الرائد نت
caravan (15)

اقتفاء أثر امرأة

 

سرت خلفها مسحوراً، وتأملتها وكلماتها بإعجاب وغبطة لا حدود لهما، واقشعر جسدي وأنا أراها بعيني من أخبروني، تخرج من القفار، ساعة أن وضعت “حنين” أوزارها وانجلى غبار خيلها.

وجدتني أتبعها وهي تمشي على استحياء باتجاهه (عليه الصلاة والسلام) فيستقبلها بمحيّا مبتسم ويفرش لها عباءته الشريفة.

ولكن..أصل حكايتها بدأت ذات يوم بعيد بمكة، وقد قدمت مع مرضعات بني سعد بسنة مجدبة، على ناقة عجفاء، برفقة زوجها “الحارث بن عبد العزى”، وطفل بعمر الرضاع، لا ينفك يبكي جوعه.

وها هي ذي ترجع لزوجها بعينين منكسرتين، فيتنهد زوجها عميقاً: ” لنعد لديارنا”..فجأة تلمع عيناها ببريق عجيب، وكأني أنظر إليها في لحظتي الراهنة وقد أشرق وجهها.

– “أتدري هنالك طفل يتيم، لم تبق منا امرأة عرض عليها إلاّ وكانت تأباه..إني لأكره أن أرجع من بين صاحباتي وليس معي رضيع”..ولم يمر وقت طويل حتى عادت، فقال مبتسماً:-

– أخذتيه أذن.

– ذاك أني لم أجد غيره.

وضعته على صدرها فشرب، وحينما حاولت إرضاعه من الآخر رفض، نظرت لزوجها متعجبة.

– أرضعي أخاه.

ضحك:-

– وكأنه يعلم أن معه شريكاً.

– ولبني كفاهما..بعد أن كان شحيحاً.

وهذا زوجها يقف مشدوهاً “ما بال هذه الناقة العجفاء تدر لبناً وفيراً على غير عادتها”..فيخبرها في الصباح:-

– أتدرين..والله لقد أخذت نسمة مباركة.

ويستغرب مجدداً “عجباً ما بال هذه الناقة الهزيلة تنطلق بهم كالسهم المسرع حتى ليفكر مجدداً “والله..لقد أخذنا نسمة مباركة”.

وما هي إلاّ فترة وجيزة حتى لحقوا بالركب وسبقوهم ما جعل نساء قومها ينادونها:-

– أليست هذه راحلتك التي كنتِ خرجت عليها؟.

– نعم.

فيجبن مستغربات:-

– والله..إن لها لشأناً.

وبمنازل بني سعد ظهرت عجائبه، فهاهي أغنامهم ترعى بأرضهم الجرداء فترجع وقد شبعت وتدر لبنا،ً وينمو على نحو لا يشبه الغلمان، فيشب في اليوم كما الصبية بشهر، وفي الشهر كما سنة، حتى غدا غلاماً، فتعود به لأمه ولكن بقلبٍ وجل، وتبادرها متحججة:-

– أجدني.. أخاف عليه وباء مكة.

وتنصت الأم وتهز رأسها موافقة “أن ترجعي به” ولم يكد يمضي شهران حتى جاءها أخوه بالرضاعة ممتقع اللون: (أدركا أخي القرشي، فقد شق رجلان بطنه)، حينما انتهيا إليه كان وجهه مصفراً، فاعتنقته وأبوه:-

– مالك.. بني.

– أتَانِي رَجُلَانِ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بَيَاضٌ فَأَضْجَعَانِي وشَقَّا بَطْنِي  فَوَا للَّهِ مَا أَدْرِي مَا صَنَعَا.

قال زوجها متخوفاً:-

– لنعيده لأهله قبل ظهور ما نتخوف منه.

حينما بلغاها سألتهما:-

– لم رددتماه، وكنتما حريصين عليه؟!

– كفلناه وأدّينا حقه علينا.

– والله ما ذاك بكما، فاخبراني الحقيقة.

عندما أخبراها، تبسمت قائلة:-

– إِنَّ لِابْنِي هَذَا لَشَأْنًاً..دَعَاهُ وَالْحَقَا بِشَأْنِكُمَا.

حينما غادرته حزينة لم تلتقيه مرة أخرى إلاّ بعد عشرين عاماً، وقد تزوج من السيدة “خديجة بنت خويلد” وصار يسمى بمكة “بالصادق الأمين”.

جاءته تشكو له عسر الحال وجدب الأرض فكلم زوجته فيها فأعطتها أربعين شاة وبعيراً، ولم تشاهده مرة أخرى حتى يوم “حنين” وقد حاربوه قومها فجاءته ملتمسة رحمته فيهم.

وكأن تاريخ طفولته عليه السلام يتجسد أمامه، فهذه أخته الشيماء وكانت بين السبي فتذكره بنفسها، فيعيدها معززة مكرمة، وهاهم وجهاء بني “سعد” يتشفعونه: (يا رسول الله..إنما بين السبايا خالاتك وحواضنك اللآتي كن يكفلنك)، فيحسن مثواهم.

كان رسول الله دائم السؤال عن مرضعته، وحينما أخبروه بأن “حليمة السعدية” وافاها الأجل، ذرفت عيناه الكريمة بالدموع عليها.

 

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى