانقساماً حاداً، وبعد حرب ضروس وطاحنة ربما ستكون الأخطر في تاريخ العراق، فإنها ستؤول في أحسن الأحوال بالنسبة للسنة إلى تمكنهم من بسط سيطرتهم على مناطقهم واحتفاظ الشيعة بمناطقهم واحتفاظ الكرد أيضا بإقليمهم وهو ما يعني الانفصال التام والتقسيم الممهور بالدم، وهذا يعني أن دعاة المواجهة المسلحة هم الذين سيقودون البلاد إلى التقسيم المؤكد وليس دعاة الأقاليم”.

 

———————————————-=

الدليمي:أصبحنا اليوم نـقـدّس التربة أكثر من الدين

الدليمي: لا يوجد في دين الله تقديس للتربة إذا انتهكت الأرواح والأعراض

الإقليم سيجعل السنة اكبر قوة ضاربة بالعراق

الدليمي :إذا انتظرنا الإجماع في المسائل السياسية فلن نصل إلى نتيجةومن أجل أن نفهم إشكاليات الفيدرالية، حملنا اعتراضات المعترضون عليها إلى د.طه حامد الدليمي، المفكر الإسلامي والشخصية التي دافعت

عن تطبيق الفيدرالية بقوة.. والذي حاورته مجلة “الرائد” من أجل وضع القارئ أمام الصورة الكاملة لفهم طبيعة هذه القضية.

الرائد:كيف تردون على من يتهم دعاة الفيدرالية بالتقسيم ؟

الدليمي :العلم له باب ومن أتى العلم من غير بابه ذهب إلى غير مطلبه، ومن باب العلم أن يؤتى الشيء من أصوله وليس من الشبهات، وعندما يطرح موضوع الفيدرالية ونحن نقول لمعارضو الفيدرالية: أن الفيدرالية نظام سياسي متطور كان معمول به في دولة الإسلام وسارت عليه النظم آنذاك، والدول الفيدرالية دول مستقرة مثل الولايات المتحدة وغيرها من دول العالم إلا ماندر والدول التي تعرضت للفشل أو التقسيم يعود إليهم السبب، وعندما يقولون إن الفيدرالية تقسيم، نسألهم: هل هذا الذي تقولونه يستند على أساس، كون هذا القول لاستند على شيء كون الفيدرالية ماهيتها شيء والتقسيم شيء آخر، ولا ينبغي الخلط بين الأمرين ومن خلط بينهما فهو غير مطلع على التاريخ ولا الجغرافية ولا السياسة.

الرائد:محللون يقولون: إن تجربة الفيدرالية كي تنجح ببلد ما يجب أن تمر بمرحلة اللامركزية الإدارية وهو ما لم يحصل حالياً بالعراق كونه يشرع القوانين المركزية بصرامة يوماً بعد يوم؟

الدليمي: إن معارضو الفيدرالية لم يقدموا حلاً للوضع العراقي غير المستقر، ومؤسسو الدولة العراقية منذ تسعين عاماً لم يضعوا حلاً للمشكلات أو التداخلات الحاصلة بين مكونات العراق الثلاث السنة والشيعة والكرد، فكل له يبحث عن مصلحته المذهبية كالسنة والشيعة أو القومية كالكرد.

حيث لم يضعوا معادلة للتعايش بين مكونات البلد الأساسية الثلاثة، أما القول أن عدم أي مشاكل بين مكونات البلد والتعويل على الخطب الحماسية فقط من باب الوطنية، فهذا خالف الواقع بعد عام 1991 وعام 2003، وبالتالي نحن نتهم معارضو الفيدرالية بأنهم سعوا لتدمير وحدة العراق، سائرون إلى التقسيم، ونحن نريد أن نحافظ على وحدة العراق من خلال الفيدرالية.

وأما القول باللامركزية الإدارية أولاً، فنحن نقول: لا توجد هكذا فلسفة ولا تحتاج الفيدرالية إلى مراحل اللامركزية الإدارية، وننظر إلى الواقع فالمكون السني يتعرض للتهميش واللامركزية الإدارية تمكـّن الآخر من رقاب السنة أكثر فأكثر.

الرائد:كيف تردون على أن إنشاء الأقاليم وفق الدستور يعني الرضا بدستور الاحتلال الذي وضعه المحتل ؟

الدليمي :  من أين لهم هذه القاعدة المضحكة، “إن هذا وضعه العدو أو المحتل ينبغي أن نشطبه؟” وأقول: إن الدولة العراقية التي يعيش فيها معارضو الفيدرالية هي من صنع الانكليز، فكلية الطب مثلاً التي تخرجت منها هي من تأسيس الانكليز عام 1927 وصحيح انه كانت حكومة وطنية آنذاك إلا أن الانكليز هم انشئوا هذه المؤسسات الحالية بالدولة، والجيش مثلاً الذي يحتفلون به في 6 كانون الثاني هو من صنع الانكليز.

ومن وجهة نظرهم إذا كان الدستور قد جاء بالفيدرالية فعلينا أن نرفض الفيدرالية.. وإذاً علينا أن نرفض كل ما جاء بالدستور! وبالتالي يجب أن نرفض جميع مؤسسات الدولة العراقية، وهذا كلام يعبر عن عسر فهم، والحكمة ضالة المؤمن !.

الرائد:كيف تردون على أن تجربة إقليم كردستان لن تعاد في العراق لأنها تجربة مغايرة ساهمت ظروف الماضي بتشكيله، إضافةً إلى كون الإقليم السني سيكون معادياً لإيران وإسرائيل بطبيعة التوجه العقائدي… وبالتالي لن تسمح به أميركا أو إيران وستحاربه بقوة ؟

الدليمي : إن معنى قولهم هذا: إن كل ما يعارضه الأعداء علينا أن نتركه! وبما أن الإقليم لا تريده أميركا أو إيران، فإذاً علينا أن ندعه! وأنا الذي اعرفه أنهم يدّعون إن الإقليم مشروع أميركي وراءه بايدن، وبالتالي أرى تناقضاً في مواقفهم، وهذا يدلل على أن اعتراضاتهم لم يكن نابعاً من بحث موضوعي، واقرّب الصورة أكثر: هل أميركا أو إسرائيل ترضى بتطبيق شريعة رب العالمين، والجواب: كلا، فإذاً علينا أن نترك تطبيق الشريعة لان الغرب لا يريدها! وإذا الغرب لا يريدوننا أن نتطور علمياً فعلينا أن نترك التطور! هذه قواعد غريبة وضعها أولئك المعارضون للفيدرالية وعليه، فهل نترك الفيدرالية بسبب رفض أميركا أو إيران لا تقبل بهذا؟! وبالعكس، أرى النموذج الكردي يكون مثال بالإصرار على إنشاء الإقليم فهم ناضلوا منذ عقود لأجله، ونحن لا نحتاج سوى لبضعة سنوات.

الرائد:كيف تردون على من يقول أن الفيدرالية هو حق تمتلكه ثلث أي محافظة بالتصويت عليه كما نص عليه الدستور.. وبالتالي فلا داعي لمطالبة المالكي أو الحكومة بالأمر والقيام بالاعتصامات من اجله بل مطالبة المجلس للمحافظة بذلك.. أي إن المشكلة ليست مع المركز بل داخلية بنا؟

الدليمي :هذا موضوع إجرائي يمكن التفاهم عليه، وهو لا يحتاج إلى اعتصامات إلاّ في حالة منع الحق الدستوري من قبل المركز، وإقامة الإقليم له عدة وسائل تسلكه المحافظات، منها: تقديم طلب عن طريق مجلس المحافظة، وإن رفضه مجلس الوزراء يقدم الطلب إلى المفوضية للانتخابات، فإذا أكمل الطلب عشرة بالمئة من الجمهور يفترض أن يجرى الاستفتاء وإذا صوّت بعدها خمسين بالمئة زائد واحد يأخذ الأمر نصابه الدستوري وتصبح المحافظة إقليم.

الرائد: لكن في حالة تعطيل الحكومة لمن نجح بتقديم الطلب دستورياً، كما حصل مع محافظة صلاح الدين؟

الدليمي :في هذا الموقف، فإن رئيس الوزراء تجاوز حقه الدستوري بمنع وصول الطلب إلى المفوضية، وهناك وسيلة أخرى بأن يقدم الطلب من قبل (2%) من الناخبين في المحافظة إلى المفوضية مباشرة وهم لم يجربوها وليس لمجلس الوزراء، وإذا تعنتت المفوضية هناك المحكمة الدستورية، وهي ليست بالسوء الذي يتصوره الكثير.

فمثلاً: لما اعترض احد أفراد دولة القانون على دستورية طلب محافظة صلاح الدين، رفع الطلب للمحكمة الدستورية التي أقرت بان الطلب دستوري واكتسب الطلب الدرجة القطعية من المحكمة الاتحادية.

لنجرّب، وإذا رفضوا نذهب إلى المحافل الدولية أو مجلس الأمن أو الأمم المتحدة، ومجلس الأمن عنده قرارين بإقامة الإقليم. والشيخ محمد الغزالي يقول “الإسلام قضية عادلة ولكنها وجدت محامين فاشلين”، وإنا أقول: نحن بحاجة إلى محامين ناجحين لنصرة القضية.

الرائد: يعلق المعارضون… أنه توجد فقرات مهمة قد تعيق تشكيل الإقليم السني ونجاحه، مثل تحجج الحكومة الاتحادية بضرورة إدارة المعابر الحدودية الغربية مع سوريا أو الأردن كونه سيادي وبالتالي فيجب أن تتواجد قوات مركزية فيها ما يعني فشل الإقليم؟ كذلك يمكن للسلطة الاتحادية أن تعد الخط الدولي السريع المار بالمنطقة الغربية ممر استراتيجي وإنشاء سيطرات مركزية لحمايته وبالتالي اعتقال من تشاء من أبناء الغربية ؟

الدليمي: مع هذا الاعتراض أين التقسيم الذي يتحجج به المعارضون إذا كانت الحكومة هكذا مسيطرة؟ وإذا أراد الإنسان أن يختلق معاذير بخصوص قضية المعابر والطرق…فيمكن له أن يختلق ما يشاء، والحقيقة أن هذه القضية يحكمها الدستور، الذي يحدد الصلاحيات المشتركة بين المركز والإقليم عند التنازع بين الطرفين يكون الصلاحية للإقليم ولا ادري هل يعلمون بهذا؟ وإذا كانوا لا يعلمون بهذا فهو جهل بالدستور.

الرائد: ما هو مصير السنة في المناطق ذات المكون الآخر أو المختلطة والتي تدار من قبل المركز بقوة، خصوصاً أنه لن ينفع الحديث إن قوة الإقليم السني ستدفع بالمكون الآخر لحماية السنة بالمناطق المختلطة، كون ما يحصل هذه الأيام بالفعل تنكيلاً بالسنة ببغداد وبابل والبصرة انتقاما من حراك المناطق الغربية والشمالية فكيف لو تم الإقليم.. ستحصل مجازر بحق السنة هناك؟

الدليمي: وما الحل إذن؟ فهؤلاء الذين ضيعوا البصرة وبابل والكوت بدعوى الوطنية يريدوننا أن نضيع بقية المناطق، والأمر وصل إلى ديالى اليوم! ونسألهم ما الحل؟ نترك الفيدرالية ولا نريدها اليوم… فما البديل لننقذ مناطقنا؟.

إن الإقليم سيجعل السنة أكبر قوة ضاربة بالعراق، وإذا حصلنا على هذه المكانة فمع من سيتحالف الكرد مستقبلاً؟ بالتأكيد مع السنة وستؤول رئاسة الوزراء للمكون السني، وهل يستطيع اليوم السنة أن يحصلوا على حقهم هذا في ظل هذا الوضع الذي يعيشونه اليوم؟ واليوم الكرد يدافعون عن الكردي حتى خارج الإقليم، ألا يمكن أن يكون إقليمنا ملاذ آمن عندها؟.

الرائد: إذا كان الحل الطلب من السنة الهجرة للإقليم القادم من أجل حمايتهم وزيادة قوة الإقليم المتشكل، فكيف يتم هجرة ملايين منهم في بغداد وبابل وغيرها من محافظات العراق، فضلاً عن الأمر لو تم سيساهم بتفريغ تلك المحافظات من مكون أساسي؟

الدليمي : وهل نحن مسلمون نتحاكم إلى شرع الله أم إننا نتحاكم إلى الأهواء؟ أليس في كتاب الله حلول؟ ألم يقل الله تعالى (ألم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها)، فلماذا نقدّس التربة ونترك الدين؟ هل في دين الله تقديس للتراب إذا انتهكت الأعراض والأرواح؟ ألم يسمعوا قول الله تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا)، سورة النساء: الآية (97)، وموسى (عليه السلام) لما اضطهد فرعون بنو إسرائيل وهم كانوا مواطنون مكتسبين الوطنية، ماذا فعل موسى (عليه السلام)..ألم يخرج بهم إلى أرض أخرى! وهل نحن نطالب بأكثر مما قام به موسى (عليه السلام)؟ والرسول (عليه الصلاة والسلام) ألم يهاجر إلى المدينة بعد الاضطهاد الذي تعرضوا له في مكة؟ والدنيا لم تنتهي ولا ندعو للتفرقة بل إلى ندعو حفظ الأعراض والأرواح والأموال، والفيدرالية جاءت لمنع الاعتداء الأعراض والممتلكات .

الرائد: ما هي أهم المعوقات الحالية لتشكيل الإقليم السني؟

الدليمي: أعتقد أن المعوقات تضاءلت اليوم، والمشكلة في الزعامات الذين يعيشون بالماضي ويريدون أن يجرونها  للحاضر، وعندهم الوقت فوق الدين وأتكلم مع بعض الإسلاميين، وهم راهنو على الجمهور الذي أهانوا كرامته بعد سكوتهم على انتهاك عرضه، وبالتالي فالفرد السني اليوم بدأ ينسلخ من أفكار الزعامات القديمة.

الرائد:هل ترى أن الحراك الشعبي القائم سيأتي بنتيجة للإقليم ؟

الدليمي: إذا انتظرنا الإجماع في المسائل السياسية فلن نصل إلى نتيجة، بل هناك منهجية يجب أن نسير عليها، والمعارضون اليوم لا يزيدون عن (20%) والغالبية اليوم من أهل السنة مع الفيدرالية، كونه سيحفظ الأعراض والأرواح ويعطيهم حق ممارسة حقهم بالحياة الكريمة.

ختاماً…يعلق احد الدعاة بالقول: أن الدول في شكلها الحالي لم تكن على ما هي عليه الآن قبل مئة عام مثلاً، وما آلت إليه هو نتيجة تراكمات وتفاعلات سياسية واجتماعية وعسكرية، وقرارات دول ذات نفوذ وتحكم في شؤون السياسة والقوى العالمية، وليست خرائطها المرسومة نازلة من السماء، وإنما رسمت في الأرض، على الأرض، وللأرض.

 

 

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى