الرائد نت
مجلة الرائدواحات الإيمانالثبات بين التوكل والأخذ بالأسباب
gjkhjkhj

الثبات بين التوكل والأخذ بالأسباب

 

قال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون)، سورة آل عمران: الآية (200).

هناك سؤال قد يجول في ذهن كل قارئ لهذا المثال: لماذا الثبات؟ لأن فقد الثبات على الإيمان وعلى الحق وعلى المضيِّ في سبيل الله إلى نهاية المطاف يفضي إلى الزعزعة حيناً وتخلخل الصفوف ثم يقضي على العمل كله بعد حين، وما كان لعملٍ أو إصلاحٍ في مجالات الحياة المختلفة في الاجتماع أو السياسة أو الاقتصاد أو الثقافة أو غيرها من المجالات ليتم على الوجه الصحيح الهادف إذا لم يصحبه ثبات على المبدأ وثبات على العمل الصالح واستمرار فيه، بل يجب أن تواكبه -أي الثبات- تضحية بالمال والوقت والجهد والنفس.

ولعل كلمة الرسول المعصوم (صلى الله عليه وسلم) التي أطلقها مدوية في سمع الزمان إلى يوم القيامة فيما رواه البخاري ومسلم عن أم المؤمنين الصديقة عائشة (رضي الله عنها) في قوله: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)، ما يؤكد هذا المعنى ويقويّه، إذ الأصل أن يثبت الإنسان على العمل الصالح الذي يعبّر به عن إيمانه وإسلامه، ويثبت عليه ويستمر فيه لأن هذه المداومة والثبات من أحب الأعمال إلى الله تعالى مهما كان هذا العمل قليلاً.

ولا نريد أن نطيل في المعاني اللغوية والاصطلاحية للثبات لكن يكفي هذه الكلمة فخراً أنها جاءت في القرآن الكريم بلفظها أو بمشتقاتها تسع عشرة مرة، وردت في سياق معانٍ ثلاث كلها تفيدنا في حركتنا في الحياة وخاصة في أيامنا الحاضرة والمقبلة، وهذه المعاني الثلاثة هي:

• الثبات بمعنى القلب والفؤاد وتثبيته.

• الثبات بمعنى الثبات على الحث والاستمرار على التمسك به، وتثبيت المؤمن في مواجهة الكافر بالحجة والبرهان.

• الثبات بمعنى الشجاعة في الحرب، وترك الفرار وما يتطلب ذلك من تضحية في سبيل الحق الذي يجاهد من أجله.

ويرى البعض أن مفهوم الثبات ينطوي على تناقض بين مفهومين هما: التوكل على الله (عز وجل)، والثاني الأخذ بالأسباب المادية.

وهذا التداخل في المفاهيم لا يطرأ على قلب القارئ المتدبر لكتاب الله والمقتدي بسنة وسيرة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فهو على بصيرة من أمره فلا يرى تناقض بين الأمرين بل العكس يرى تناغم وتناسق وتطابق، فإن التوكل على الله في حقيقته وظيفة إيمانية، واتخاذ الأسباب وظيفة عملية.

إن التوكل على الله كما قرره الإسلام وطبقه الرسول (صلى الله عليه وسلم) وفهمه سلفنا الصالح وطبقوه، وظيفة من وظائف الطمأنينة الإيمانية القلبية وعنصر من عناصر الجانب الاعتقادي القلبي في الفرد والجماعة.

أما اتخاذ الأسباب فهو وظيفة الحركة العملية الإرادية في الحياة ضمن ما سخر الله للإنسان في ذاته أو في الكون من حوله وإعطائه القدرة على تحريكه أو أعطاه مفاتيح إطلاق طاقاته، فإن ما من شيء في هذا الكون يرجوه الإنسان أو يخافه إلاّ وقد جعل الله في نظام الكون وسائل وأسباب للوصول إليه أو تحاشيه ضمن شروط ومقادير معهودة في نظام هذا الكون فإن القاعدة الأصولية تقرر: ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والمسلم لما يأخذ بالأسباب إنما يأخذ بها مدفوعاً بدافعين: الأول هو الانسجام مع سنن الله التكوينية وهذا العمل هو طاعة الله، والثاني الطاعة لله في أحكامه التشريعية وذلك لأن الله قد أمر الرسول والمؤمنين بأن يتخذوا الأسباب التي جعلها الله في كونه وسائل لتحقيق مطالب الحياة الدنيا.

والثبات سبب من الأسباب التي أمرنا بها للوصول إلى أهدافنا وبلوغ أمانينا والنصر على أعدائنا مع التخطيط وحسن التدبير والإدارة والإعداد والتهيؤ والبذل والعطاء والتضحية مع أسباب الدعاء لله والالتجاء إليه وإلحاح الطلب منه والتضرع له وذكر الله كثيراً مع الاعتصام بما أمر به واجتناب ما نهى عنه، ولكل شيء سبب أو أكثر ولكل شيء مقدار يجب التقيّد به ليعطي عطاءه الأحسن ولكل أجل كتاب فلا يصح استعجال الأمور قبل أوانها، والقاعدة تقرر: (مَن استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه).

ومتى ما فهمنا الفرق بين واجب التوكل على الله الذي هو وظيفة من وظائف الطمأنينة الإيمانية القلبية، وبين اتخاذ الأسباب على اختلافها الذي هو وظيفة الحركة العملية الإرادية في الحياة لتحقيق النتائج العاجلة والآجلة، ومتى ما صح عندنا إدراك هذا الفرق والتزم أي منا في كلٍ من التوكل على الله بصدق واتخاذ الأسباب الكونية والشرعية كان التوكل على الله في الجانب القلبي الإيماني ممراً بقوة معنوية عظيمة تضاعف القوى المادية العاملة أضعاف كثيرة، حتى يغلب عشرون مؤمنون صابرون مئتين من الكافرين بإذن الله، والله مع الصابرين.

إن التوكل على الله مع الأخذ بالأسباب كالثبات على المبدأ والموقف الإيماني هو السر الذي يسبق به المسلمون المؤمنون غيرهم، ويختصر الله لهم به الزمن ويبارك لهم في نتائج أعمالهم مع ما يدخره الله لهم عنده من ثواب عظيم وأجر جزيل.

وأختم بقوله تعالى ومَن أصدق من الله قيلا: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ وَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)، سورة الأنفال: الآيتين (45 – 46).

وقوله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِين)، سورة آل عمران: الآيتين (146 – 148).

وللحديث بقية إن شاء الله تعالى..

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى