الرائد نت
maxresdefault

تمثيلية

 الأستوديو هو غرفة صغيرة، والديكور كرسي أعتراف وحيد وكئيب يستقر بأحد الجوانب، لحظة سكون تغلف الأجواء قبل بدأ إشارة التصوير لكلا المؤديين، يسأل الأول بصوت جاف و غليظ:- – أسمك الحقيقي..والحركي..؟. بضحكة مكبوته وهازئة:- – في الوضع الطبيعي إبراهيم..وعندما اتحرك أكون الشخص ذاته. – أحجي عدل يا غبي. ينهي المخرج المشهد التمثيلي المفترض بصرخة طويلة وعصبية، وهو يضرب أرضية الأستوديو بقدمه اليمنى بقوة: (cut..أقطع التصوير).ويصرخ بمساعده: (لماذا لم تحفظوه الحوار جيداً). أعترف بأني ونظراً لطبيعتي الخجولة لم أتخيل يوماً بالوقوف أمام عدسات التلفاز، والأمر الأكثر غرابة أن أكون نجم المشهد الذي تتوجه نحوه الأضواء دون حول مني ولا قوة، أما كيف حدث ذلك، وكيف، ولماذا..!؟ فهو الأمر الذي أحاول معرفته أو الخلاص منه. ها هم يتشاغلون بإعادة تصوير المشهد، جلبة المصورون، ومهندس الصوت، ومخرج أربعيني يعلو شعره المنفوش الشيب، ومن بين ثنايا بدلته غير المهندمة تفوح رائحة الخمر. عيناه المنزعجتان الغاضبتان دوماً محمرتان ومتورمتان، ربما من أثر ليلة ماجنة، الشتائم المنفلتة دون حياء تخرج من شفتيه على نحو طبيعي وغير متكلف تماماً. أن دوري المفترض هنا أن أكون “متهماً” مع ما يعنيه من كدمات زرقاء في وجهي، وقيود تحيط بمعصمي، ومحقق عابس يقرب مني ميكرفونا. مجدداً يعطي المخرج أوامره على نحو متتابع: كاميره – صوت – أضاءه (..stand by استعداد)، يصبح الأمر أكثر حزماً وترقباً مع العد التنازلي:  1-2-3 (..cueأبدأ). – نعرض عليكم أعترافات أحد الإرهابيين “يقرب الميكرفون” أسمك؟ عمرك؟ مهنتك؟. – مواطن، مهنتي عامل بناء، أتممت الخامسة والثلاثون، أب لطفلين أمنيتي في الحياة أن أراهم…”يقاطعه المخرج”:- – cut..راح تحجي قصة حياتك..ركز على الأسئلة..”يشير بيده أستعداد”cue . – ما هي تهمتك..؟. – أتمنى لو تخبرني أنت !؟. يضربه بالميكرفون بقوة على مقدمة رأسه “أشعر بمس كهربائي يتملكني من أعلى رأسي حتى أخمص قدمي” يكفهر يكفهر وجه المخرج وتتقد عيناه شرراً يصفعه على وجهه، المساعد هو الآخر يجذبه من مقدمة شعره ويلطمه كف قويه على رأسه، يلقنونه الحوار المفترض، وبتنبيه شديد اللهجة: (لا أخطاء أخرى..(cue. – كيف فجرت القنبلة..؟. يقف على قدمه:- – بالله عليك وقت الانفجار كنت عائداً من عملي. – أوقف التصوير..أوقف التصوير. يجتمع الكادر حوله ويدورون بحلقة كرقصة هنود حمر ولكن بهراوات قاسية ورفسات وصفعات مدوية: (لا أخطاء مجدداً). – ما هي تهمتك..؟. – كل شيء. – كل شيء ماذا..؟. – قتل، أغتصاب، أختطاف. – كم ضحية..؟. – لم أعد أذكر كانوا بالعشرات. – وأين ذهبت أنسانيتك،  كيف أرتضيت أن تكون خائناً لوطنك، وماءه وترابه، كيف أرتضيت أن تكون سرطاناً في المجتمع الذي أحتضنك. أحمر وجهه توتراً:- – بالله عليك..تعرف كل هذا كذب. – (cut)، يعلقونه من قدميه مقلوباُ بالمروحة السقفية، يعيدون ذات الكرة من أعادة تصوير المشهد والتلقين. – ألم يؤنبك ضميرك، يوماً..؟. – كانت ساعة شيطان..؟. – بل أنت الشيطان بعينه، وسنستأصلكم عن بكرتكم. يبتسم المخرج ويهز رأسه علامة الرضا، فالحوار يجري كما هو مخطط تماماً، ويشير بيده للمقدم بالاستمرار. – هل تشعر بالندم. – أبداً..فالأمر مع نفسي كان أشبه بتمثيلية. يسحب المخرج أنفاسه بتنهيدة طويلة: ((SOPT، وأخيراً أتممنا التصوير، ينادي مساعده بكثير من الاستعجال والحماسة:- – أدخلوا المتهم الآخر.  

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى