الرائد نت
النازحون في العراق

حوار عن النازحين

الكاتب: محمد عبد الرحمن

حديث دار بيني وبيني: كنا نعيش في امان واستقرار ولنا بيت يأوينا وقد وسع الله علينا بعدد الغرف ما يكفينا، ومن المساحة ما تريحنا، ومن الاكل الطيب والمعاش الحسن والراتب المستقر والحمد لله.. وكنا نطمع بالمزيد والمزيد.

حتى اصابتنا امراض الشح والغفلة عن النعم، وتوالت علينا والينا وبنا ومنّا المصائب تلو المصائب، فبدأت بالأحداث الأمنية ثم تحولت الى الانتقال والترحال من مدينة لأخرى، بحثاً عن مأوى يجمعنا ويشعرنا بالاستقرار من جديد..

وقال الآخر: نعم.. لقد كنت في غفلة من هذا بل كنتم معرضين،..لقد حيزت لك الدنيا كل يوم: الصحة والأمان.. وكنت تلهو وتلعب وتأمن على نفسك واهلك ان لا تقع عليك المصائب، بالمصائب (حوالينا ولاعلينا) ونحن بأبعد عن كل شيء من حبل الوريد !!.. وننسى “اولم يروا انهم يفتنون في كل عامٍ مرةً او مرتين ثم لايتوبون ولاهم يذّكرون” ؟؟!!…

استغرق متأملاً واستدرك: لقد تغيرت فينا عدة امور تتمحور حول القناعة والرضا بالقليل والخوف من الجليل والاستعداد ليوم الرحيل، لقد كنا معززين ومكرمين في اوطاننا وبلداتنا، حتى لم نحمد الله على هذه النعم، فسلبنا الودود بعضاً منها لا جميعها، ليذكرنا بأهمية هذه الدار الفانية بأنها دار خيار وليست دار قرار.. وليتودد لنا بها حتى نرجع إليه

ثم قال له: نعم انها دار خيار، فمنهم من اختار ان يهجّر ويعاود طمعه من جديد، ومنهم من تنبه وفتح الله عليه وعاد الى رشده وقنع بالموجود راضيا بقضاء الله وقدره، ومستحسنا اعماله (احساناً واستزادة واستباق للخير) ومؤدياً لما له وعليه من فروض، ومستحسراً على ما فاته وفرّط في جنب الله.. خائفاً من مغبّة التقصير وعدم القبول والإخلاص..

ثم يعاودون الحوار من جديد لأكثر موضوعية ودقة في مفاهيم القناعات والرضا والقبول والراحة لما في اليد والنفس والعقل والروح.. لكن هناك امور مضادة كبيرة وأخرى عظيمة يحاربها الانسان كل يوم وهي تزداد شوطاً وشوقاً لارتواءها: الحرص وطول الأمل صفتان متلازمتان لكل نازح.. ولعل هذه من ابرز واهم الاسباب المولدة لمشاهدة الكثير بما ضر او زال او امتلك من قليل..

فقد رحل منا مئات الالوف من الاشخاص وأصحاب العوائل الكبيرة تاركين خلفهم كل آمالهم وأفكارهم وخططهم المستقبلية ليبدؤوا حياة لا يعرفون مداخلها او مخارجها،.. ومن جديد تحرك في انفسهم الحرص على صغائر الممتلكات البسيطة، ثم طول الامل بحياته وتفكيره: كيف سأكون عندما ارجع؟! ماذا لو كنت في المكان الفلاني في المنصب الفلاني ؟! كيف سأبدأ حياتي من جديد بعد عودة النزوح الى الأوطان كيف سأعمل.. ماذا، هل.. كيف.. اين..الخ.

وكأن الله مدّ له بالعمر والسنين، واعطاه وثيقة لتحسين حياته المستقبلية، وكأنه يتيقن، بصلاح العباد والعيال والمجتمع او حتى صلاح الوضع الحالي، وينسى انه عمره قصير لا يعلم في اي وقت يموت او تصيبه آفة او اجل في اهله او يأخذه الله لدار القرار..

وهكذا باتت بعض العوائل الاخرى تعوث في الارض فساداً، بعدما نجاها الله من غمها ومصائبها في الايام المنهارة امنياً، وهنا اتذكر قول الله تعالى: “فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في جهنم مثوى للكافرين”…

وقال سبحانه:

“أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا”.

وكثيرا ما نشاهد اليوم في كردستان من العوائل المحتشمة قد تغيروا بفعل تغير المكان، فاصبحت بناتهم ترتدي القصير والضيق وشبابهم يتردد للمقاهي وبعضهم تعلم على الاركيلة (بالجديد) والآخر يلهو ويبحث عن الحرام في اماكنها المخصصة هناك،.. ان تلك الاية العظيمة فيها عتاب الهي ورباني شديد جدا؛ وخلوني احجيها بالعامية:

وكأن الله تعالى يقول لنا: ياناس يا عالم يانازحين.. مو جنتوا بلحظة الخوف والشدة تدعوني وتتوسلون بيه وتترجوني انو افرج عنكم واخرجكم من هالمكان سالمين ؟! ووعدتوني انو تصيرون زينين وتجرون عدل وتصلون الفروض وتعبدوني بحق ؟!… ونجيتكم واستجبت الكم.. ثم ؟!!!!

 

ومن نجيتكم ؟!!… آآآآه.. واحسرتاه على العباد.. رحتوا على اللعب واللهو ورحتوا على المعاصي مثل كبل واكثر، ورحتوا تشركون ويايه الفلوس وحبيتوا المولات اكثر مني وتزورون المنتزهات والمقاهي والملاهي الساعات والساعات ولا كأنه اكو رب يعبد او اله يرجى .!!

وبديتوا تحرصون على جمع الفلوس وعجبتكم نفوسكم وغرتكم نعمكم ووضعكم.. وزين الشيطان الكم جمال الحياة والامن وزينتها، لكن: “وليتمتعوا فسوف يعلمون”..

وعندما نصل بالحديث عن الاية: بكلمة ” يكفرون” او “للكافرين”.. نتخيل بشار الاسد والمالكي والسيسي وغيرهم من الطغاة، وكان الامر لا يعنينا، وكان الله سبحانه لم يكن يكلمنا نحن خصيصاً قبل قليل.. وكأن القران لم ينزل لي..

سبحانك ربنا ما عبدناك حق عبادتك… نستغفرك ونتوب اليك..

فنسأل انفسنا: هل انا في حالة الاستدراك ام الاستدراج ؟!

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى