الرائد نت
1249483087

دعوة للتفكير

 

في كل أنظمتنا التعليمية والتربوية هناك اهتمام كبير بكَمّ المعلومات التي تعطى للطالب والتي يجب عليه فهمها وحفظها ليستطيع تجاوز الامتحانات التي سيواجهها خلال مسيرته الدراسية.

وغالباً ما يعاني طلابنا من صعوبة الفهم والحفظ وخاصة المناهج الجديدة التي تتغير باستمرار لتلاحق التطور المتسارع في العلوم، ولكن هذه المناهج كلها تخلو من أي مادة تعين الطالب على تعلم وإتقان عملية التفكير السليم وكيف يتعامل مع هذا الكم الهائل من المعلومات التي تعطى له خلال مسيرته الدراسية.

ومن هنا أود لفت أنظار أعزائنا المدرسين والمشرفين ومن يقنّن المناهج الدراسية إلى حقيقة بدأ العالم المتقدم يأخذ بها من عشرات السنين، وهي برامج تطوير التفكير وتقنيات ومهارات التفكير، وقد قطع الغرب أشواطاً كبيرة في هذا المجال وظهرت نظريات كثيرة تستحق الدراسة وأن نأخذ منها ما يفيدنا.

عندما التقي مع بعض الطلاب والطالبات غالباً ما أسمع الشكوى المتكررة:

– ذاكرتي ضعيفة، هل هناك طريقة لتقويتها؟

– الوقت لا يكفيني للدراسة، فكيف تريد مني أن اقرأ كتباً خارجية؟

– إنا لا افهم المادة بسهولة.

– المدرسون لا يشرحون لنا المادة بصورة مفهومة.

– لا تعجبني قراءة الكتب، والكتب المنهجية مملة.

وكنتيجة طبيعية لهذه المشاكل اليومية للطالب ونتيجة لغياب مهارات التفكير السليم عند المعلم والطالب ظهرت في مجتمعنا تقليعتان جديدتان لم نكن نعرفهما أيام كنا طلابا في أعمارهم (أو كانت محدودة جداً).

الأولى هي ظاهرة الملازم التي تُلخص فيها المادة وتُحشر فيها مجموعة من الأسئلة والأجوبة ويقوم بوضعها مدرسون (فنانون) في مثل هذا العمل وتباع للطلاب أو تباع في الأسواق، ويشتريها الطالب مضطرا لأنه يعلم أن المدرس الذي وضعها سيضع أسئلة الامتحان منها، والمضحك أن هذه الملازم أصبحت تشمل كل المواد حتى في المرحلة الابتدائية.

والظاهرة الثانية هي الدروس الخصوصية وهذه تحتاج وقفة أكثر من الظاهرة الأولى لأنها ممارسة لها بعد أخلاقي واجتماعي.

فأيام كان التعليم بخير وأيام كان للمعلم مهابة ومكانة في المجتمع كان المعلم يفر من الدروس الخصوصية فراره من الأوساخ التي يخشى أن تلوث ثوبه، لأنه كان يرى في عمله قدسية ورسالة، والمعلم الناجح هو الذي لا يحوج طلابه إلى غيره، وأذكر جيدا أن أساتذتنا ومعلمينا الأجلاء كانوا يحتقرون المعلم الذي يعطي دروساً خصوصية وينظرون إليه بإزدراء.

وكان من يبيح لنفسه مثل هذا الأمر يُخفيه وكأنه يرتكب منكراً، وكانت هذه النظرة السائدة في المجتمع آنذاك تضبط المعلمين وتدفعهم للإخلاص في عملهم أكثر مما يدفعهم الخوف من عقوبة الوزارة.

هاتان الظاهرتان كبرتا مع الأيام وأصبحتا وسيلة مربحة في غياب أساس صحيح لنظام تعليمي رصين،لأن الأساس الذي لا زلنا نبني عليه تعليمنا بني على معادلة غير مكتوبة ولكن الجميع تواطأ عليها، وهي:

إحفظ + إملأ ورقة الامتحان = درجة جيدة = انك طالب ذكي ومحترم

لقد هَجَر النظام التعليمي في العالم المتقدم هذا الأسلوب المتخلف وأصبحت  المعادلة عندهم:

علِّم الطالب على أسلوب التفكير الصحيح + وجهه إلى العلم الذي يرغب فيه = إنسان منتج في المجتمع = إنسان محترم ومقدر

وكنتيجة لهذا النظام في التعليم لم يعد للشهادة تلك القدسية التي كانت لها من قبل بل أصبح المجتمع يحترم صاحب المهارة في صنعته حتى لو لم يحمل شهادة عليا أو حتى غير عليا.

إن تعليم مهارات التفكير لأبنائنا الطلبة ليس صعباً أو مستحيلاً بل هو يسير جداً وخاصة بعد الثورة التكنولوجية وثورة المعلومات ودخولنا عصر الفضائيات والانترنت، إنما يحتاج لإرادة صادقة من أصحاب القرار واهتمام حقيقي من إخواننا المعلمين، وأول هذا الاهتمام أن يهتموا هم بتطوير أنفسهم ويتدربوا على مهارات التفكير وأساليبه وهي سهلة ميسرة.

لذا لم اعد أعجب كثيرا حين يأتيني مدرس مثقف يشكو من أنه لا يستطيع إقناع أبنه بالدراسة وهو في نفس الوقت يصف أبنه بالذكاء والعبقرية، فإذا كان صاحب المهنة لا يمكنه أن يفيد أقرب الناس إليه فأي تعليم يرجى بعد ذلك!

لا يوجد إنسان لا يفكر.. حتى المجنون لديه نوع تفكير خاص به.. لكن التفكير شأنه شان أي قدرة عند الإنسان إن لم نُمارسها بصورة صحيحة وإذا لم نُطورها سوف تضعف بمرور الأيام وتهزل.. ولا يعود الإنسان الذي كرمه الله يفكر بأكثر مما يفكر به القِط الذي يعيش قربَ بيته.

بمناسبة بدء العام الدراسي الجديد أتمنى لأبنائنا – طلاباً وطالبات – كل التوفيق والنجاح. وأتوجه إلى كل من يهمه الأمر … بدعوة للاهتمام بمهارات للتفكير.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى