الرائد نت
مجلة الرائدواحات الإيمانالعشر الأواخر..وقود الانتصار
1320599177

العشر الأواخر..وقود الانتصار

 

منذ عقود وصورة شهر رمضان تتشكل في الذهن المسلم بموائد الطعام، وتوزيع الحلوى، وممارسة الألعاب الشعبية وصولاً إلى إنتاج عشرات المسلسلات الدرامية ــ التي لا تخلو من مخالفات شرعية ـــ في عصر الفضائيات.

ولا يعلم الكثيرون اليوم ــ والحالة هذه ــ أن لهلال رمضان جانباً آخر بعيداً عن كل ما ألفوه، فهم لا يعلمون الذاكرة التاريخية لتلك الأيام المباركة، أو معاني الصيام الحركية التغييرية، أو حتى مستويات أيامه وقيمها.

ففي الصوم قوة روحية تدفع إلى العمل والعزم والإرادة، ومن عظم المشقة الواقعة تنجلي القلوب حتى تصل إلى جوهرها النقي، فتنطلق خفيفة لأداء الطاعات والعبادات بفرح وسرور، وفي مدرسة رمضان دروس عملية لإعداد النفس المؤمنة التي ترتقي وصولاً لذروة سنام الدين (الجهاد).

ولذلك ــ وتمثلاً لتلك المعاني من قبل جيل الاقتداء ــ كانت شهور رمضان المتتابعة أيام الانتصارات والفوز والعطاء، وفيها صور الفداء والتضحية والإقدام الذي كان أصحابه يتسابقون إليها وهم ينظرون مقاعدهم من الجنة منطلقين إليها بأجسادهم الهزيلة العطشى لرضا الله. في رمضان كانت معركة بدر وفتح مكة والأندلس وحطين وعين جالوت، ومن يتصفح كتب التاريخ أو يقلب أوراقه تبرز أمامه صورة مشرقة للشهر العظيم، اتسمت بالعزة والكرامة والسؤدد والبسالة والانتصارات والفتوحات والتقوى والمغفرة، فإذا قلنا أن رمضان شهر الجهاد فهو قول يحمل مصداقه التاريخي دون جدال.

ولذلك فالخطوة الأولى في إدراك عظم قيمة هذا الشهر إنما تكمن في تغيير تلك الصورة النمطية الشعبية التي ترسخت وتراكمت عبر عصور الضعف والتراجع والانكسار، حين ذابت روح الإبداع، وأقفلت أبواب الابتكار، وتحول الإسلام إلى إنتماء شكلي لا روح فيه ولا حياة.

وعلينا كذلك إدراك أن الشهر الفضيل هو شهر المشاريع الإستثمارية، وفرصة زيادة الحسابات المودعة عند الله (عز وجل)، حيث تتضاعف الأجور، وتزداد الحسنات، ومنها مشروع العشر الأواخر من رمضان حيث تقف تلك العشرة محطة مهمة في صناعة الانتصار، فهي زبدة الشهر وثمرته، وموضع الذؤابة منه..

ولقد كان الرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم) يعظّم هذه العشر، ويجتهد فيها اجتهاداً حتى لا يكاد يقدر عليه، فما أحرانا نحن أن نقتدي به (صلى الله عليه وسلم) فنعرف لهذه الأيام فضلها، ونجتهد فيها، لعل الله أن يدركنا برحمته، ويسعفنا بنفحة من نفحاته.

فقد دلت الأحاديث النبوية على فضيلة العشر الأواخر من رمضان، وشدة حرص النبي (صلى الله عليه وسلم) على اغتنامها والاجتهاد فيها بأنواع القربات والطاعات، فهي أيام معدودة ما أسرع أن تنقضي وتُطوى صحائفها، ويُختم على عملك فيها والمرء لا يدري هل يدرك هذه العشر مرة أخرى أم لا، بل لا يدري هل يكمل هذه العشر، ويوفّق لإتمام هذا الشهر ؟!.

فلا بد لنا أن نخلع رداء التكاسل، ونعقد العزم على أن تكون هذه العشر مختلفة عن غيرها، وليس من منهج عظيم نتبعه أفضل من منهج النبي الخاتم (صلى الله عليه وسلم) الذي كان يقوم به حين تحل هذه الأيام العشرة ، حيث كان أشد ما يكون حرصاً فيها على الطاعة والعبادة والقيام والذكر، ومن أهم هذه الإعمال :

1. أحياء الليل، فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة (رضي الله عنها) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله.

2. إيقاظ الرجل أهله للصلاة، فمن هديه (عليه الصلاة السلام) في هذه العشر أنه يوقظ أهله للصلاة، وهذا حرص منه (عليه الصلاة والسلام) على أن يدرك أهله من فضائل ليالي هذا الشهر الكريم ولا يقتصر على العمل لنفسه ويترك أهله في نومهم، كما يفعل بعض الناس وهذا لاشك أنه خطأ وتقصير ظاهر.

3. شد المئزر، والمعنى أنه يعتزل النساء في هذه العشر وينشغل بالعبادة والطاعة وذلك لتصفو نفسه عن الأكدار والمشتهيات فتكون أقرب لسمو القلب إلى معارج القبول وأزكى للنفس لمعانقة الأجواء الربانية.

4. الاعتكاف في المساجد التي يصلي فيها، فقد كان هدى النبي (صلى الله علية وسلم) المستمر الاعتكاف في العشر الأواخر حتى توفاه الله كما في الصحيحين عن عائشة (رضي الله عنها)، والاعتكاف ينطوي على سر عظيم وهو حماية العبد من أثار فضول الصحبة وفضول الكلام وفضول النوم وغير ذلك من الصوارف التي نفرق أمر القلب ونفسدُ اجتماعه على طاعة الله.

5. تلاوة القرآن الكريم بتدبر وخشوع, واعتبار معانية وأمره ونهيه فهذا شهر القرآن, وقد كان النبي (صلى الله عليه وسلم) يدارسه جبريل (عليه السلام) في كل يوم من أيام رمضان حتى يتم ما أنزل عليه من القرآن وفي السنة التي توفي فيها قرأ القرآن على جبريل (عليه السلام) مرتين.

إن شهر رمضان هو باب للإنتصارات وعنوان له، وإدراك تلك الإعمال في عشره الأواخر إنما هو أول الانتصار على النفس ومنها الطريق لقوة الفرد والأمة، وبها تمكن جيل القدوة من تحقيق انتصاراتهم وهم صائمون .. قائمون .. عابدون.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى