الرائد نت
تنمية ومجتمعمجلة الرائدإرادة النصر .. من الغار إلى بدر
MHFJGFC

إرادة النصر .. من الغار إلى بدر

 

كل شخصية ناجحة في الحياة تستصحب دائماً في داخلها إرادة قوية وبريقاً لا يخبو وإصراراً على النصر في أي تحد تواجهه في الحياة.. وبين يدي عام هجري جديد أكتب هذه الخاطرة عن أهم وأخطر حادثتين مر بهما نبينا (صلى الله عليه وسلم) ومعه الأمة كلها وكيف كانت إرادة النصر في قلبه ثابتة راسخة.

وفي كلتا الحالتين كان الصاحب القريب للنبي (صلى الله عليه وسلم) أبو بكر (رضي الله عنه).. وعند تأملي في هاتين الحادثتين وجدت فارقاً غريباً في الحال والمقال بين الاثنين، يسترعي الانتباه.. لأنه يشير بوضوح إلى حكمة أراد النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يعلمنا إياها كي نحمل إرادة النصر بوضوح وأمان ونصل فعلاً إلى النصر ولا تبقى مجرد أماني وأوهام.

أما الحادثة الأولى فهي عندما كان النبي (صلى الله عليه وسلم) وأبو بكر في غار حراء، رجلين مجردين من أي قوة مادية تحميهما، وهما مطلوبان حيين أو ميتين من قريش .. وصل مشركو قريش إلى قرب باب الغار حتى إن أبا بكر يقول للنبي (صلى الله عليه وسلم): (لو أن احدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا) ثم تسيل دموع أبي بكر فرقا أن يمس رسول  الله (صلى الله عليه وسلم) أذى إذا اكتشف مكانه.. وهنا نشهد الحال العجيب الأول:

يلتفت إليه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ويقول بهدوء الموقن بالنصر (ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما ؟) وفي رواية (أسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما).

إيمان راسخ بموعود الله تعالى صنع إرادة تقول لا تخف سنخرج من هذا الغار منتصرين ولا بد، وهكذا كان.

صورة النصر واضحة عند النبي (صلى الله عليه وسلم) انعكست في هدوئه وكلامه الواثق لأبي بكر

ننتقل للمشهد الثاني وأمامنا الآن ساحة المعركة في بدر ونرى موقفاً عجباً في ظاهره عكس الموقف الأول.. نرى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) واقفاً رافعاً يديه إلى السماء يدعو ويدعو ويلح في الدعاء حتى يسقط رداؤه عن عاتقه.. ونرى أبا بكر يقف وراءه يعيد رداء النبي (صلى الله عليه وسلم) على منكبيه الشريفين ويقول له: يا رسول الله كفاك مناشدتك ربك فانه سينجز لك ما وعدك.

حال آخر غير الحال الأول كما يبدو للوهلة الأولى؛

في المشهد الأول أبو بكر مشفق خائف ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) يطمئنه بهدوء عجيب ولم يكن معهم آنذاك حرس ولا مقاتلين ولا سلاح.

بينما في مشهد بدر معهما السلاح والمقاتلون الذين يفتدون رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بأرواحهم وهنا أبو بكر (رضي الله عنه) هو الذي يطمئن رسول الله (صلى الله عليه وسلم).

وهنا يتضح الدرس العظيم بين حال الغار وحال بدر

إرادة النصر عند رسول الله (صلى الله عليه وسلم) لم تتغير فهي راسخة ثابتة لا تتزعزع سواء كان وحده أم بين جنده ولكنها مظهر هذه الإرادة اختلف واليك البيان.

في الغار كان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قد اتخذ كل الأسباب التي يمكن للإنسان أن يتخذها في مثل حاله ولم يقصر في اتخاذ أسباب التخفي والاحتياط.. وعندما وصل المشركون إلى الغار انتهى دور الأسباب، وبقي الاطمئنان والثقة بنصر الله له، لذا كان موقفه هادئاً غير مضطرب ولا خائف.

أما حال بدر فشيء آخر فهنا مقاتلون وسلاح وقوة، وهذا مظنة الغرور، وقد يقع أي قائد في وهم التمكن أن السلاح في أيدينا ورجل برجل وقد سيطرنا على آبار المياه فمم نخاف؟

لذا كان الحال الأرقى هنا هو عدم الاعتماد على أسباب القوة الظاهرة والتضرع واللجوء إلى الله تعالى خوفا من الافتتان بالأسباب، واعتقاد أنها هي التي ستؤدي إلى النصر.. ومرة أخرى كان حال النبي (صلى الله عليه وسلم) هو الأرقى والأعمق من تصور أبي بكر (رضي الله عنه) للمسألة.. فالتضرع والإلحاح بالدعاء هو المطلوب في هذا الموقف.

والإنسان عادة عندما يشعر بأنه وحيد بمفرده ليس له ظهير فأنه يرتجف ويخونه قلبه ويلح في الدعاء.

وإذا وجد قوة أو ظهيراً زهد في الدعاء وظن أن الأمر مقضي في صالحه حتماً.

بينما رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يعلمنا في موقفين فاصلين من حياة الدعوة أن حالك مع الله (بعد اتخاذ الأسباب) وان كنت وحدك هو (الاطمئنان والهدوء والثقة بموعود الله).

وأن حالك مع وجود القوة والاقتدار هو دوام التضرع والإلحاح بالدعاء كي لا تقع في مزلق الاعتماد على الأسباب فيكلك الله إليها.

وهكذا ستبقى إرادة النصر ثابتة لا تتزعزع ويتحقق النصر بإذن الله في كل ما تواجه في حياتك من مصاعب ومتاعب.

 

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى