الرائد نت
مجلة الرائدواحات الإيمانانتخابات مجالس المحافظات العراقية .. رؤية شرعية
FEA6121B-35BC-47E2-AD0F-30D66D0FB23B_mw1024_n_s

انتخابات مجالس المحافظات العراقية .. رؤية شرعية

 

تمثل الانتخابات بشكلها المعاصر إحدى القضايا التي تُفرز أسئلة وإشكاليات فقهية عديدة، بدءاً من شرعية هذه العملية، والاختلاف الفقهي حولها؛ إذ يرى بعض المعاصرين أنها ليست مشروعة كونها بدعة من صنائع غير المسلمين، بينما يرى السواد الأعظم من العلماء أنها من الوسائل المعاصرة التي قد تكون في أصلها مشروعة تبعا لمقاصدها الشرعية.

ومع كل موسم من مواسم الانتخابات يتجدد السؤال حول شرعية الانتخابات بشقيها الترشيح والتصويت، والتكييف الفقهي لها، وحكم الإدلاء بالصوت، أهو من باب أداء الشهادة الواجبة أم لا؟.. وعن مسائل أخرى مرتبطة بهذه الممارسة.

وحرصاً من مجلة “الرائد” في تسليط الضوء على هذه المسألة المهمة وبعض جزئياتها المتعلقة بها كان لنا هذا الحوار مع أستاذ الفقه المقارن في الجامعة العراقية د. عيسى الفلاحي.

الرائد: أول ما نبدأ بالسؤال عنه هو: ما حكم المشاركة في الانتخابات على وجه العموم؟

د. عيسى: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه … وبعد:

فالأصل إن الإسلام يدعو المسلم أن يكون إيجابيا دائما، وأن تنبثق رؤياه من الواقع الذي يعيشه، كونه يعيش في مجتمع، ويؤمن بعقيدة، ويلتزم بدين، ومن واجبه أن يساهم إيجابيّاً في حل قضايا هذا المجتمع، بحسب وجهة نظره الإسلامية، لذا فهو مطالب بأن يعمل تفكيره، ويراجع أهل العلم والبصيرة، ليصل إلى ما يراه الأقرب للصواب، والله تعالى يقول: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)، سورة النحل: الآية (43).

والمسلم بطبيعة الحال من واجباته الأساسية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله، يقول الله تعالى: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، سورة آل عمران: الآية (104)، ومتى ما توفرت له وسيلة لذلك فعليه أن يغتنمها ولا يفرط فيها.

ولما كانت الانتخابات من الأمور التي استجدت في حياة المسلمين المعاصرة ؛ اقتضى الأمر بيان الحكم الشرعي فيها، وبيان وجه الحق فيها … فنقول وبالله التوفيق:

أما حكمها على سبيل الإجمال: فقد استقر عند كثير من العلماء والمحققين، والمجامع الفقهية اليوم تكاد تكون متفقة أيضا على مشروعية الانتخابات من حيث المبدأ … لما تحققه من مصالح فهي تتيح لأفراد الأمة أن يكون لهم تأثير في انتخاب من ينوبون عن الأمة في مسائل تشريع القوانين والدساتير أو في اختيار الحكومة، وفي إعطاء الثقة لها، أو نزعها منها، وفي درء المفاسد، وغير هذا من المصالح المترتبة على دخول المجالس النيابية أو المحلية أو النقابات أو غيرها.

وإذا تخلف المسلم عن المشاركة في مثل هذا الأمر؛ فقد قصر في القيام بواجبه الشرعي في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي أوجبه النبي (صلى الله عليه وسلم) بقوله: (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ).

أما مسألة المشاركة أو المقاطعة لانتخابات بعينها تجري هنا أو هناك .. فيخضع ذلك للسياسة الشرعية وتقدير المصالح والمفاسد، ومدى العدالة والشفافية في إجرائها، ومدى ملائمة الظروف المحيطة بها.

الرائد: على ضوء إجابتك وحسب معرفتكم بأوضاع العراق الحالية هل يتأكد هذا الحكم ويتعزز؟ بمعنى آخر ما هو حكم المشاركة في انتخابات مجالس المحافظات القادمة في العراق ترشيحاً وانتخاباً؟

د. عيسى: يمكنني أن أجيب على ذلك بما أجاب به أستاذنا العلامة د.عبد الكريم زيدان حين سئل عن ذلك في انتخابات مجالس المحافظات السابقة في 2009م، ولاسيما أن الظروف متشابهة نوعا ما حيث قال:

”من حيث المبدأ يجوز بل يجب المشاركة في هذه الانتخابات (مجالس المحافظات) لتحقيق المصلحة لعموم الناس عن طريق الحصول على العضوية في هذه المجالس.”

ثم قال: “والدليل على ذلك أن صلاحيات مجالس المحافظات تشتمل على ما فيه خير ومصلحة وقضاء الحاجات لأهل المحافظة مما هو مذكور في هذه الصلاحيات، وهي تدخل في مفهوم البرّ، والبرّ من مطلوبات الشرع لقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ)، سورة المائدة: الآية (2) والأصل في صيغة الأمر هنا أنها للوجوب، فيدخل التعاون على ما ذكرنا مما يدخل في صلاحيات هذه المجالس ضمن مدلول الآية الكريمة، والقاعدة الفقهية تنص على “أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”، وحيث إن تحقيق تلك الصلاحيات وسيلة الحصول على عضوية المجلس، فيكون الاشتراك في انتخاباتها للفوز بعضويتها وسيلة لتحقيق ما ذكرناه .. كما أن هناك الأصل في حكم الوسائل المباحة أن تأخذ حكم المقاصد منها، والانتخابات المذكورة وسيلة لتحقيق مقاصد التعاون على البر، فتكون الوسيلة واجبة، وعلى اقل تقدير تكون مندوبة، والمندوب لا يجوز إنكاره أو الاعتراض عليه.

أما من حيث الترشيح: فيجب على من يجد في نفسه الكفاءة اللازمة والقدرة على تنفيذ ما تعطيه له هذه العضوية في مجالس المحافظات من صلاحيات، فيجب عليه أن يرشح نفسه إلا إذا وجد من هو أكفأ منه واقدر على تحقيق الأغراض المقصودة من فوزه”.

الرائد: نفهم من كلامك أنه ربما تأتي ظروف معينة تجعل الحكم الشرعي مثلاً مع المقاطعة وعدم الاشتراك … وهو ما يؤمن به من يُخذل الناس عن المشاركة معززاً ذلك بعدد من المبررات كعدم جدوى المشاركة أو حسم موضوع النتائج؟

د. عيسى: بالتأكيد أن مشروعية الفعل من حيث المبدأ لا يعني جوازه في كل الأحوال.. بل إن الحكم قد ينتقل من أصل المشروعية إلى الأحكام التكليفية الخمسة المعروفة في أصول الفقه فينتقل إلى الوجوب أو الندب أو الاستحباب تبعا للمصلحة المتحققة منه… وكذلك قد ينتقل إلى الكراهة أو التحريم تبعا للمفسدة المترتبة على المشاركة أو المقاطعة.

أما ما يتعلق بموضوع انتخابات مجالس المحافظات الذي نحن بصدده فقد اجتهد فضيلة أستاذنا د.عبد الكريم بالقطع بالوجوب أو الندب تبعا لفتواه في انتخابات 2009م وجعل التخذيل عن المشاركة عنها تخذيلاً عن أمر مشروع من المعروف وليس من المنكر، ثم قال: “التخذيل عن أداء الواجب المشروع لا يجوز ؛ لان هذا من شأن المنافقين لقوله تعالى: (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)، سورة التوبة: الآية (67). وهذا خلاف شأن المؤمنين.

وجعل المبررات التي ذكرتها في أصل سؤالك  من قبيل الشبهات التي لا يمكن الاعتماد عليها والقبول بها لترك هذا الواجب أو المعروف شرعا فقال: “إن القاعدة الشرعية هي أن المسلم يسأل على أداء ما عليه من واجب، ولا يسأل عن عدم حصول المطلوب أو تحقيق الغرض الذي من أجله يراد شرعاً وجوب الوسيلة لتحقيق الغرض منها، والأصل في ذلك قوله تعالى: (وما على الرسول إلا البلاغ المبين)، فهذا هو الواجب على الرسول، أما عدم تحقق الغرض من هذا البلاغ -وهو القبول- بما يبلغه فهذا مما لا يسأل عنه الرسول.

كذلك هنا الأصل أن يقوم المسلم بواجبه في المشاركة والإيجابية، وأما الادعاء بان الاشتراك فيها هو من قبيل شرعنة الأوضاع الفاسدة والقبول بها، فهذا غير مسلّم وغير صحيح ؛ بل إن قيامنا بالاشتراك بهذه الانتخابات قياما بما هو واجب علينا ، من رفض الأوضاع الفاسدة ومنع الظلم، والسعي للإصلاح أو على الأقل التقليل من الأضرار.

الرائد: على أي أصل من أصول الشريعة يمكن قياس عملية التصويت في الانتخابات .. وهل هي من قبيل الشهادة الواجبة لله … وما حكمها .. وهل يأثم من يتهاون في أدائها؟

د. عيسى: أما بالنسبة لتكييفها الشرعي فأنا أكيفها وفق ثلاثة أصول واجبة في الإسلام:

أولا: الانتخاب من أنواع الشهادة الواجبة لله.

ثانيا: الانتخابات من قبيل أداء الأمانة.

ثالثا: الانتخاب من النصيحة الواجبة في الدين.

أما تكيفها بأنها من أنواع الشهادة الواجبة:

فبذلك أفتى كبار علماء الأمة الإسلامية، منهم فضيلة شيخ الأزهر الشريف، وكذا فضيلة الشيخ القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وفضيلة الشيخ المستشار فيصل مولوي (رحمه الله)، وأستاذنا د.عبد الكريم زيدان، وغيرهم وكثير من المجامع الفقهية ؛ لأن الناخب عندما ينتخب شخصا كأنه يشهد بأن هذا الشخص هو أهل للفوز بهذا المنصب أو المركز، ولا يخفى أنها بهذا الاعتبار واجبة لوضع الحقوق في نصابها، وإذا تعينت على أناس فلا يجوز أن يتخلوا عن أدائها، لا يختلف في ذلك اثنان … والانتخاب هو من قبيل الشهادة .. والدعوة قائمة لمن عنده شهادة بأن يتقدم لأدائها وبأن ينتخب القوي الأمين.

وقد نهى الله (تعالى) عن كتمان الشهادة بنصوص عدة في القرآن الكريم منها قوله: (ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه والله بما تعملون عليم)، سورة البقرة: الآية (283).

بل أكثر من ذلك حث وأمر المؤمنين بالسعي لإقامتها لله بقوله (جل وعلا): (وأقيموا الشهادة لله ذلك يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا)، سورة الطلاق: الآية (2).

ثم حذر من التواني في أدائها أو كتمانها بوعيد شديد بقوله تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ)، سورة البقرة: الآية (140)

فمن أدى هذه الشهادة على غير وجهها فقد شهد شهادة زور، والتي هي من كبائر الذنوب العظيمة .. بل قرنها رسول الله بالشرك، يقول (صلى الله عليه وسلم): (ألا أخبركم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: “الشرك بالله وعقوق الوالدين”، وكان متكئًا فجلس وقال: “ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور”، فلا يزال يكررها حتى قلنا ليته سكت)، متفق عليه.

ومن العجيب أن عامة المسلمين قصروا شهادة الزور على تلك الشهادة الكاذبة التي تُؤدَى في ساحة القضاء؛ فيضيع بها حق فرد في الأمة ربما، بينما التقصير فيها هنا ممكن يضيع بها حق الأمة أو جمهور كبير منها، حين يوسد الأمر لغير أهله، والأعجب أنك ترى من يمارس هذا التهاون ربما يكون من المجتهدين في العبادة، أو من المكثرين بأعمال التطوع، ثم لا يجد في ذلك حرجًا وهذا من أشد البلاء ؛ لأننا بذلك نمنح الشرعية لمن لا يستحقها، وربما يقفز بها على سدة المسؤولية

أما كونها من باب أداء الأمانة

فالله تعالى يأمرنا فيقول: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا…)، سورة النساء: الآية (58). ورسولنا (صلى الله عليه وسلم) يحثنا فيقول: (المستشار مؤتمن)، أخرجه أحمد.

فالأمر الإلهي الجليل الوارد في الآية أعلاه يتضمن شيئين:

أحدهما: أداء الأمانة: وهو ها هنا الاجتهاد في القيام بهذه المسؤولية.

الثاني: وضعها في أهلها: فمن خالف علمه واجتهاده، وحابى في الأمر، ولم يضعه في أهله لم يكن مؤديا للأمانة .. بل أكثر من ذلك قد يُعد خائناً!.

والأدلة على ذلك كثيرة منها قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَخُونُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُواْ أَمَانَاتِكُمْ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)، سورة الأنفال: الآية (27).

أما كون الانتخاب فهو من النصيحة الواجبة في الدين.

فإنما قلنا واجبة؛ للقاعدة الشرعية المهمة (ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) وقد جاء في الحديث الصحيح: (الدين النصيحة)، متفق عليه.

لذا ينبغي الاجتهاد في هذه النصيحة، وأن تؤدى لله لا لمصلحة دنيوية أو هوى في النفس، أو محاباة لمودة أو قرابة .. ومن قصر في هذه المهمة، أو تخلى عنها، أو تهاون فيها.. فقد أخل بهذا الواجب العظيم من واجبات الشرع.

ومن أدى هذه النصيحة على غير وجهها فيُخشى عليه الخيانة والخسران، ففي الحديث: (ما من عبد يسترعيه الله رعية ثم لم يحطها بنصيحة لم يرح رائحة الجنة) وفي رواية: (لم يدخل الجنة)، أخرجه الشيخان وغيرهما.

واستنادا على ما تقدم:

فإن الذي لا يشارك في الانتخابات، فإنه يفوته أجر القيام بهذا الواجب، وإن كان تخلفه عن ذلك بلا عذر، مع عدم الجهل بالوجوب فسيكون آثماً بلا شك.. فالقائم بهذا الأمر له أجره، والمتخلف عن هذا الواجب عليه إثمه، والله تعالى يقول: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)، سورة الأنبياء: (47).

الرائد: فما حكم من يصوت لمرشحين على أساس القرابة أو لأي اعتبار آخر غير النزاهة والأمانة والكفاية، أو يصوت لمرشح لا يعرفه نكاية بمن يختلف معه في أمر من الأمور الاجتهادية؟

د. عيسى: الأصل للناخب بعد أن قلنا إن هذه الانتخابات من قبيل أداء الشهادة أنه يجب أن يكون شاهدا صادقا فيما يشهد؛ لأنه يشهد بالحق والصدق؛ وأن يشهد لمن يستحق بالإخبار عنه بأنه  قوي أمين، فلا يجوز شرعا للناخب أن ينتخب شخصا لقرابته منه أو لقبيلته أوعشيرته أو حزبه الذي ينتمي إليه فقط إلا إذا كان يعد ذلك اعتبارات قوة تعينه على القيام بالحق الذي ينتخبه من أجله.

فالميزان في الانتخاب هو ميزان الشرع الاسلامي الحنيف الذي يقوم على قاعدة القوي الأمين، ويدخل في مفهوم القوة هنا القدرة على القيام بما هو مشروع، ومنها الصلاحيات الممنوحة للعضو في مجالس المحافظات، ومن معاني القوة ايضا زيادة على كونه مسلما أمينا أن لا تعرف عنه كبيرة ولا سابقة مخلة، وأن يكون له مركزا اجتماعيا، أو أن يكون من عائلة معروفة بالأمانة والعلم والإخلاص ويتقبله الناس ويعينونه على تنفيذ ما هو داخل في صلاحياته، إلى غير ذلك من الدواعي التي لها تأثير قوي في انتخاب من يستطيع أن يحقق اكبر قدر من المصلحة لأبناء من يمثلهم في المحافظة.

ولا يجوز للناخب أن لا ينتخب القوي الأمين؛ فقط لأنه يختلف معه في أمر من الأمور الاجتهادية، بل عليه أن ينتخبه بالرغم من خلافه معه فيما يسوغ فيه الاختلاف.

الرائد: هل يترتب على المصوت مسؤولية فيما لو أعطى صوته للانتهازيين أو الفاسدين … بمعنى هل يتحمل المنتخب وزر تولية من ليس أهلا لهذه المسؤولية؟

د. عيسى: نعم يعتبر الناخب في هذه الحالة شاهد زور، وشاهد الزور جاء فيه من الوعيد ما هو ثابت ومنقول في الكتاب والسنة مما نحن في غنى عن ذكره الآن، ومنها أن ذلك مما يعد من الكبائر التي لا تقبل معها له عبادة لقوله (صلى الله عليه وسلم): (ومن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، أي لا يُقبل صيامه.

الرائد: هناك سؤال يتردد في أذهان الكثير من الناس وهو: ماذا لو كان كل المتقدمين للترشيح لهذه المجالس ليسوا أهلا لها (أو على الأقل حالهم مجهول لنا) … فهل الواجب الامتناع عن التصويت، أم يكون من الواجب التصويت لتقديم الأقل سوءا والأهون ضررا على الدين والدنيا؟

د. عيسى: إذا كان بالإمكان استدراك الأمر وحث الأكفاء للتقدم فبها ونعمت ويحب ذلك.. وإلا فيتعين هنا أن يسعى لاختيار الأفضل منهم، وإن لم يجد فعليه أن يختار الأقل ضرراً وسوءاً بحسب علمه، ولا يصح له الامتناع عن إبداء رأيه وعن المشاركة في الانتخابات، حتى ولو لم يكن هناك مرشحون أكفاء؛ لأن هذا الامتناع سيؤدي إلى فوز مرشح قد يكون الأكثر ضرراً بالنسبة للدين والوطن.

وهناك معيار ينبغي مراعاته وهو الاجتهاد في تجنب انتخاب المجاهر بالكبائر كالمعروف عنه التعدي على حدود الله، أو ارتكاب الفواحش والمحرمات، أو الإصرار على ترك العبادات جحودا، أو معروف بمعاداته لأهل الحق ولدعاة الإسلام والمصلحين، ونحو ذلك مما لا يسع الناخب أن ينتخبه ؛ والمرء مؤاخذ على ما يبنيه على علمه ومعلوماته عن هذا الشخص المراد انتخابه.

الرائد: لو امتنع بعض الناس عن التصويت .. وترتب على ذلك فوز من ليس أهلا لهذه الولاية .. فهل سيلحق من امتنع إثم تقدم غير الأمناء على الخيرين أو الأقل منهم سوءاً؟

د. عيسى: الممتنع إن لم يوجد مبرر لامتناعه مقبول بموازين الشرع فهو آثم لامتناعه عن التصويت، وأما إن كان امتناعه لمبرر مقبول شرعاً وان لم يكن صحيحاً، فلا إثم عليه شرعاً “إن شاء الله تعالى”، وهو يختلف باختلاف الأشخاص.

وينبغي أن يفقه المسلم تحديات عصره وواقعه الذي يعيش فيه، وأن يملأ الفراغ بجدارة، وأن لا يدع الساحة لأهل الفساد ثم يذهب يندب حظه ويشكو مصادرة الآخرين لقراره السياسي، ولا يملأ الفراغ بحق إلا حملة دعوة الإسلام، ورسالة الإسلام الذين يجب أن يفقهوا هذا الأمر، وأن لا يزهدوا بالمشاركة في هذه العملية .. فلم يعد مقبولاً أن تبقى الساحة الإسلامية بعيدة عما يجري.

إن مقاطعة الانتخابات ترشيحاً أو اقتراعاً، في هذه الظروف التي نعيشها، ما لم تكن له أسباب مصلحية معتبرة، من شأنه أن يعطل كثيراً من القواعد الفقهية التي تتعلق برفع الحرج عن الأمة (كالضرر يزال، وإذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما، درء المفاسد مقدم على جلب المنافع، يتحمل الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام، إذا ضاق الأمر اتسع، يجب الأخذ بأخف الضررين وأهون الشرين … وغيرها من القواعد) وربما تعد المقاطعة بمثابة سكوت عن الحق، وقعود عن مواجهة المنكر والإقدام على تغييره.

الرائد: هل من كلمة أخيرة في نهاية هذا الحوار؟

د. عيسى:  أقول للذين يتقاعسون ويدعون للمقاطعة بحجة أنها ستزوّر مثل كل مرة، ولن ينجح أحد ممن سنختارهم، والأولى أن نقاطعها لأنه لا فائدة من الإدلاء بالصوت والنتيجة محسومة سلفاً.. إنما علينا أن نقوم بدورنا، وممكن أن نمنع بخروجنا وبمواقفنا من التزوير ما لا يمكن أن نمنعه بالمقاطعة … والله معكم ولن يترككم.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى