الرائد نت
الحياة بعين واحدة

الحياة بعين واحدة

كثير من البشر يعيشون بعين واحدة.. فينظرون إلى الحياة من ثقب ضيق، ولا يرون إلاّ مساراً واحداً لحياتهم.. وحلاً واحداً لمشاكلهم.. وطريقاً واحداً للنجاح.. وأسلوباً واحداً في العبادة.. ورأياً واحداً لا يحيدون عنه، وكثيراً ما ترى الفشل رفيقاً مصاحباً لهم في حياتهم.

وسأروي لك قصة فيها دلالة على ما نريد:

يحكى أن فلاحاً عجوزاً هرب حصانه الوحيد، ولأن جيرانه يعرفون أن الحصان عماده الأساسي في حياته فقد توافدوا عليه لمواساته، لكنهم عجبوا حين واجههم الشيخ بقوله “ومن منا يعرف أين الخير وأين الشر؟ ” وكأنه يرفض مواساتهم.

بعد بضعة أيام عاد حصانه مصطحباً معه حصاناً برياً، وتوافد أصدقاء العجوز مهنئين له، وأيضا فوجئوا برفض العجوز لتهانيهم قائلاً “ومن منا يعرف أين الخير وأين الشر؟”، لم يمضِ سوى بضعة أيام حتى حاول ابن الرجل العجوز أن يمتطي ظهر الحصان البري، فأطاح به من فوق ظهره وانكسرت ساقه، وتوافد الأصدقاء ليعبروا عن حزنهم لمأساة الابن، فقال لهم العجوز كعادته “لا أحد منا يعرف أهذا خير أم شر؟ “، وبعد أسابيع أتى مندوبو الجيش إلى القرية لتجنيد القادرين على حمل السلاح من الرجال إجبارياً لخوض الحرب، وبسبب إصابته أعفي ابن العجوز من الخدمة.

هذه القصة الرمزية تعطي انطباعاً عن عالمنا المتغير المليء بالمتناقضات ، فقد نحكم على شيء اليوم، ويتبين لنا عكسه غداً.

فالحياة لا تُفهم دائماً بظواهرها، بل هناك أسرار ووجوه أخرى لحوادث الحياة تتطلب منا نظراً وتأملاَ دقيقا، وكلما تقدم بي العمر وظننت أني قد فهمت جانبا من الحياة يأتيني موقف ما يثبت لي أني ما زلت في قمة الجهل بأسرار الحياة وتقلباتها وطبيعة النفس البشرية وسلوكها.

وهذه حكمة إلهية توقف الإنسان المتأمل المفكر عند حده ، فلا يتملكه الغرور والعجب بعقله وذكائه ، فكأنها تخبرنا بلسان الحال وتقول ” تعلم ما شئت وسأثبت جهلك بأصغر عقبة في طريقك ”

وحتى تعيش حياتك بأقل الخسائر وتحقق فيها أفضل النجاحات.. لا تستعجل بالحكم على الأمور حتى تتضح لك كالشمس في رابعة النهار.. لا تجادل في ما ليس لك به علم.. كن دائم البحث عن الحقيقة، وإذا ظننت أنك وجدتها فتأكد من أنها فعلا هي الحقيقة وليست وهما في عقلك فقط.. لا تقلد الآخرين بغير علم وكن ناقدا فطناً ( وليس معترضاً سخيفاً ) فهناك فرق بين النقد الذكي والاعتراض السخيف الذي يُهرج به بعضهم بدون علم لمجرد إظهار النفس، وكثيرا ما قابلتُ هذا النوع من البشر الذي يعترض فقط ليتبجح أنه اعترض على فلان وغلبه ( بظنه).

إذا واجهتك مشكلة فانظر إليها من كل الجهات الممكنة ، وإذا ناقشت أمراً فاستحضر من وجوهه ما استطعت.

إذا أردت أن تعترض على من هو أسن منك أو أكثر علما أو مقاماً فليكن اعتراضك بشكل سؤال مؤدب وكأنك تستفهم فتقول مثلاً ” الم يكن الحل – كذا – أفضل برأيكم من الحل الذي طرحتموه ” ثم ناقش معه رأيكَ.

ولا تقل ” أنا رأيي أن الحل الذي طرحته خاطئ، وكان الأفضل أن يكون كذا ” فهذه سماجة في عرف الأدباء ، وجهالة في عرف العلماء.

لا تكن متوتراً وحدِّياً إذا عرضتَ رأيك، وابقِ لك مساحة من المرونة كي تستطيع فيما بعد أن تتراجع إذا ثبت لك العكس.

استخدم كل حواسك بدقة وبراعة، فالله تعالى أنعم بها علينا لنصل بها إلى النجاح في الدنيا والآخرة.

ولا تنظر إلى الحياة بعين واحدة فتخسر الكثير من العلم والحكمة والسعادة ولا تنس قول الله تبارك وتعالى (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ)، سورة يوسف: الآية (76).

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى