الرائد نت
5838681996_9a1cc64d9e_o

قصة قصيرة … الوعد

 

كان يحلم بجنازته حينما استفاق من قيلولته وهو يشعر بوجع بمقدمة رأسه، أغمض عينيه لثواني، كان ذا لحية طويلة بيضاء ناعمة وعينين حادتين ووجه نحيف وبرغم تجاوزه عامه السبعين إلا إنه كان يتمتع بوسامة المسنين.

تحسس بقدميه العاريتين نعاله و تمشى للمطبخ، كانت زوجته تعد شاياً وجبناً لاحت على تقاطيعها ابتسامة:-

– أعد لك وجبة سريعة ؟.

هز رأسه بالنفي وارتمى بحضن كرسي مشمع أمام منضدة طعام:-

– إعطني شاياً مراً.

قالت وهي تضعه أمامه:-

– تبدو متعباً.

– بتّ أشعر بأنيابه قريبة.

قالت مواسية:-

– سيكون عليك ترك مكان لي بجانبك.

مازحها:-

– تلاحقيني حتى في قبري.

– أنا كذلك !؟.

اعتذر مبتسماً:-

– بل..نعم الزوجة.

تناول رشفتين من الشاي راودته خاطرة فسألها:-

– وأين “مودة”..؟.

– بغرفتها مشغولة بهذا الذي …

– “فيسبوك”.

– هو هذا..لا أدري من أين يجيئون بهذه الأسماء.

طرق باب غرفة جانبية أطلت “فتاة” في الواحدة والعشرين ربيعاً:-

– رغبت بإزعاجك.

– “نورت الغرفة”.

جلس قريباً من حاسوبها.

– هذا هو “الفيسبوك”.

ردت بابتسامة خجولة:-

– بالأعلى صورتي الرمزية وأسفلها مشاركاتي والأصدقاء يساراً.

كان ينصت بتركيز حينما ظهر تنبيه فسألها:-

– وما هذه..؟.

– تعليق من إحدى زميلات الجامعة.

قال بتعجب:-

– “وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً”.

تطلع نحوها:-

– سترافقينني لدائرة العقارات..أخاف عليك جور الأشقياء.

قبلت يده:-

– سأفعله فقط لإرضائك.

مسح لحيته:-

– ستحين الصلاة..الن تأتي معي..فلديك حلقة بنات.

– سألحقك..لدي بعض مشاركات الفيسبوك لشهر رمضان.

– إفعلي ذلك.

بالمسجد وبعد أن إئتم بالمصلين أعطى محاضرة عن (حقيقة الموت)..وبمصلى النساء المجاور كانت “مودة” تستمع لفتيات صغيرات.

أخطأت إحداهن..فضربت “مودة” مسند القرآن الخشبي برقة منبهة إياها..ولكن الفتاة أعادت الخطأ فأعادت ضرب المسند..بالمرة الثالثة أوقفتها مبتسمة:-

– لم تحفظي جيداً..

حركت الفتاة رأسها بالإعتراف.

– أعلمكم طريقة سهلة نقول “عَمَّ يَتَسَاءلُونَ”..ونجيب أنفسنا “عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ ” وما هو “النَّبَإِ الْعَظِيمِ ” فنقول ” الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ “..وهكذا.

تطلعت بالساعة فقالت:”انتهى درسنا”..ورفعت يدها “سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ”.

كان الشيخ هو الآخر بطريقه للمغادرة حينما أوقفه جماعة وسألوه مرافقتهم لجلسة “صلح” إعتذر: قائلاً “أنا مرهق” ولكنهم ألحوا بأن وجوده سيكون ضرورياً.

كانت علامات التعب تنضح من عينيه فأشار لهم علامة الموافقة كانت “مودة” بانتظاره فاخبرها بأمر ذهابه.

في الحادية عشر مساء بدى القلق يتسرب بنفس المرأتين..اتصلت “مودة” على هاتفه النقال، ولكنه لم يجب، في الواحدة ليلاً توقفت مركبة أمام منزلهم خرجت مسرعة كان اثنان يقودانه قال أحدهما:-

– أغمي عليه ونقلناه للمستشفى.

أوصلاه لسريره كان وجهه مصفراً، ويئن بصوت خافت، تلألأت دمعة على وجنتها، اقتربت وقبلت يده باكية..شد على كفها وخاطبها وهو مغمض العينين:-

– لا تخافي لن أموت الآن.. فهكذا وعدت.

قالت أمها:-

– إنه يهذي..

في الصباح الباكر جلست قريباً من سريره فتح عينيه خاطبها مبتسماً:-

– أجمل وجه أبدأ به نهاري.

أعانته على الجلوس..قال وهو يمتعنها جيداً:-

– خيل إلي أنكِ بكيتني البارحة.

– نعم.. “ابتسمت”.. وأنت قلت أشياء غريبة.

– بماذا تفوهت.

ضحكت وحدثته عن وعده الذي حصل عليه، فأخذ يضحك حتى دمعت عيناه ثم قال متأثراً:-

– ليلة أول البارحة دعوته صادقاً ” اللهم وعدك الذي ذكرت..ادعوني استجب لكم..اللهم بلغني رمضان”.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى