الرائد نت
تاريخنامجلة الرائدالمدرسة العلمية في سامراء
dgf

المدرسة العلمية في سامراء

 

مدينةٌ قامت فيها أمجاد بني العباس، ودامت فيها الخلافة عدة قرون من الزمان، عصفت بها ريح الطائفية ذات يوم، فتيقظ لها العلامة النقشبندي وأخبر الوالي حسن باشا بذلك فأوعز الأخير إلى السلطان عبد الحميد الثاني يخبره بالأمر، ومن هنا بدأت الحكاية.

فكان مما حدث هو قيام مدرسة يتزعمها الميرزا حسن الشيرازي الذي نقل مقر إقامته من إيران إلى سامراء، وأنشأ لذلك مدرسة لعلوم الأمامية ألاثني عشرية عرفت بـ(الشيرازية) نسبة إليه، والتي بدأت تتحرّك لتطال محافل الناس وأماكن تجمعاتهم مطلقةً حملات لنشر أفكارها بين جماهير المسلمين في تلك المدينة التي تشع بنور التوحيد.

وعلم الشيخ محمد سعيد النقسبندي عن طريق تلميذته توفيق باشا بالموضوع فحط رحاله في مدينة سامراء وطلب من الوالي النجدة والنصرة للحفاظ على عقيدة الناس وصفاء دينهم، عندها كتب الوالي إلى السلطان يخبره بما طرأ في المدينة وكان ذلك عام 1312هـ.

ليبعث السلطان عبد الحميد الثاني إلى الشيخ  النقشبندي ليصدر له أمراً بإنشاء مدرسة دينية تكون مرجعاً للمدينة ومصنعاً للعلماء، وكانت كذلك، وخصص له المبلغ الكافي لإنشائها والصرف على مستلزماتها، وحين عاد إلى سامراء إجتمع بالميرزا الشيرازي صاحب المدرسة الشيرازية وأراد أن يغري الشيخ بـ(1500) مثقال ذهب عثماني من اجل أن لا يبني المدرسة في مكانها المقرر ولكن الشيخ محمد سعيد رفض ذلك بشكلٍ قاطع، فكان من ثمرة ذلك الإصرار هو إنشاء صرح علمي تحتاج إليه المدينة في وقتٍ كان تتهددها معاول الباطل من كل جانب.

ولأن مجتمع المدينة ذات تكوين قبلي، فقد اختار الشيخ طريقة اختيار الطلبة على هذا الأساس، إذ إنتقى من كل عشيرة أذكى أبنائها وأدخلهم هذه المدرسة الوليدة، وجعل لهم مواضع للدراسة والطعام والمبيت وكل ما يحتاجه طالب العلم وقتئذٍ.

بدأت المدرسة أعمالها، وتوافد إليها كبار علماء العراق للتدريس من أمثال الشيخ عبد الحق شبيب المهداوي والشيخ عباس أفندي القصاب، والشيخ قاسم الغواص مروراً بالشيخين أحمد الراوي وأيوب الخطيب.

وكان نظامها الدراسي يقوم على إثني عشرة سنة، يمكث الطالب فيها حتى ينال الإجازة العلمية والطبقات الأولى.

وفي العام 1962 تغير نظامها إلى ثماني سنوات، وبعد تغيير نظام الأوقاف مطلع السبعينات استقر نظام الدراسة فيها إلى ستة سنوات، وبقي الحال على هذا النحو  من الدراسة المتواصلة، يذكر أن مناهج المدرسة من أقوى الكتب في التخصصات الشرعية.

ولم تكن المدرسة وشيوخها بمعزل عن الواقع فقد كان مؤسسها الشيخ سعيد هو أحد أعضاء حزب الاستقلال ومؤسسيه، ولما وجد بعض قيادات هذا الحزب بعيدة عن الدين تركهم وانصرف إلى تأسيس حزب الشورى ووضع أسسه ومنهاجه على وفق الشريعة الإسلامية، وبعد الاضطهاد الذي تعرض له مؤسسوه إضطر الشيخ إلى ترك هذا التنظيم وآثر الوعظ والإرشاد والعمل العام مع الجماهير.

ومن مآثر هذه المدرسة العريقة أنها كانت دائماً في نجدة المكروبين وأهل الحاجة لكل بلد تستطيع الوصول إليه، فحين حصلت نكبة فلسطين بادر شيخ المدرسة العلامة أيوب الخطيب (رحمه الله) بجمع تبرعات كبيرة عينيّة ومالية وذهب بنفسه إلى الأرض المباركة وأوصلها إليهم وبقي هناك أياماً ثم عاد إلى مدينته ليكمل رحلته في التعليم والدعوة إلى الله.

تمر السنون والمدرسة كائنٌ روحي يشع سناه في الأفق، ناشراً ميراث النبوة، حتى جاءت عملية تفجير المرقدين في المدينة، ووجدت السلطة نفسها في موضع القدرة للاستيلاء على المسجد والمدرسة وهذا ما حصل، ولفترة من الزمن تحولت أروقة الدراسة ومواطن العلم والحديث إلى معتقل يسوم المؤمنين سوء العذاب، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل دخل الوقف الشيعي على خط الأحداث مطالباً ببناية المدرسة مدعياً أن هذه الأرض تعود ملكيتها إلى ضريح العسكريين وبالتالي يحق له التصرف فيها، ولكن الوثائق العثمانية أثبتت أن أرض المسجد والمدرسة وقف إسلامي مستقل وعائديته إلى أوقاف أهل السنة والجماعة من السلطنة، وأذن الله بانفراج الأزمة ورجع شيء من رواق المدرسة إلى ملكية الأوقاف.

إن حركة التأريخ وقراءته بشكل معمق تثبت بالدليل القاطع أن بعضهم يريد من الاستيلاء على هذه الأرض إحراز نصر في معركة قد خسرها في الزمن الغابر، وان ثأراً متأججاً لديهم لن ينطفيء بركانه إلاّ ببناء بتعطيل المدرسة الخالدة التي مضى على بنائها ما يزيد على قرنٍ واثنين وعشرين سنة.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى