الرائد نت
IMG_1487

وللصغيـــر قـــوة

 

قال لي صاحبي وهو يتدفق همة، وفي عينيه أمل: قد أكون صغيراً ولكن الشجرة أصلها بذرة، وقد أكون ضعيفا في زمن الظلم لكني أحمل حقاً يبقى، فأستخرج من الثلج ناراً، ومن العلقم شهداً، ومن الحطام أملاً، ومن الألم عملاً.. ولنا في زوايا الكون شواهد ومن واقعنا دليلاً، روحنا روح حر في زمن ذل العبيد.. فأخذ بيدي وانطلقنا في اسطنبول نقلب حجرها لنجد فيه روح تتجدد لنقف عند مسجد صغير في شارع ضاق بأهله أنه مسجد (كأنني أكلت)، وهو يقع قرب جامع الفاتح على بعد مئتي متر تقريباً منه، وقصته أن صاحبه كلما أراد أن يأكل شيئاً، واشتهت نفسه من حلال الطعام مأكلاً، أخرج قيمة الشيء ثم وضعه في كيس له، وقال كأنني أكلت! ثم جمع ما ادخره فبنى به هذا المسجد.!

ولكن قليل منا يعرف أن هذا المسجد الصغير فيه مدرسة صغيرة لتعليم القرآن الكريم، وأنها خرجت العديد من الحفاظ، وفي شهر رمضان حفاظها يقرؤون جزءاً كل يوم في صلاة التراويح، بأصوات ندية عذبه تحاكي الروح، كما أن لهذه المدرسة آثرها في نشر تعليم القرآن الكريم في تركيا، علما أن ليس لها مورد يكفي الطلاب، فهو مسجد الفقراء قبل أن يكون مسجداً للأغنياء، فطابقه الأول هو دار تحفيظ القرآن الكريم، والثاني هو حرم هذا المسجد.

وبعد إعلان الجمهورية وإغلاق المدارس وتحويل بعضها إلى مطاعم ودور فسق وبغاء بقي مسجد (كأنني أكلت) يدرّس القرآن الكريم، لأن الدولة لم تلتفت أليه فتغلقه مثل العديد من المساجد، وإن كان  تدريس القرآن الكريم فيه بشكل غير معلن لكن مدرسته بقيت تخرج الحفاظ والقرّاء، وتواصل عطاؤها، ليذكر المسجد من بين المساجد التي تهتم بتدريس القرآن الكريم.. ففي الوقت الذي أغلقت فيه المدارس السلطانية من قبل الدولة بقي هذا المسجد يدرس القرآن، فلا سلطان دولة تحكم على مسجد كأنني أكلت فيغلقه.. إنه أثر الإخلاص وبركة العلم.

 

وشاءت إرادة الله تعالى أن يكون على الجهة المقابلة لجامع الفاتح مسجد آخر صغير في بنائه عظيم في أثره، هو أعجوبة أيضا لدرجة يوصف بأن هذا المسجد هو من يحرك أكثر من خمسة ملايين تركي برغم أن سعته لا تزيد خمسمئة مصلٍ من الرجال ومئة من النساء.

أنه مسجد إسكندر باشا وشيخه هو الشيخ محمد زاهد كتكو (1897- 1980) الذي حول مسجده الذي لا يكاد يعرف إلى دولة صغيرة قوية داخل الدولة، فمن هذا المسجد تخرج د. نجم الدين أربكان، وفيه كان الشيخ اسعد جوشان داعية وواعظاً، ومنه اقتبس علماً الشيخ محمد أمين سراج رمز مدرسة الفاتح بتاريخها فكان أمينا بعلمه سراجاً بمواقفه.

ومسجد إسكندر باشا هو دار للعلوم ودار للتربية والدعوة إلى الله تعالى فمن هذا المسجد بدأت انطلاقته تأسيسي (الملي كورش) أي تنظيم الحركة الإسلامية في تركيا، ليكون للطبيب العراقي د.يوسف زين العابدين دور فيها، وذلك في ألمانيا تحديداً، فقد حول جهده لإعداد الشباب هناك دون ضغط من الدولة والعسكر ثم يرسلهم إلى تركيا.

ومن الذين تأثروا بالحركة الإسلامية في تركيا شاب نشأ صغيراً، ولكن استشهاده ترك أثراً كبيراً لا يمحى في تاريخ الحركة الإسلامية في تركيا، أنه متين صدر الدين يوكسل ولد في (1958م) واستشهد في 23 شباط 1979 أي كان عمره واحداً وعشرين سنة، فقد كان أحد رموز تنظيم قوي هو النواة الصلبة للحركة الإسلامية في تركيا.

إنه تنظيم الفرسان والذي يمثل نموذجاً للشخصية المسلمة الداعية المدركة الجامعة للسياسة من جهة والتربية من جهة أخرى، فبعد أن خرج من جامع الفاتح بعد الصلاة رماه اليساريون بوابل من الرصاص ليسقط جسده وتصعد روحه، حيث كانت تلك الفترة في تاريخ تركيا فترة اضطرابات عنيفة تكرر فيها مشاهد القتل والإغتيالات، أستشهد فيها عدد من أهل العلم والدعوة..

ولكن ما هو الغريب في قصته حينما زرت جامع الفاتح أخذني أحد طلابه إلى ساحته الشرقية القريبة من مدارس القرة دنيز فوجدت أن الأرض قد طليت باللون الأحمر فقال لي صاحبي هنا استشهد الأستاذ متين يوكسل في عام 1979م ومنذ ذلك الزمن يجتمع طلابه من كل مكان فيتعاهدون على البقاء على نهجه ويجددون العهد بينهم.

وهنا وقف صاحبي فوق البقعة المطلية باللون الأحمر ليقول لي أننا نتذكره لكننا لا نمجد المكان لعينه.. وكأنه يقول لي القدسية لما يحمله من مبدأ وليس القدسية لذاته أو للمكان الذي إستشهد فيه.

وبين فترة وأخرى أشاهد أطفالا يعلبون الكرة في ساحة المسجد وأمهاتهم يرتدين حجابهم فإذا حان وقت الصلاة ونادى المنادي (الله اكبر) أخذنّ بيد أطفالهنّ ليصلوا في المسجد.

وذات يوما نسي طفل كرته فوق تلك البقة الحمراء ثم عاد وأخذ يبحث عنها، وأمه تضحك وتقول له هي عند (متين هوجا) أي عند الأستاذ متين، فلولا تلك البقعة التي هي رمز للمبادئ ولولا أقدار أرادها الله لما رأيت في هذا المسجد مظاهر للإسلام قط..

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى