الرائد نت
ftyuityu

الليلة الأخيرة

 

أدارت مقبض الباب الخشبي لغرفة مكتبته وتسللت زوجته المتوفاة منذ أكثر من سبعة أعوام وخمسة أشهر وأربعة أيام برصاصة أمريكية خبيثة.

رفع رأسه المخضب بالشيب، كانت واضحة المعالم، ويعلو وجهها ابتسامة عدم الرضا وهي تضع كلتا يديها على خصريها.

– ما هذه الفوضى التي صنعتها بكتبك وأوراقك  الممزقة.

ضحك:-

– تعرفيني أنا والفوضى قرينان.

– وأين الأولاد، لا أرى أحداً منهم.

– تغيرت الأمور بعد رحيلك.

أخذ يعد بأصابعه المرتجفة العظمية والطويلة..”حامد” مشغول بدوامه في المستشفى وقد استقل بمنزل جميل مع زوجته وأحفادي..ويزورني في العيدين.

– و”عبد السلام”..؟.

– سافر منذ عامين لإكمال درسته العليا في الهندسة، ويتصل بي هاتفياً من آن لآخر.

– و..”هند”..؟

– تزوجت منذ عام وتزورني مرة في الأسبوع تغسل ملابسي وتعد لي ما يكفيني لأسبوع آخر..وهكذا دواليك.. ثم أبتسم.

نظرت نحوه بأسى، كان مسناً أكثر من أي وقت مضى، بتجاعيد وجهه، وابيضاض شاربه الدقيق.

–  تتذكر.. كم حلمنا بتربية أحفادنا ونستنشق رائحتهم كما فعلنا مع آبائهم؟.

– لا تحدث الأمور كما نخطط لها دائماً.

تأملته بجزع:-

– ما بالك تتنفس بصعوبة..؟.

– نفذ دواء الربو منذ البارحة.. سأتصل بهند لتجلبه بزيارتها القادمة.

اقتربت منه وأخذت ترتب الفوضى التي صنعها على مكتبه كما اعتادت أن تفعل بحب منذ شبابهما.

– حان موعد رحيلي.

غرقت عيناه بالدموع:-

– متى ستأخذينني معك..؟.

– سيكون ذلك عند ليلتك الأخيرة.

كانت بقايا طيفها لا تزال ندية، وكلماتها تغلف جدران غرفة نومه حتى أنه بحث عنها بعينيه.

أحس بضيق في تنفسه فتناول بخاخ الربو الموضوع بجانب سريره وما كاد يستعمله حتى استنفذه لآخره، فكر أنه “سيكون بحاجة لواحد جديد”.

الساعة كانت تشير للواحدة ليلاً وقد غادره نعاسه، تبادر لذهنه “ما عساه صانعاً بما تبقى من وحشة ليلته الشتوية الطويلة”.

اعتدل على فراشه بصعوبة، وبحث بأقدامه عن نعله وتوجه للمطبخ، فتح علبة القهوة ووضع بيد مرتعشة قدر ملعقتين بجوف دلو مسود قعره ببقايا قهوة ليلة الأمس.

ما أن سخنت حتى صبها بفنجان قهوة مذهب تأمل على أبخرته وجوه أبناءه الثلاثة وزوجته، وبحركة لا أراديه دفعها فانسكبت وتحطم معها الفنجان وقدح ماء كان بجانبه.

جمع شظايا الزجاج بتأني، وفيما كان يمسح الأرضية بخرقة قماش، تراءى أمامه خيالها وعلى شفتيها ابتسامة التأنيب ذاتها:-

– ما هذه الفوضى التي صنعت.

أعد فنجان قهوة ثان، وتناوله بمكتبه التي لا زالت مبعثرة تماماً دون أن يمسه طيفها المستحيل.

الثانية ليلاً..فكر: “كم هو قاتل وممل فراغ الشيخوخة” تنقل بأرجاء منزله، بغرفة الجلوس كانت تجلس هنالك، وأطفاله الثلاث بالاتجاه الآخر.

ومن سريرهما المتجاورين ومنضدة دراستهما كان عبقهما ينضح ذكراهما، وصورة ابنته لا تزال منعكسة من على مرآتها القديمة.

تنبه إلى أنه كان يسمع بوضوح بكاء طفولتهم الموغل ببعده، وصخب وضحك لعبهم، وهمهمة دروسهم بل أنه كان يراهم متجسدين أمامه ولكن الغريب أن أياً منهم لم ينتبه لوجوده أو يرد عليه.

فجأة امتقع لونه وتملكته نوبة سعال حادة، ونزلة ربو تثقل على صدره، حاول تناسيها بأمنية أن تأتيه ابنته بدواءه نهاية الأسبوع كما كذب عليها.

أو بزيارة مستحيلة من أبنه الطبيب البكر، أو باتصال هاتفي ظل ينتظره من ابن هاجر من عامين دون أمل.

دس بخاخ الربو المستهلك في فمه، غدا وجهه مزرقاً، شاهدها تتقدم منه وقد علت شفتيها ابتسامة وانبعثت منها رائحة لقائهما المنتظر.

 

 

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى