الرائد نت
أسرة وطفلمجلة الرائدقصة قصيرة .. ولادة فجـــر
621734

قصة قصيرة .. ولادة فجـــر

عقارب الساعة تجاوزت الرابعة ليلاً وهي تتأمله برجاء أن يبوح لها بالنداء المنتظر ولكن (جوالها) ظل جامداً لا ينطق.

أطفالها الثلاثة مستغرقون بأحلام بريئة ترفرف فوق أغطيتهم القطنية، سحبت تنهيدة عميقة وأخذت تتوسله: (أرجوك أحمل لي البشرى فقد اشتقت لصوته حد الموت).

كان قد أوصل لها عن طريق شبكة اتصالات معقدة ومستحيلة، أن تنتظره بعد منتصف ليلة من لياليه المشبعة بالقهر.

وللمرة الأولى منذ أسبوعين تغفو عيناها قبل خمس دقائق من صلاة الصبح حالمة بضحكته الأثيرة.

وبعد لحظات قصيرة من آذان الفجر رنّ جوالها عدة مرات قبل أن يصمت، ما لبث أن عاود رنينه بعد عشر دقائق، استفاقت متوترة:-

– الو..السلام عليكم.

قال ضاحكاً ومعاتباً:-

– ألم تعديني بالإستيقاظ عند كل صلاة فجر.

خانها صوتها فلم تجبه للوهلة الأولى بأي كلمة، فقد كانت تبكيه بنشيج متقطع فيما كان هو بالجانب الآخر يضحك منها، قائلاً:-

– لم أحسبكِ بهذا الضعف.

بالكاد انتزعت من أحشائها بضعة أجوبة كان جلها عن أحوالها كيف تعيش..؟ وعن الأولاد..؟ وأخيراً بادرته هي قائلة:-

– نحن بخير..طمئني عنك..؟.

ضحك يشجعها، كما هي عادته:-

– صحتي وأحوالي قرينة بكم.

بعد انتهاء المحادثة استمرت دموعها غزيرة كما في الأيام الأولى لاعتقاله المجحف، وفي صلاتها امتزجت الآيات بنشيجها.

أما هو فبين الجدران الموحشة كان لا يدري ما سيكون، شبح موت يطل بعينيه محدقاً، وصرخات نساء مستنجدات بمروءة سجانيهن ترن في أذنيه وجعاً.

ويوم قادوه مكبل الأيدي نبأته الوجوه النحيلة والجلود المتشققة عن مصير أسود بين أيدي متجردة من إنسانيتها.

ويا لها من ليلة سوداء كان قضاها بين صفعات وجلسات كهرباء وهراوات وخنق بالماء، كيف لم يمت حين بزغ نهار يومه التالي لم يكن يدري.

كان نفق استجوابه المظلم وكأنه بلا نهاية منطقية، يوم بعد آخر، وشهر تلو شهر، دون أمل بالخلاص.

– إعترف.

– استحلف ضمائركم..لم أقترف ذنباً يوماً.

في الزنزانة الصغيرة كان عشرة آخرون يشاركونه رحلة الإغتراب، وجبتهم الغذائية لكل منهم نصف (صمونة) يابسة وقدح شوربة، خيوط حياتهم وسط أحاديثهم العديدة كانت تتفرع لتنتهي عند قسوة واقعهم.

كانت آلامهم بمثابة نسب وقرابة حتى غدت أشد قوة من قرابة دمائهم، كان يوم لفظ أحدهم حياته دون أن ينسى بشهقاته الأخيرة أن يوصيه بأولاده من أصعبها عليهم.

وبقيت صورته ماثلة أمامه زمناً طويلاً لا يستطيع عنها فكاكاً، لحظة اعترافه الحاسمة كانت لخشيته أن تكون زوجته طرفاً في لعبة التحقيق.

– أكتبوا ما تريدون وسأوقع عليه.

فرد مسؤول التحقيق وعلى وجهه ابتسامة صفراء:-

– لا نريد أن نظلمك.

حينها سجل ما أرادوا وفيما كانوا يعيدونه لزنزانته تتطلع بوجه المحقق:-

– (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا).

حينها وجه أحدهم لكمة على وجهه كسرت أسنانه الأمامية، كان شبح موته لا يزال متربصاً فيه، حينما نجح بسرقة ضحكة من زمن نحسه مقرونة بدموعها الغالية.

حتى أنه غفا هادئاً ومطمئناً كان بعض من رفاقه جالسين بقربه حينما شاهدوا ابتسامة عريضة تعلو وجهه، تناسوا مأساتهم وأخذوا يضحكون منه، حينما استيقظ كانت عيناه مبتسمتين:-

– جاءني رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسح علي “مشيراً لرأسه” وبشرني بولادة فجر قريب.

بالوقت ذاته كانت زوجته بباحة منزلها متأملة خيوط الفجر وهي تتمازج مع أنوار الصباح، ابتسمت، كان فجراً وليداً آخر يبعث بآمال المقهورين ممزوجاً بهتافات متظاهرين كان عنوانها ثورة (العز والكرامة).

 

 

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى