الرائد نت
dfgdfgdg

دمٌ واحد

 

فيما اللاجئون السوريون يتدفقون عبر المنطقة الحدودية لمدينة القائم كان “عمر” يبحث في الوجوه عنهم دون جدوى، قالت أمه:-

– متشوقة لرؤية من حدثتني عنهم طوال عامين.

وأضافت مبتسمة:-

– يا ترى كيف شكل هذه التي سرقتك منا.

لم يجبها فذهنه كان يستعيد تلك الصبيحة من 2007 ولم يكن قد تبقى بمحفظته إلا النزر اليسير من الليرات السورية.

كان مضطجعاً على أريكة تفتق قماشها حول أسفنج أصفر كئيب حينما سمع طرقات على باب شقته.

تبادر لخياله هيئة المالك وهو يسأله عن أجرة الشهرين المتأخرين أمسك مقود الباب بتردد ثم أداره كان ثمة شاب من سكان العمارة يتأمله بودّ.

– أبي يرغب برؤيتك.

وجد نفسه أمام رجل في الستين ابيض البشرة وذا لحية مخضبة بالشيب قال مبتسماً:-

– علمنا بمشكلتك وأحببت ان تشاركنا السكن ريثما تتحسن أحوالك.

شعر بحرج:-

– لا أدري كيف أشكرك يا عم.

– لا باس عليك يا بني.

بالظهيرة جلس خجلاً أمام منضدة الطعام وهو يكاد لا يرفع رأسه قالت امرأة بدينه ضاحكة وهي تضع الصحون أمامه:-

– متخوفة أن لا يروقك طعامنا السوري.

رد بخجل:-

– “العفو خالة..عاشت أيديكم”.

سأل الرجل:-

– ألديك أشقاء ؟.

– أنا الوحيد لأمي..وهي من دفعني للسفر.

– وكيف الأوضاع هناك ؟.

ابتسم بمرارة:-

– ما بين عتمة الاحتلال وغربان الموت.

وحدثه عن خمسة من أقربائه وسمت جباههم بالمثاقب كهربائية، دمعت عينا الرجل وقال بصوت متهدج:-

–      صدقني..نحن دمٌ واحد

بعد الغداء نادت فتاة على شقيقها بأن يأخذ الشاي ومن دون قصد لمح طرف ردائها فأحنى رأسه خجلاً.

أمضى بقية يومه مع الشاب وسرعان ما أحس بالألفة فتبادلا معاً كثيراً من المواضيع حتى غلبه النعاس.

واستيقظ على صوت الشاب مع أذان الفجر فهم معتادون على الصلاة بالمسجد وأثناء مسيره تنبه بأن المرأة وابنتها كانتا تسيران خلفهما.

وما أن أفطروا حتى اصطحبوه برحلة بين أزقة دمشق وحدثه الرجل كيف أن المقاومين أيام الفرنسيين كانوا يستخدمون أنفاق المياه بعملياتهم.

فعرج ابنه قائلاً:-

– ذلك زمن للأبطال لا أظنه سيعود.

فرد الأب ضاحكاً بفخر:-

– أباك واحدٌ منهم.

كانت صداقته تتوطد بهم حتى كان ذات يوم وهو يبتغي العودة للوطن ويهم بوداعهم استقبلته الفتاة عند الباب، وما أن أخبرهم بأمر رحيله حتى دمعت عينا المرأة:-

– أحببتك وكأنك أبني.

فقال وعيناه تلمعان :-

– من يدري ربما نزوركم وأمي قريباً.

وسأله الرجل:-

– استقرت الأحوال بوطنكم..؟.

ضحك:-

– كنا كمن يغلي على مرجل وقد خفت وطأته للنصف.

وفي رحلة عودته الطويلة أخذ يستعيد ذكرياته بضيافتهم وكيف استقبلوه بمودة لا لشيء إلا لرابطة الدم التي طالما سمعها من الرجل.

وعند عتبة داره ارتمت أمه على عنقه باكيه:-

– لم يبق سوى أن أقر عيني بزواجك.

قال ضاحكاً:-

– الفتاة التي اخترت تبعد عنا أميالاً طويلة.

بعد عامين كانت سماء دمشق قد تلبدت هي الأخرى بغيوم الموت فحدثه صديقه الشاب على هاتفه المحمول مبتدءً بعبارة حزينة:-

– يا صديقي..غربان الموت كما أنتم صارت تخوض بدمائنا.

كان لا يزال يبحث بين آلاف النازحين عندما لمحهم وابتسامة حزن مرسومة بتقاطيعهم.

كان ثمة شيئاً ما مفقود لم ينتظر طويلاً حتى أخبروه بأنه “روى أرض الشام بدمه” دمعت عيناه وهو يتذكر جملته “نحن دمٌ واحد”.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى