الرائد نت
كلمة العددمجلة الرائدقصة قصيرة .. ضمائر ليلة العيد
325466442407

قصة قصيرة .. ضمائر ليلة العيد

 

ساعة ونصف أخيرة متبقية من رمضان والسوق التجاري مكتظ بجمهرة ضخمة من المتسوقين فخلف الدقائق المتبقية كان العيد ينُتظر قدومه.

وثمة شخص كان أسمه اللغوي والنحوي من غرابته متجسداً فيه جميع ضمائر المتكلمين المنفصلة والمتصلة على حد سواء.

كانتا عيناه متسمرتان على فستان أصفر بنقوش وخطوط متقاطعة حمراء معروضاً بمتجر ضخم للألبسة كان ثمنه هو ما تبقى في جعبته ما سبب صراعاً بين اتجاهات الضمائر المختلفة فيه.

بمكان آخر وبمنزل متواضع بابه الخارجي متصدع وباحته الصغيرة غير مغطاة بالأسمنت وكذلك جدرانه المتعبة.

كانت الأرملة الشابة ذات البشرة السمراء تقلص عضلات وجهها بتأثير الحرارة المنبعثة من فوهة تنور الخبز، مسابقة وقتها للإنتهاء من طلبية للجيران متأخرة.

– لم تشتري لي فستاناً.

قالت شهد ذات الأعوام الخمس وهي تمط شفتها السفلى وعلامات الحزن مرسومة على وجهها الطفولي.

كانت المرأة الشابة تعد قرص عجين آخر للصقه داخل التنور الغازي فتأملتها بعينين ضاحكتين وحرجتين.

– إستغرقني العمل..إمهليني لصباح الغد.

– تكذبين علي.

قالت للمرأة المسنة الجالسة على مقعد من الخشب قربها.

– أيرضيك “عمة” ما تقول عني.

ضحكت الجدة قائلة:-

– عيب ما تقولينه لأمك..اعتذري منها.

اكتسى وجه الطفلة بالتمرد وردت وسط دموعها:-

– لن أفعل..فهي دائمة الكذب علي..وغداً سيأتي العيد وأنا الوحيدة دون فستان.

هربت باكية غير مبالية بنداء المرأتين خلفها، قالت المرأة المسنة:-

– لما لم تبتاعِ لها الفستان.

– وقتي كان مضغوطاً بصدق.

في المساء كانت تتصنع النوم وأمها بجانبها تقاسي لإرضائها وحينما يئست من دلالها نهضت مبتعدة حينما سمعتها تقول خلفها:-

– لو كان أبي حياً لما تركني دون “عيدية”.

شعرت بوخزه مؤلمة في صدرها واكتسى وجهها بنظرة حزنٍ جادة واقتربت منها وقبلتها على رأسها:-

– حقاً ما تقولينه.

وتركتها هاربة مخنوقة بدموعها وبقت الطفلة وحيدة في سريرها، كان السكون يغلف المكان فأخذت تتنصت لدقات عقارب الساعة الجدارية الرتيبة تناهى إليها خطوات متفرقة آتية نحوها.

فتح الباب وأطل وجهٌ رجل اسمر بشوش تكاد تتذكره من مكانٍ ما، تأملته مرة أخرى بتركيز أكبر كان في عنقه ثقب رصاصة غادرة من آثار حادثة اختطافه على أيدي ميليشيا موت سوداء منذ أربع سنوات وثلاثة شهور وخمسة أيام.

شهقت فقد تذكرت أين.. ومتى..وكيف..رأت ملامحه للمرة الأولى معكوساً بجلال داخل ألبوم صور والدتها، عانق بعضهما الآخر بشوق كبير.

– أين كنت.؟.

وقبل أن يجيبها..ضحكت هي من سؤالها:-

– كيف أسألك..في الجنة طبعاً.

حدق فيها مبتسماً هو الآخر وقبلها من وجنتيها، عانقته مرة أخرى بشوق شديد وصارحته بسرها:-

– أمي لم تبتاع لي فستاناً للعيد.

ضحك بصوت هادئ وحنون جداً كالذي تصورته دوماً في خيالها الذي كان يتجاوز دوماً حدود حياتها:-

– ولكنها تحبك كثيراً.

حركت رأسها بالإيجاب.

– أعرف ذلك.

طبع على رأسها قبلة أخرى ومن ثم ناولها علبة كان فيها فستان اصفر مطرز بخطوط حمراء متقاطعة.

– هذه “عيديتك”.

تفحصت الفستان بفرح كبير غير مصدقة فقد كان شكله ولونه تماماً كالذي تمنت ارتدائه صبيحة العيد، ومن ثم تطلعت نحوه بود كبير وسألته:-

– هل ستبقى لتعيش معنا.

– كلا على الذهاب الآن..ولكني سأكون موجوداً كلما احتجتني.

– لن تصدق أمي وجدتي زيارتك.

– المهم أن تصدقيها أنتِ.

مع تكبيرة العيد في صبيحة اليوم التالي كانت شهد لا تزال تحلم بالفستان الأصفر الموضوع بجانب رأسها.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى