الرائد نت
dfgdf

لاتنتظر الامتحان

 

أكثر من 22 عاماً قضيتها في الدراسة، أكملت فيها تخصّصين فضلاً عن دراسات عليا.

إلاّ أنني لا أذيع سراً عندما أقول أن امتحاناتي التي أنجزتها في تلك السنين يسيرة وسهلة إذا ما قورنت بامتحانات الحياة.

عندما كنا طلاباً كان أساتذتنا ينصحوننا دوما أن لا ننتظر الامتحان لكي ندرس، لأن الوقت لن يسعفنا.. وكان عندنا متسع من الوقت لندرس ونتهيأ للامتحان (وقد كنت ولا زلت اكره هذه الكلمة وأفضل عليها كلمة الاختبار).

وكان الأذكياء يحضرون دروسهم يوماً بيوم، وعندما يحين موعد الامتحان يقبلون عليه بثقة ويخرجون منه بدرجات عليا.

وعندما فارقتُ مقاعد الدراسة ودخلت مدرسة الحياة وجدت الوضع مقلوباً.. فقد كان عندنا هناك في المدرسة معلم يعلمنا وينبهنا ويؤدبنا، أما في مدرسة الحياة فلا احد يعلمك إلا نادراً، وقد يعلمك بأسلوب ينفرك ويبعدك عن الحق، وإذا أخطأتَ وجدتَ اللوم حاضراً ولا أحد يعذرك.

في مدرستنا العادية كنا نقرأ منهجاً معلوماً ونمتحن فيه.. أما في  مدرسة الحياة فكل حركة وقرار تتخذه يحتاج إلى منهج خاص وفهم خاص، وهذا يتطلب منك التعب والبحث عن ناصح أمين ليفهمك ويعلمك كي لا تتورط فيما لا تعلم.

في مدرستنا عندما كان الطالب يرسب في الامتحان يُعطى فرصة ثانية وثالثة ليعوض ما فاته.. أما في مدرسة الحياة فالامتحان مرة واحدة وقد لا تجد فرصة أخرى أبداً.

في مدرستنا كان الامتحان يأتي في موعد محدد، وله وقت محدد، أما في مدرسة الحياة فان الامتحان يأتيك فجأة وسواء كنت جاهزاً أم لا، فإن الحياة لا تعذرك ويمكن أن تفشل في أتفه الامتحانات.

واغرب ما اكتشفت واخطر ما اكتشفت أن الامتحان في مدرستنا يأتي بعد الدراسة والتحضير ، فأنت تدرس وتتعلم ثم تمتحن..

أما في مدرسة الحياة فان الامتحان يسبق التعلم.. فالحياة تمتحنك أولا ثم تتعلم منها الدروس والعبر إذا أردت.. وان لم تتعظ فهناك امتحانات أقسى بانتظارك.

وما أجمل حكمة الشاعر حين ترجم هذا المعنى فقال :

هي الدنيا تقول بملء فيها             حذارِ حذارِ من بطشي وفتكي

فلا يغرركموا مني ابتسام              فقولي مضحك والفعل مبكي

هكذا وجدتُ مدرسة الحياة.. تمتحنُ لتعلّم .. وغالباً ما يكون امتحانها صعباً ومبكياً.

الذكي الذي يبحث عن النجاح لا يتكل على نجاحه في مقاعد الدراسة وشهاداتها بل يستمر في التعلم والتعلم ولا يكف عن البحث والتعلم مهما تقدم في العمر ومهما زادت الأعباء، دائم البحث عن علم جديد.

العلم بالله وبسننه في الحياة وبما يرضيه تعالى .. والعلم بنفسه وخيرها وشرها .. والعلم بالناس وطبائعهم .. والعلم بطرق الخير ووسائل نشره .. والعلم بالسعادة وينابيعها .. والعلم بالشيطان ومكائده .. هذه نماذج للعلم المطلوب وضاعفها مائة ضعف كي تتهيأ لامتحانات الحياة التي تواجهك يومياً .. ولتعيش بأمن وسلام مع نفسك ومع الآخرين، ولتكون ناجحا في دنياك وآخرتك.

إن الذي يأخذ نفسه بالأدب ويهيئ نفسه لامتحانات الحياة بالعلم والتقوى بنية صالحة وقلب سليم سيعينه الله تعالى ولا بد على اجتياز هذه الامتحانات.

أما الذي يعيش (سبهللاً) لا هو في أمر الدنيا ولا في أمر الآخرة ولا يؤدب نفسه.. فأنا اضمن له أن الحياة ستؤدبه قبل أن يموت، وستُبكيه كثيرا على ما فرط .. لأنه لم يفقه أن مدرسة الحياة غير مدرسة الحكومة..

ولم يتعلم أن الحياة تمتحن الغافلين ليتعلموا فان لم يتعلموا ستُصَعِّب الامتحان في المرة القادمة..

ولم يفقه أن الحياة تمتحنُ ثم تعلم..

وهكذا سيُمضي حياته يتقلب بين المِحن والامتحان..

لذا أذكرك أيها الساعي إلى النجاح بما بدأتُ به … لا تنتظر الامتحان.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى