الرائد نت
مجلة الرائدواحات الإيمانأولويات المسلم بيـــن هموم الأمة.. وانجازاته الشخصية
ana_muslim

أولويات المسلم بيـــن هموم الأمة.. وانجازاته الشخصية

 

الأصل في أن سعي وإنجاز الفرد المسلم تصب وتلتقي بمصالح الأمة، وتترتب وفق أوليات الأمة، مع مراعاة الرغبات الشخصية للنفس الإنسانية، أما التفكير بالإنجاز الشخصي بعيداً عن هموم الأمة فهذا يتنافى مع الدور المرسوم للإنسان في هذه الحياة في عمارة الأرض عبر إقامة الدين.

وكما هو معلوم فإن الدين يؤكد على حقيقة مفادها إن مصلحة الأمة مقدمة على مصلحة الفرد، وهذا واضح فيما قررته القاعدة (29) من القواعد الفقهية التي وردت في مجلة الأحكام العدلية (درء المفاسد أولى من جلب المنافع)، وهذا لا يخص الفرد فقط، وإنما يتعداه إلى الأمة وهو أولى، وإذا ما كانت تلك المفاسد كبرى وتهدد وجود الأمة، فيكون دفعها من أوجب الواجبات، ويقدم على أي مصلحة خاصة أو عامة بعد الإيمان. إن دفع الضرر والحرج عن الأمة مقدم على دفع الضرر والحرج عن الفرد، وهذا ما أقرته القاعدة (25) من مجلة الأحكام؛ (يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام)، ووفق هذه المفاهيم يتضح قانون الأوليات عند المسلم، ويقرر ميزانه، ويظهر هذا جلياً في فهم مبدأ الجهاد وهو ذروة سنام هذا الدين.

وفي ضوء الأولويات تقرر الموازنة بين مصلحة الفرد بالنظر إلى مصلحة الأمة، والمفاسد التي تلحق الفرد بالقياس إلى حجم المفاسد التي تلحق الأمة، والمصالح التي يسعى الإفراد لتحصيلها بالنظر إلى ما يحيط بالأمة من مخاطر، وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية في مجوع فتاواه؛ حيث قال (والعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا ليس بعد الإيمان من واجب أفضل من دفعه).

ولا يخفى على أحد حجم المحنة والفتنة والتحديات التي يمر بها بلدنا، حتى باتت تهدد هويته وقيمه وأمنه ومقومات وجوده، ولسنا بحاجة إلى الخوض في وصفها، فوجدنا أن الكثير من أبناء بلدنا يضطربون في الموازنة بين مصلحة يستحصلها الفرد وضرر عام يلحق بالأمة، حتى باتوا يقدمون المصلحة الخاصة المحدودة التي يستحصلونها، مقابل التخلي عن تحمل المسؤولية في الدفاع عن الأمة في ظل خطر كبير يتهددها.

فنشاهد اليوم هروب الكثير من شباب العراق من هموم بلدهم ومسؤولياتهم، والبحث عن النجاحات والإنجازات الشخصية والتسابق في السعي إلى ذلك.. ومن المظاهر الملاحظة هو سعي الكثيرين في البحث عن شهادات عليا، بل بلغ الأمر ببعضهم البحث عن شهادات أخرى في اختصاصات جديدة بعد أن حصلوا على الدكتوراه في اختصاصاتهم، وركض حثيث في الحصول على مقعد دراسي في الخارج، وفي أي جامعة، كما أنها في اختصاصات ليست مما يلامس الحاجة الماسة للأمة، والكثير من الذين يذهبون للدراسة يتركون مواقع وثغرات لا يسدها غيرهم، والحسرة الكبرى إن الكثير من أولئك الطلبة يستقرون في الخارج وينسون بلادهم، حتى إني حضرت الكثير من ملتقيات الطلبة المبعثين في الخارج فوجدت همومهم وأفكارهم منفصلة عن واقع الأمة وحاجتها.

ولا ندعو هنا في أي حال من الأحوال إلى ترك تطوير شباب بلدنا، واستجلاب العلوم والخبرات من الخارج، وإنما ندعو إلى تقنين ذلك وتصنيفه وفق الأولويات المرتبطة بمصلحة الأمة، ولا أعظم من المشاركة في دفع الضرر العظيم الذي يحدق بالأمة.

فالعقل العراقي بدأ يعاني من أزمة الهروب من هموم أهله، والبحث عن إستراتجيات حل شاملة للأزمة، وهذا الهروب ناجم من حجم اليأس والإحباط المتراكم الذي يعيش فيه الفرد، بسبب طول فترة المحنة وثقلها، كما أن مواجهة ذلك تستلزم شجاعة كبيرة، وهمة عالية، وبذل متواصل، وهي إنك تدرك حجم الأزمة والتحدي وتستوعبه جيداً، ثم تنتقل للعمل على وضع برامج مضادة تستهدف إصلاح الوضع والنهوض بالواقع.

وفي قصة معركة أحد وموقعة حمراء الأسد التي جاءت على اثر معركة أحد مباشرة، فقال الله تعالى في الصحابة الذين شارك في تلك الملحمة:(الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ)، سورة آل عمران: الآية (172)، فجاء القرآن يصف تلك الاستجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم؛ وهي الانتقال من حالة الإنكسار والحزن والهزيمة التي مني بها المسلمون في معركة أحد، إلى التحامل على الجراح، ونبذ حالة الضعف، والتحرك بسرعة، والهَبَةُ لمنازلة جديدة، والعدو في حالة زهو بالنصر والمسلمون في حالة انكسار وجراح، ونقلهم إلى حالة جديدة من الشعور بالعلو والعزة الإيمانية المستمدة من عمق الإيمان في النفوس ورسوخه فيها، بعيداً عن الأسباب والوسائل التي ضعفت في أيديهم، وجسدته الآية الكريمة: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)، سورة آل عمران: الآية (139).

فيلزم على الجميع التحلي بالشجاعة في مواجهة الأزمة، والإستعلاء على همومها، والعمل على التفكير بجدية في سبيل الخروج منها.

ولابد لنا من الموازنة بين هموم الأمة العامة ومصالحنا الخاصة، ومشاريعنا الجزئية، وأن عيش هم الأمة سيجعل جميع أبنائها في الداخل والخارج يبذلون كل جهدهم وطاقاتهم الروحية والذهنية والبدنية في خدمة الأمة، فالدعاء والتفكير والكتابة وإقامة الورش وعقد الملتقيات والزيارات وفتح العلاقات والتواصل مع العالم المؤسسات الرسمية والشعبية.. وغيرها من برامج، في سبيل إشاعة ثقافة الوعي بحقيقة الأزمة والتنظير لها وبذل الجهد في سبيل الخروج منها.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى