الرائد نت
1334767005901

أفيــــون

 

بالكاد تناول إفطاره المستعجل حتى قفز من أمام طاولة الطعام، مجيباً أمه بضحكة على تساؤلها: (أين تروم المغادرة مبكراً..؟)..بأنه ذاهب إلى محبوبته الأثيرة.

تسمر أمام أفيونه بعمق وعشق غير مبالٍ بزمنه المتدفق بلا هوادة ولا توقف والمتآكل مع دقات ساعته الرتيبة..تك..تك..تك..إلى اللا عودة.

ويشع وجهها فينبثق منه أحاديث وخيالات ووجوه افتراضية عديدة وكثيرة جداً حتى ليكاد ينساها لتزاحمها في رأسه.

تند عنه همسة أو ضحكة غير مسموعة برغم صخبها وجنونها، ويتسلى مع نقوش تتشكل بمظهر  أنثوي يملؤ وجهها المشع، ويسقي جفاف روحه الأبدي، ووحدته المسكونة بالأحلام.. ليس سوى الأحلام.

تمتلئ نفسه غيضاً على حين غرة، وتتطاير عيناه شرراً ورغبة لا تقاوم بالإنتقام ورد الإعتبار إلى نفسه الأبية.

–  كيف تجرؤ  هذه الـ …على تجاهل حديثي معها.

يشعل سيجارة، يستنشق دخانها بعمق وهستريا، وأصابعه ترتجف عصبية، تنفرج أساريره على حين غرة، هاهي رموز بلورته السحرية تتشكل مجدداً، وتلمح عيناه من جوفها صديق عمره وأمين أسراره الأبدي، يكرر عبارته السابقة أمامه.

– تصور..أن تتجرأ هذه الـ…

يبتسم صديقه:-

– لا عليك..أعطِ ظهرك لأي امرأة وستتبعك صاغرة.

يضحك بصوت خافت.

– تصدق..كأن “قالب ثلج” نزل على قلبي.

يرد صديقه هو الآخر بابتسامة مرحة، ويستذكران معاً، بعضاً من نوادر تجاربهما (السيّئة) السابقة، ثم يودعه مغادراً.

– حسناً..سأذهب الآن لبعض شأني..وربما سأعود بعد العصر.

– سأكون بانتظارك.

ويمضي الوقت متفتتاً على صخرة عبثه، تمر نصف ساعة، ترتسم على وجهه ابتسامة عريضة، وتلمع عيناه ببريق سعادة، فقد شاهد “أميرة” صاحبة الروح العفوية.

– أتصدقين..كنتِ ببالي قبل لحظات فقط.

بوجه مبتسم.

– القلوب عند بعضها.

ويمضي زمنه كانسياب ماء شلال سريعاً دون انقطاع أو تهاون، وتمر ساعة كاملة، تغادره أميرة، وتتركه بصمتٍ مطبق يغلف كيانه.

بعد عشر دقائق يبتسم فقد رأى “أحمد” هذا الشاب المرح دائماً يثير ضحكه        بقفشاته الذكية وسرعة بديهيته وروحه التي تبض بالشباب.

يتبادل معه آخر النكات..فيرتفع ضحكهما بتتابع..دون أن يشعرا بمرور سيف الوقت من بينهما..ولا يلبث أن يغادره مبتعداً كمن سبقوه.

يتمعن في  أفيونه، يبتسم بسخرية، ويحدث نفسه: (جاء أخيراً هذا الرجل المسن المتصابي..لأتسلى به قليلاً)، وبعد عدة عبارات يتبادلها وإياه، يبدأ بضحكة هادئة ماتلبث أن تصير وتغدو صاخبة ومجنونة فيما الثواني والدقائق تتدفق متتالية.

فجأة لفت انتباه وجود فتاة جديدة، وبعد تردد استمر لنصف ساعة، ابتدأها بتحية بسيطة.

ارتسمت على شفتيه ابتسامة، فهاهي تبادله التحية، وينتقل معها بسلاسة من موضوع لآخر، دون أن يشعر بأن أكثر من خمسة وثلاثين دقيقة قضت نحبها دون شهود قبل أن يودعها على أمل بلقاءٍ آخر.

تلمح عيناه وجه رجل “مفكهر” هو صحفي مشهور جداً، يسحب نفساً عميقاً، ومن ثم يبادله بعضاً من عبارات الحكمة التي كان قد حفظها عن ظهر قلب ذات مرة، يودعه سريعاً دون أمل كبير بالنقاش معه مجدداً.

بعد ساعة كان وسط نقاش سياسي حاد لم يخرج منه بنتيجة، ثم اقتصادي حاد دون حلول مفترضة، ثم طائفي حاد دون نهاية، ثم عن ربيع الثورات، ثم الأزمة العربية المستديمة.

بدأت عيناه تطالع العديد من المواضيع منها ما كان يعجبه وبعضها يكدره تمر من أمامه سريعة وصاخبة حتى لا يكاد يفقهها وسط زمنه المحتضر تحت ضربات أصابعه على لوحة مفاتيح أفيونه، قبل أن يستفيق على صوت أمه من الغرفة المجاورة.

– صار الغداء..كفاك جلوساً  كمعتوه خلف حاسوبك.

 

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى