الرائد نت
مجلة الرائدملف العددالرعاية الاجتماعية في العراق بين الحاجة والواقع
gujghjgj

الرعاية الاجتماعية في العراق بين الحاجة والواقع

 

تعرف (الرعاية الاجتماعية) بأنها مجموعة الخدمات التي يمكن تقديمها لدعم الشرائح

التي هي  بحاجة إليها في عدد كبير وقطاعات واسعة من مجالات الحياة.

وهي تضم بذلك المفهوم الشامل لعدة جوانب ومنها: (مجال الرعاية الصحية والإسكان والرعاية الشخصية والإحتياجات الإجتماعية والعمل والتعليم للكبار والصغار والجوانب المالية).

وبالتالي فهذا الملف يتضمن حزمة من الإجراءات المتنوعة والكبيرة والتي تؤدي دوراً مؤثراً داخل المجتمع وينتج بتكاملها ما يمكن أن نطلق عليه ( الرعاية الاجتماعية ) مما لا ينحصر بالمنح المالية المقدمة فقط، كما يتصور بعضهم.

رعاية مطلوبة 

يبدو المجتمع العراقي اليوم بأمس الحاجة لوجود رعاية اجتماعية شاملة بشمولية المفهوم الذي ذكرناه آنفاً، وذلك نظراً لما يعانيه في مختلف الجوانب من تأخر وتراجع شديدين جعل الشرائح كافة تعاني بشكل كبير وتنتظر من يمد لها يد العون والمساعدة.

ففي الحديث عن مستويات المعيشة، نجد أن بعثة الأمم المتحدة في العراق تؤكد بأن نسبة الفقر في البلد تصل اليوم إلى (23%)،  في حين إن بعض التقارير الصحفية تشير إلى أن النسبة تقترب من حاجز (40 %).

وتزامناً مع هذه التقارير أعلن الجهاز المركزي للإحصاء التابع لوزارة التخطيط والتعاون الإنمائي، أن هناك سبعة ملايين عراقي يعيشون تحت خط الفقر، وأن محافظة المثنى هي الأفقر بين مدن العراق ــ خلال العام الماضي ــ ونسبة الفقر فيها (49 %)، تليها محافظة بابل ونسبة الفقر فيها (41 %) ثم محافظة صلاح الدين وقد بلغت نسبة الفقر فيها (40 %).

أما البطالة، فقد وضع التقرير الأخير لصندوق النقد الدولي حول معدلات البطالة في المنطقة العراق في المرتبة الخامسة عربياً – بعد كلٍّ من جيبوتي واليمن وموريتانيا والسودان- وبمعدل بطالة يصل إلى (18%) وهو ما يشكّل ارتفاعاً كبيراً عن المعدل المعلن من قبل الحكومة عام 2011 والبالغ (11%)، مما يعني وجود أكثر من مليون عاطل من العمل، موضحاً أن مؤشرات العمالة الناقصة في العراق مازالت مرتفعة حيث وصلت إلى نسبة (30 %) من الذين يعملون ساعات أقل من المقرر.

والصورة ليست أحسن في ميدان التعليم، ففي تقرير أعدته وكالات الأمم المتحدة ذكر أن نسبة الأمية في العراق تبلغ (24 %) منها (15%) بين الرجال، وفي المناطق الريفية (25%) وفي المناطق الحضرية (14%)، أما في ما يخص النساء فقد تبيّن أن (50%) من النساء الريفيات التي تتراوح أعمارهن ما بين (15- 24) عاماً هنّ من الأميات مقارنة بنسبة تتراوح ما بين (20- 28%) من النساء المقيمات في المناطق الحضرية والمدن الكبرى.

وهو ما عززته بيانات وزارة التربية التي أكدت أن عدد الأميين في العراق وصل إلى ستة ملايين أمي، مشيرةً إلى أن بغداد تتصدر المحافظات العراقية بنسبة (2.5) مليون أمي ومن ثم  السليمانية وذي قار.

وتزداد المعاناة المجتمعية بالحاجة الكبيرة إلى السكن، فالعراق ــ بحسب التقارير الدولية ــ يحتاج إلى ما لا يقل عن (1.5) مليون وحدة سكنية لسد العجز الكبير بالسكن في ظل تزايد الهجرة إلى المدن، وإن أكثر من نصف العراقيين يعيشون في مساكن لا تتوفر فيها شروط السكن اللائق.

ولا يمكن الحديث عن المجتمع العراقي دون التطرق إلى الآثار الجسيمة التي خلفتها آلة الحرب عليه، فالإحصائيات الموثقة تشير إلى وجود نحو نصف مليون طفل يتيم في عموم العراق بواقع نحو (100) ألف طفل يتيم في بغداد، و (400) ألف طفل يتيم في عموم مناطق العراق.

كما إن نتائج البحث أظهرت وجود ما يصل إلى (1500) طفل مريض، بينهم نحو (400) طفل يعانون من أمراض خطيرة تحتاج إلى تدخل جراحي وعلاج طارئ، فضلاً عن وجود نحو خمسة آلاف عائلة يعيش أطفالها الأيتام في بيوت من الطين والصفيح داخل مجمعات عشوائية وبيئة تهدد الطفولة.

وكشفت وزارة المرأة العراقية عن وجود أكثر من مليون أرملة في البلاد، فيما حذرت من استشراء ظاهرة تشغيل الأطفال بسبب الفقر والعوز المادي لكثير من الأسر العراقية، مما يستلزم ميزانية كبيرة لإعالة أصحابها، وإن قيمة المساعدة المالية البالغة (100) ألف دينار والتي تخصصها دائرة رعاية المرأة للأرامل، فضلاً عن مبلغ الـ(15) ألف دينار لكل يتيم لا تعتبر كافية.

وتقدّر إحصاءات لجنة الصحة العالمية (WHO) ومنظمة (الهندر انترنشنل) ووزارة الصحة العراقية وجود (3) ملايين معاق في العراق، في زيادة ملفتة للنظر في أعداد المعاقين بعد العام 2003، بلغت (30%)، ويعاني أولئك بسبب الضرر الذي أصابهم، في وقت لا زالت لجان مجلس النواب ــ وبعد ثلاث سنوات من إقرار قانون تعويض المتضررين جراء العمليات الحربية والأخطاء العسكرية والعمليات الإرهابية)  تبحث الآليات الكفيلة للإسراع في تعويضهم وحسم طلباتهم .

هذه الصورة الكالحة تستدعي دون شك جهداً استثنائياً يتلاءم وحجم المأساة التي يعيشها العراقيون بكافة شرائحهم وأعمارهم.

 

الرعاية الاجتماعية.. تأطير قانوني

يتم العمل اليوم في ملف الرعاية الاجتماعية وفق القانون ذي الرقم (126) لسنة 1980 والذي حاول تامين الدعم للأسرة العراقية كمظهر من مظاهر التكامل الاجتماعي، ثم الحق بقرار (98) لســنة (2000) للتوسع النسبي في حالات شمول المواطنين براتب الرعاية الاجتماعية.

وضمن محاولات تطوير العمل في هذا الميدان على ما يبدو، يبذل الجهد لإقرار قانون العمل في مجلس النواب، وقد تمت قراءته للمرة الأولى، وينتظر ــ ومعه ملايين العراقيين ــ أن يرى النور علّه يساهم في التخفيف عنهم من خلال وضع القواعد الخاصة التي تنظم العلاقة بين العمال وأرباب العمل وبين الحكومة، ولا تزال المسودة ــ بحسب السيد يونادم كنا رئيس لجنة العمل والشؤون الاجتماعية البرلمانية ــ رغم إيجابيتها بحاجة إلى ترصين وإنضاج لكي يكون قانوناً متكاملاً يخدم هذه الشريحة الواسعة من المجتمع.

والحديث عن هذا الجانب من الموضوع يقتضي منا تسليط الضوء على الدور الذي تؤديه وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، وكذلك منهجها وأهدافها والوسائل التي تتبعها لتحقيقها.

ويتحدث القائمون على الوزارة أن الهدف الرئيس من عملها يتمثل بدعم الأسر عديمة الدخل وذوي الدخل الواطئ ومساعدتهم لرفع المستوى المعاشي للطبقات الفقيرة ومن أجل إيجاد نظام اجتماعي متكامل لتوفر مستلزمات العيش الكريم لها بشكل أفضل.

وهي بذلك تمد يد العون للأسر العراقية مستهدفة مختلف الشرائح ومن بينها : (العاطلين / المعوقين وتشمل (المكفوف – المصاب بالشلل الرباعي) / اليتيم القاصر / الطالب المتزوج والمستمر على الدراسة / النزيل أو المودع وأسرة المفقود / العاجز عن العمل كليا بسبب المرض أو الشيخوخة والأعمال الإرهابية)

ويفترض أن تمارس الوزارة هذا العمل وفق آليات عديدة، ومفردات متنوعة تحاول الوصول إلى التكامل بين التخطيط وتقديم المساعدة المالية المباشرة، والقيام بالزيارات الميدانية إلى دور الرعاية والأيتام وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، والتثقيف الإعلامي باتجاه حث المواطنين على دعم الفئات المحتاجة للمساعدة.

 

الواقع المر

ينتظر العراقيون ــ مع الواقع الذي ألمحنا له ــ أن تحقق الرعاية الاجتماعية أهدافها المتوخاة والمعلنة من سد حاجة المواطنين ودعمهم ورعايتهم.

ولكننا حين نحاول تقييم ذلك الدور الذي تنشط به منذ سنوات عدة، نجد أن هناك تبايناً واضحاً بين الحاجات الاجتماعية وبرنامج الرعاية برمته، فهو لا يتمكن من تخفيف إلا اليسير من معاناتهم، وتقف في طريق الإنجاز المنشود عوائق مختلفة، وأسباب عدة، ومنها :

1. ضعف الدعم الرسمي: فالأرقام المخصصة للرعاية الاجتماعية لا زالت دون المستوى، ومن المعروف أن العمل في هذا الميدان يتطلب العمل بطاقات كبيرة، وميزانية ضخمة، وذلك لن يتحقق دون الدعم الحكومي الرسمي.

ويبدو أن هذا الأمر لم يسر بالشكل المطلوب، ففي تصريح لوزير العمل والشؤون الاجتماعية نصار الربيعي أكد أن مفردات الموازنة العامة لهذا العام 2012 لم تنصف وزارته وما تتحمله من أعباء كبيرة لخدمة الفقراء والمحرومين والشرائح الأخرى من المعاقين والمتضررين بمختلف الأساليب في بغداد والمحافظات، مشيراُ إلى “أن بقاء الوضع على ما هو عليه يشكل صدمة كبيرة”.

كما أن الدعم الرسمي بقي لا يعبر عن إدراك لقيمة الرعاية الاجتماعية أو السبل العلمية الكفيلة بتخفيف حدة العوز والفقر لدى ألاف الأسر، وربما هذا ما دفع وزير العمل لإبداء استغرابه من تصويت مجلس النواب على قانون دعم صندوق القروض الميسرة لإقامة مشاريع مدرة للدخل دون أن يخصص له المبلغ الذي تم طلبه وهو (150) مليار دينار عراقي بل لم يتم تخصيص أي مبلغ له، ولذلك فقد جاء القانون جسداً بلا روح، ومع أن العالم يعرف أن أسهل وأسرع وأفضل آلية لامتصاص البطالة هي إقامة المشاريع الصغيرة والمتوسطة من خلال القروض المقدمة من الدولة بلا فوائد، نجد أن مجلس النواب لم يتابع أو يكمل النظر في متطلبات تلك المشاريع إلى الآن.

ولعل ضعف الدعم هذا انعكس على واقع ما تقدمه الوزارة من دعم مادي للأسر والذي بات يمثل “إنتهاكاً صارخاً لقدسية كرامة الإنسان العراقي”، وفق تعبير وزير العمل ذاته.

فتحديد راتب الرعاية الاجتماعية للأسرة الواحدة المتكونة من (5) أشخاص بمبلغ لا يتجاوز ( 120) ألف دينار لا يتماشى مع إستراتيجية التخفيف من الفقر التي حددت الراتب الأدنى للمواطن العراقي في ظل التضخم الموجود حاليا بـ(82 ) ألف دينار، وبالتالي فان الحد الأدنى لراتب العائلة المكونة من (5) أشخاص سيكون أكثر من (400) ألف دينار، وهو رقم بعيد جداً عما تتقاضاه الأسرة العراقية الآن  من راتب الرعاية الاجتماعية.

ويتضح مما تقدم أن ضعف الدعم الحكومي، وقلة التخصيصات المالية الممنوحة لدوائر الرعاية الاجتماعية أصبحت تشكل عقبة كؤوداً في طريق دعم المحتاجين والمعوزين.

2. الفساد: تعزز مضامين التقارير الرسمية والأخبار اليومية الحديث عن وجود حالات فساد كبيرة في برامج الرعاية الاجتماعية في ظل الأرقام الخيالية والكبيرة، والأسماء الوهمية من قابضي المنحة التي تقدم في بغداد وباقي محافظات العراق ممن وصل عددهم إلى أكثر (17) ألف اسم وهمي في بغداد وحدها، وهي حصيلة ما اكتشف بحسب تلك التقارير.

ولم يعد الأمر خافياً أو مجرد ادعاء ولا سيما بعد أن أعلنت وزارة العمل إحالة ( 76) موظفاً إلى القضاء منهم (2) بدرجة مدير عام، في حين أكدت استعادتها لعشرات المليارات واستبعادها لعشرات الآلاف من المتجاوزين ممن كانوا يتقاضون مبالغ مالية بدعوى أنهم تنطبق عليهم الشروط اللازمة.

كما لا ينسى العراقيون إختفاء مليار دولار خصصته وزارة المالية لتمويل الرعاية الاجتماعية عام 2010، مما أفقد الكثير من الأرامل ومستحقي الدعم رواتبهم من الرعاية الاجتماعية، حيث طالب نواب عراقيون بالكشف عن الفاسدين والمتورطين في هذه القضية، ولكن إلى الآن لم يتم الكشف عن المتورطين في تلك العملية.

3. سوء التخطيط:  تتعثر برامج وخطط الرعاية الاجتماعية في العراق اليوم فضلاً عن ضعف الدعم واستشراء الفساد بسبب سوء التخطيط.

ويشير المهتمون بالملف الاجتماعي إلى وجود سياسة اجتماعية خاطئة تتبع في العراق وتؤثر سلباً عليه، وفي مقدمة ذلك الإجراءات التي تربط الدعم بشروط صارمة ليس من السهل تحققها وهو أمر يثير الاستغراب مع آلاف الأسماء الوهمية التي تم كشفها وربما يكون الأمر تعبيراً عن تواطؤ بين جهات عدة مستفيدة تحرم الكثيرين من تلك المنح.

كما إن شبكات الرعاية الاجتماعية تركز عملها اليوم بشكلٍ أخص على العجزة والمعوقين والأرامل، ولا تهتم بدعم العاطلين عن العمل من الشباب بغية انتشالهم من محاولات البعض تسخيرهم في أعمال غير مشروعة، أو سلوكهم مسالك لا تتفق مع خطط اعمار العراق من مثل تفكيرهم بالهجرة إلى الخارج بغية الحصول على فرصة عمل، أو لجوئهم إلى التجارة غير المشروعة للحصول على الأموال.

وختاماً، فإن عمل شبكات الرعاية الاجتماعية ينتظر منه اليوم دوراً اكبر يتناسب والحاجة التي رأيناها، وهو أمر لن يتحقق مع بقاء الدعم الحكومي محدوداً، وارتفاع معدلات الفساد في مكوناتها، والعمل دون تخطيط سليم، مما يشكل جداراً صلباً في وجه العاملين على هذا الملف حتى وإن كانت النيات خالصة وسليمة.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى