الرائد نت
أسرة وطفلمجلة الرائدقصة قصيرة زائر الليلة الشتوية
youjj

قصة قصيرة زائر الليلة الشتوية

 

تنتمي قصتنا لزمن أنقضى ولكن آثارها لا تزال ماثلة تنضح وجعاً وإيثاراً وطيبة في حياة أبطالها الحقيقيين.

والأرض حينئذ تنوء بغرباء لا يفهمون بأن للوطن المقهور عبقاً سيلفظهم، والأزقة والجدران والشوارع تتنفس على أجساد أبنائها خلافات الوطن الأزلية.

تلاشت آخر خيوط الضياء واكتسى الأفق الشتوي بالعتمة فيما شاب بالعشرين يمشي بخطوات متثاقلة بطريق غير معبدة وعلى رأسه صندوق ملابس مستعملة.

وهو بالكاد يهتدي بأضواء القناديل الخافتة المنبعثة من المنازل المتناثرة إلى مكان سكناه بآخر الحي.

أحس بنفسه يائساً فاستذكر بعبرات صامتة حينما وجدوا أبيه مستودعاً بمجمدات ضحايا الوطن العديدين مزدحمة بهم الزوايا ومرميين بعزلة كئيبة.

كانت ليلة طويلة من البكاء عليه و ثلاث نساء أمه وأختيه، وفي اليوم السابع من النكبة جمعتهم أمه وعرضت أمامهما ورقة تهديد بالتهجير بحجم كف اليد وكان قرارها:-

– لن يتحمل قلبي فاجعة أخرى.

وفي منطقة نائية على أطراف العاصمة منازلها المتواضعة متناثرة اختاروا نزلهم الجديد كمستأجرين.

وبدا نزلهم المكسو سقفه بصفائح “جينكو” مثقبة أشبه ما يكون بمنزل ينتمي لعصور سابقة من الحضارة.

في أيامهم الأولى تدبروا أمورهم بصعوبة، فقد كان الشاب الذي اضطره التهجير لترك دراسته الجامعية يفرش بسطية للملابس المستعملة على مشارف منطقة سكناهم.

ولكن ذات صباح اكتشفت أمه بأنهم استنزفوا آخر ما كان يدخرونه وأملت نفسها بأن يبيعوا ذلك اليوم إحدى قطع الملابس المستعملة.

وأمضت يومها على هذا الأمل حتى كان الغروب حينما وصل الشاب أخيراً دلف لغرفة المطبخ وفتح باب “الثلاجة” بفعل العادة وحده فهو كان علم منذ الصباح إنها فارغة.

وجد عائلته في غرفة الجلوس مجتمعين حول فانوس نفطي يضيء جانباً من الغرفة، حياهم بابتسامة متعبة وطبع قبلة على رأس والدته:-

– لم أبع أي شيء.

ارتسمت على محياها ابتسامة هادئة وحزينة وربتت على كتفه:-

– لا باس عليك..تفرج.

قالت صغرى شقيقاته ضاحكة:-

– بطني “تغرغر” من الجوع.

حدق كلاً منهما بالآخر ما عساهم يفعلوا بليلة طويلة من الجوع في النهاية زجرتها أمها بنظرة قاسية ومعاتبة:-

– قوموا لنصلي عسى الله ان يجعل فرجاً.

بعد أول ركعتين سمعوا طرقاً على باب، توجست الشقيقتان جزعاً “من عساه يكون” ونظرت الأم من خلال فتحة الباب الضيقة:-

– كأنه رجل.

تناولت المرأة الفانوس لتخرج ولكن أبنها اخذه منها وسار بأقدام مرتبكة تتبعه والدته تأمل بصعوبة وجه رجل خفيفة:-

– تفضل يا عم.

– عندي لكم أمانة.

قرب الفانوس انتفض فؤاده بشدة كانت له “عينا والده” سرعان ما ابتعد الرجل للخلف فلم يتمكن من رؤية ملامحه جيداً وأشار له لكدس موضوعة أمامه.

تفحص وأمه ثلاثة أكياس من الطحين والرز والسكر وبعض من قناني الزيت حينما رفعوا رأسهم تفاجؤوا لم يكن موجوداً.

حينما تفحصوها للمرة الثانية وجدوا بأنه ترك فوقها ظرفاً مغلقاً، حينما فتحوه بحضورعائلتها وجدوا بداخله مبلغاً من المال فقالت الأم باكية..

– ألم أخبركم بأن الله سيجعل لنا فرجاً.

وأضافت مخاطبة أبنها:-

– سترجع لدراستك..

وكأن الفرج كان أختط قدره مع يد أصحاب الخير.

مر وقت طويل كان الشاب قد أتم تعليمه ويستعد لإكمال دراسته العليا لكنه لا يزال يتذكر بحنين زائره الغريب متسائلاً من أي مجهول جاء..؟ وأين رحل..؟ ومن أرسله..؟.ولكم تذكر عيناه بعيني أبيه.

 

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى