الرائد نت
مجلة الرائدنبض العراق“فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا” الشعور بالعجز مفتاح الوصول للعبودية
shof

“فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا” الشعور بالعجز مفتاح الوصول للعبودية

الله (عز وجل) هو خالق كل شيء، هو الذي خلق الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب، وهو سبحانه الذي خلق الإنسان.

الله (عز وجل) هو الحي القيوم، يدبر أمر السماوات والأرض وما فيهن، فهو الذي يجري السحاب، وينزل المطر، ويحرك الرياح، ويخرج النبات، ويرعى الحيوان والإنسان، فما من دابة إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها.

سبحانه وتعالى، وإن أجرى الكون على قانون السببية إلا أنه هو الفاعل من وراء كل سبب، فالماء يروي بإذنه سبحانه، والنار تحرق بأمره، ولا يشبع الطاعم ولا يأمن الخائف ولا يصل الراكب إلى مبتغاه إلا بإذنه، يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ونرى الطير في السماء صافات أجنحتهن ما يمسكهن إلا الرحمن!

تظهر فاعليته سبحانه وتعالى أكثر عندما يدعوه المضطر فيجيبه، وعندما يدفع عنا كثيرا من الشرور التي تكاد تهلكنا، شرور الليل والنهار، شرور الأمراض والآفات ما نعلم وما لا نعلم.

تظهر قيوميته سبحانه في آيات منعه، حين نشرب فلا نرتوي، وحين نمشي فنتعثر، وحين نخلد إلى النوم فلا ننام.

تظهر ربوبيته وقيوميته الدائمة في تكوُّن الجنين ببطن أمه، وفي نبات الزرع، واختلاف الثمار، أشكالها وألوانها وأطعمها،… تظهر فاعليته أكثر في كل حدث يجري على خلاف عادته، يرينا الله به يده التي تعمل من وراء الأسباب، وأن الأسباب جميعا لا بلاغ لها ولا قيمة دون فاعليته سبحانه وتأثيره.

فماذا ينبغي علينا إزاء هذه الحقيقة العظمى؟

إن أحدنا لينام وما يملك أن يدفع عن نفسه ضرا، ولا يجلب نفعا، وإن أحدنا لينهكه التعب من كثرة العمل أو طول السهر أو شدة الجهد، حتى يكاد يغشى عليه، فإذا ما استعاد قوته نظر إلى ما بيده من أسباب وادعى لنفسه الفاعلية والقدرة والتأثير، وأنه يقدر ويمنع!

فيالَلإنسان من جحوده وكفرانه وطغيانه!

كان ينبغي على الإنسان وهو يرى يد الله تعمل من وراء كل سبب أن يخضع له سبحانه ويعترف بربوبيته وسلطانه عليه، وأن يجعل معاملته له سبحانه تنطلق من شعوره بهذه الحقيقة.

فإذا انتبه لذلك فعلاً فإنه سيقدم الاستعانة به سبحانه على كل عمل، ويكل إليه كل أمر يريده، وإذا ما حز به أمر أو ضاق عليه هرع إلى ربه يتضرع إليه أن يمده بأسبابه، ويفتح له من خزائن عطاياه ما يحتاجه.

هذه المعاملة تعكس حالاً من الشعور بالافتقار والاحتياج إلى الله (عز وجل)، تعكس حالاً من الشعور بالضعف والعجز المطلق من دونه سبحانه، وكلما تمكنت هذه المشاعر من العبد كلما زاد اعتماده على الله، ومناداته والاستضعاف بين يديه، والتضرع إليه ليمده بما يحتاجه.

تخيل أن رجلين اصطحبا في سفر، فنفد الماء من أحدهما واستبد به العطش، واحتاج إلى بعض الماء من صاحبه، فكيف سيطلب منه؟ وماذا لو شرط عليه صاحبه شروطا ليعطيه الماء؟

هكذا ولله المثل الأعلى، نحن في حاجة دائمة لإمداد الله عز وجل، وعطاءاته المستمرة، ولو منع عنا عطاء واحداً ما كان لنا أن نحصل عليه ولو طفنا مشارق الأرض ومغاربها، فما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك له، وما يمسك فلا مرسل له من بعده!

هذا الشعور هو الذي ينبغي أن يستبد بنا دائما وأبداً، كما هو مستبد بسائر الكائنات من حولنا، ومن نكون في حالة خضوع واستكانة دائمة بين يديه سبحانه مثلهم كما وصفهم سبحانه (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ)، سورة النحل: الآية (48).

هذه هي حالة العبودية لله سبحانه وتعالى، فالعبودية هي منتهى التذلل والافتقار لله سبحانه والشعور بالعجز التام من دون الله، وإظهار ذلك في أعمال الدعاء والتضرع والاستكانة والسجود.

فكيف نصل إلى تحقيق العبودية؟

خلق الله (عز وجل) الإنسان من طين، وجعل نسله من سلالة من ماء مهين، وخلق الله الإنسان ضعيفاً، ولو كان الله (عز وجل) قد خلق الإنسان من ذهب مثلاً، ولو جعل نسله من ماء كريم، أو خلقه قوياً، لما نفى ذلك حقيقة أنه محتاج لله دائماً وأبداً، وأنه فقير إليه، عاجز من دونه! ولكن قضى الله برحمته أن يخلق الإنسان على هذا النحو من الضعف والفقر والعجز، والله أعلم، يساعده ويسهل عليه استشعار معاني العبودية له.

خلق الله الإنسان من أصل حقير، وجعل نموه ونشأته ضعيفة، ثم ما يلبث أن يعود إلى ضعفه مرة أخرى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً)، سورة الروم: الآية (54) ولم يجعل الله الإنسان في طول الجبال مثلا، ولا قوة الأفيال (إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولاً)، الإسراء: (37) ثم لا يزال الله (عز وجل) يذكره باحتياجه الدائم إليه وافتقاره له من خلال ما يمكن أن نعتبره برنامجاً متكاملاً يساعده أن يكون دائماً في إطار العبودية والشعور بالله، فجعله يحتاج إلى الطعام والشراب كل بضع ساعات، ويحتاج إلى النوم كل يوم، ويحتاج إلى قضاء حاجته، ويحتاج إلى التنفس كل دقيقة بضع عشرة مرة، بل جعله كذلك يحتاج إلى تقليم أظفاره، وتهذيب شعره، وتنظيف جسمه، وجعله يحتاج إلى ما يستر عورته، وما يقيه الحر والبرد.

فمن رحمة الله بعبده أن يضعه في أحوال يستشعر منها العجز ليبقى الانتقال نحو عتبة العبودية سهلاً عليه بأن يتجه بهذا الشعور نحو من يملك مساعدته وإعانته على الوصول لما يريد.

ومن هذه الأحوال مثلا:

العجز عن فهم بعض آيات الله، وهذا قد يفسر لنا الحروف المقطعة في أوائل السور.

والعجز عن فهم الحكمة في بعض أفعال الله مما يجري حولنا من أحداث.

العجز الذي يشعر به المرء وقت المرض، فيعجز عن القيام بأعمال كان يقوم بها بسهولة وقت العافية.

العجز عن النوم (الأرق).

العجز عن الإخراج (الإمساك).

العجز عن الرؤية (العمى).

العجز عن المشي (العرج أو الشلل).

فالمريض أو المصاب في بدنه يشعر بالعجز ومن ثم الذل والانكسار.

وأيضا المظلوم يشعر بالعجز عن إدراك حقه.

والمحبوس يشعر بالعجز عن الخروج من محبسه والحركة بحرية.

والمطارد يشعر بالعجز عن العيش في أمان.

والمسافر يشعر بالعجز عن إدراك حاجته كما كان في بيته لأنه غريب عن داره.

والصائم يشعر بالعجز عن إدراك حاجته في الطعام والشراب.

والناسي يشعر بالعجز عن تذكر ما يريد.

والفقير يشعر بالعجز عن إدراك حاجته إذا ما اشتهى شيئا أو احتاج لشيء ضروري.

والتائه الضال يشعر بالعجز عن الوصول للهدف… تأمل قول إبراهيم عليه السلام: (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ)، سورة الأنعام: الآية (77)

والداعية يشعر بالعجز حين لا يستجيب له الناس، وخاصة إن كانوا من رحمه وأقاربه وأهله.

والضعيف يشعر بالعجز حين يحاصر من أصحاب النفوذ، مثل يوسف (عليه السلام) حين قال: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ)، سورة يوسف: الآية (33).

والناس يشعرون بالعجز حين تجدب السماء فيشعرون بالعجز عن إدراك حاجتهم من الماء.

واليتيم بشعر بالعجز لغياب أبيه، فمهما كفله غيره إلا أنه لا يستطيع إعادة أبيه.

والطالب يشعر بالعجز حين لا يفهم ما يذاكره، وحين لا يعرف إجابة سؤال.

والجراح حين يشعر بالعجز عن الوصول لهدفه من العملية الجراحية، كالذي يبحث عن حصوة في كلية مريض، ولا يجدها.

والمدرس حين يشعر بالعجز عن تفهيم الطلاب.

وهكذا… فقد جعل الله (عز وجل) الإنسان في حالة احتياج دائم إليه، وفقر مستمر له، مهما بلغ ثراؤه، أو بلغت قوته؛ وذلك ليتمكن منه الشعور بالضعف والاحتياج والعجز الذي من شأنه أن يولد في قلب العبد ذلا وانكسارا، والمطلوب إحسان توجيه هذا الشعور نحو الله (عز وجل)، وأن يشعر العبد باحتياج بالغ لمن بيده القدرة المطلقة، فيترجم هذا الشعور بتبؤس، واضطرار، ومسكنة، وتضرع، واستكانة لله (عز وجل).

فهل تجاوب الإنسان مع كل هذا؟! هل ائتلف مع حقيقة عبوديته فأظهر ذلك في معاملته لربه؟!

كلا، مع الأسف الشديد كان ينبغي بناء على هذا أن يكون الإنسان في حالة دعاء مستمر، وخضوع تام لله سبحانه، وقنوت وسجود وتضرع دائم بين يدي الله سبحانه، وكيف لا، وهو الذي بيده سقائه وغذائه ودوائه وعينه التي تطرف وقلبه النابض، وبيده كل أمره..

فماذا فعل الله (عز وجل) بالإنسان إزاء نسيانه وغفلته وجحود؟

لو شاء الله لأهلك بني آدم، ولكنه قضى برحمته أن يسهل عليهم الدخول في عبوديته أكثر، فأنزل بهم الشدائد، وجمع عليهم الحاجات التي تضطرهم إليه أكثر، لعلهم بذلك يتذكرونه فيرجعون إليه.

ابتلاهم الله بالأمراض، ليرى الإنسان أنه بالله لا بنفسه، وأصابهم بالنقص في أبدانهم، فمنهم الأعمى والأعرج والأصم، وأصابهم بالنقص في الماء، وفي الثمرات.. وقد يتبليهم بأن يسلط عليهم دابة تأكل زرعهم، أو تقتل ماشيتهم، أو يسلط عليهم عدوا من غيرهم يطغى عليهم، كل ذلك يدفعهم به سبحانه إليه، فيتذكروا حاجتهم له، وعجزهم من دونه فيفروا إليه، ويلجأوا له، يجأرون إليه بالدعاء، ويتضرعون له سبحانه معترفين به ربا، وبأنفسهم عبيدا، شاهدين على أنفسهم بالفقر والعجز والعوز والاحتياج.

قال تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ)، سورة المؤمنون: الآية (76) فلو كانوا قد تجاوبوا مع هذا العذاب بالاستكانة والتضرع لكشف الله عنهم ما فيه، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ)، سورة الأنعام: الآيات (42 – 44).

إن لحظة الشعور بالعجز بين يديه سبحانه وما يظهرها من ضراعة وتذلل ونداء من العبد لربه بفقره واحتياجه وضعفه هي المقصود الأصلي من العبودية، ومن ثم فهي اللحظة التي تتنزل فيها رحمات الله التي تفوق حسابات كل البشر وتفاجئهم.

ألم تر إلى رسول الله زكريا عليه السلام وهو ينادي ربه نداء المسكين الخائف: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً)، سورة مريم: الآيات (2-5).

لقد حمل عليه السلام فقره كله وعجزه ووهنه وساق كل علله وأمراضه وأوجاعه جميعا بين يدي الله سبحانه وسأله من فضله أن يمن عليه بعطاء من عنده، فكان عطاء الله مدهشا بحق، لقد رزقه الله الولد، على حاله هذه، وحال زوجه! حتى إنه نفسه تعجب فقال: (رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا)، سورة مريم: الآية (8).

ولكن الرب الحي القيوم لا يعجزه شيء سبحانه، ومتى دخل العبد من باب الفقر والعجز فقد دخل من أوسع أبواب الله، (قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً)، سورة مريم: الآية (9).

ومثله من قبل رسول الله موسى (عليه السلام) حين أجهده الجوع وتملكه الخوف من فرعون وجنوده، وأنهكه تعب السفر، واستبد به الشعور بالغربة والفقد، وقد أتى من مصر إلى مدين خائفاً من القتل، فماذا عساه يفعل؟ وهو على هذه الحالة؟!

لم يجد سوى الله عز وجل يفرغ عنده كل مشاعر الاحتياج والعجز والفقر، (فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ)، سورة القصص: الآية (24) فانهالت عليه أرزاق الله جملة واحدة، فساق إليه الزوج والسكن والأمان والعمل معاً.

وهكذا نبي الله نوح (عليه السلام) وقد مضى عليه تسعمائة وخمسون سنة يدعو قومه ولا يتبعه إلا النفر القليل، فماذا يفعل؟

لم يخجل رسول الله أن يهرع إلى ربه قائلا في صراحة: (أَنِّي مَغْلُوبٌ)، سورة القمر: الآية (10) مغلوب، مغلوب عاجز أن أفعل شيئا عاجز أن أهدي قومي، مغلوب منهم، مغلوب يا رب… مغلوب فانتصر… فماذا صنع الله به؟ (فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ * وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ * تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا)، سورة القمر: الآيات (11 – 14).

وكما فعل خليل الله إبراهيم (عليه السلام) حين قال: (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ)، سورة الأنعام: الآية (77).

ويوسف عليه السلام حين قال: (رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ)، سورة يوسف: الآية (33).

وأيوب عليه السلام: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)، سورة  الأنبياء: الآية (83).

ويونس عليه السلام في بطن الحوت: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، سورة الأنبياء: الآية (87).

عجزي كنزي!

إن شعور العبد بعجزه بين يدي ربه، وفقره التام إليه سبحانه هو منتهى سعادته في الدنيا، إذ يخفف عنه ربه كل أعبائه، ويحمل عنه كل أثقاله…!

تخيل أن ولداً تشاجر مع بعض زملائه، فأتى أباه ومرغ وجهه في الأرض بين يديه، وبكى وانتحب، وشكا ظلم الأولاد له، وغلبتهم عليه، فماذا تظن أباه فاعلا؟

لا شك أن الدم سيغلي في عروقه، ويتملكه شعور شديد بالحمية لولده، ووجوب الثأر له، ونصرته.

هكذا، ولله المثل الأعلى فإن العبد متى أفرغ إناء احتياجه لربه بين يديه، وأتاه مظهرا تمام عجزه، ومنتهى فقره، فإن الله تعالى يحمل عنه ويكفيه، وينصره ويدفع عنه، ويرده فرحا مستشبرا، أما سمعت عن (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ)، سورة آل عمران: الآيتين (173- 174).

إنها سعادة أنك مع الملك، مع الكبير، مع القوي، الذي يكفيك ويرعاك ويحوطك ويحميك، الذي إن يردك بخير فلا راد لفضله!

ألم تر إلى الماء إذا أمسكه الله عن القطر… كيف ييأس الناس، وكيف يبلسون؟ فإذا ما خرجوا للاستسقاء مظهرين فقرهم إليه واحتياجهم الماء منه، أنزل الله عليهم القطر، وردهم فرحين مستبشرين: (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ)، سورة الروم: الآيات (48 – 49).

ألم تر إلى العدو وهو يقبل في كبره وبطره يريد البغي على المسلمين، فإذا هم أظهروا لله ذلتهم واستكانتهم وفقرهم إلى نصره وعجزهم عن الانتصار من دونه، أنزل الله عليهم نصره وأعزهم على عدوهم وأذله، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله! (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ)، سورة الأنفال: (9).

وهذا النبي (صلى الله عليه وسلم) يدعو عشية عرفة فيقول: (اللهم تسمع كلامي، وترى مكاني، وتعلم سري وعلانيتي، لا يخفى عليك شيء من أمري، أنا البائس الفقير، المستغيث، المستجير، والوجل المشفق المقر المعترف بذنوبي، أسألك مسألة المسكين، وأبتهل إليك ابتهال المذنب الذليل، وأدعوك دعاء الخائف الضرير، من خضعت لك رقبته، وفاضت لك عيناه، وذل جسده، ورغم أنفه لك، اللهم لا تجعلني بدعائك رب شقيا، وكن بي رؤوفاً رحيما، يا خير المسؤولين، ويا خير المعطين).

وعندما تخلف الثلاثة السابقون عن غزوة تبوك كعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهلال بن أمية (رضي الله عنهم)، وعاقبهم الله (عز وجل) بخصام الناس لهم… حتى أُمرت زوجاتهم بالمفارقة، وطال الأمر حتى بلغ خمسين يوماً .. خمسين يوماً لا يكلمهم أحد، ولا يسلم عليهم أحد، ولا يرد سلامهم أحد، .. يقول كعب بن مالك (رضي الله عنه):

(نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه، فاجتنبنا الناس، وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي التي أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا، فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فأسلم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريباً منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عني، حتى إذا طال علي ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحب الناس إلي، فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أحب الله ورسوله؟ فسكت، فعدت له فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم، ففاضت عيناي، وتوليت…

حتى قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، فقالت: يا رسول الله: إن هلال بن أمية شيخ ضائع، ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: (لا، ولكن لا يقربك). قالت: إنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره، ما كان إلى يومه هذا، فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وما يدريني ما يقول رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب؟ فلبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عن كلامنا، فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة، وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله، قد ضاقت علي نفسي، وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ، أوفى على جبل سلع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر، قال: فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج)، رواه البخاري.

وفي ذلك يقول الله (عز وجل): (وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)، سورة التوبة: الآية (118).

لقد كان شعورهم بالعجز عن فعل شيء والله أعلم مفتاح مغفرة الله لهم وفرجه عليهم، ولذلك كان السلف يقولون (عجزي كنزي) أي أن شعوري بالعجز بين يدي ربي كنز يدر علي من خزائن رحمة الله ومعيته وتأييده ونصرته فوق ما كنت أرجو وأطلب.

فما واجبنا إذن عند نزول البأس والشدة؟

ما واجبنا الآن وقد حل بنا ما حل من بأساء وضراء إثر هذا الابتلاء؟

قد علمنا بفضل الله أنها رسالة من رب العالمين يردنا به إليه، ومن ثم فإن أول ما يجب علينا أن نتذكر احتياجنا لله وافتقارنا لإمداده بالغلبة والنصر، ونظهر له عجزنا من دونه عن رد الظلم عنا، ودفع البأس الذي حل بنا، وأننا في أشد الحاجة إلى نصره وتأييده.

إن إظهار العجز لله سبحانه هو واجب الوقت، وهو أمر لا يكفي في القيام به أن نتذكره، ونعرفه، ونقر به، أبداً … بل هو عبادة لها وقتها الذي تؤدى فيه، والأعمال التي تؤدى بها، تماما كالصلاة، هل يجزئ فيها أن نردد الأذان خلف المؤذن، ونعترف بوجوب الصلاة علينا ونردد ذلك دائما؟ كلا.. لابد من القيام للوضوء واستقبال القبلة، والتأكد من الطهارة، ثم أداء الصلاة بأركانها وأعمالها.

كذلك علينا أن نستثمر هذه اللحظات التي نمر من ضعف وعجز بالغين، في القيام لله بالضراعة، والدعاء والمسكنة، والتذلل له، والإلحاح عليه في السؤال، سؤال من يرى أنه لا نجاة له إلا أن ينجيه الله عز وجل، سؤال الفقير الغريب الذي ضاع ماله ومتاعه وفقد طعامه وأهله، سؤال الخائف الضرير، الذي يخشى أن يصيبه مكروه ولا يدري من أين يأتيه، سؤال المريض المسكين الذي أقعده المرض ولا مال له ولا دواء معه… كما قال تعالى: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا)، سورة الأنعام: الآية (43).

نقوم لله فرادى وجماعات، يدفع كل امرئ منا بالله عن نفسه هذا البأس، ونستنصر بالله جميعا أن يدفع عنا هذا البأس، نخرج كما يخرج العطاش يستسقون، وكما قام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يستغيث ليلة غزوة بدر.

وما يمنعنا؟

يمنعنا من ذلك الاستغناء والكبر، والله أعلم… يمنعنا الاستغناء بالأسباب التي بقيت معنا، نظن أنها ستدفع الضر عنا، فلا نشعر بالعجز، ولا بالفقر إليه سبحانه… ولا نزال هكذا متعلقين بالأسباب والله يكلنا إليها حتى تفرغ منها قلوبنا، ونتأكد أنها لا تغني شيئا من دون الله..!

ويمنعنا الكبر عن إظهار ضعفنا بين يديه سبحانه، ويمنعنا الكبر عن الاعتراف بأخطائنا التي كانت سبباً في نزول هذا البلاء، فما نزل بلاء إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ)، سورة الشورى: الآية (30).

وإن القرآن يبدئ ويعيد في تأكيد حقيقة أن الابتلاء والتشديد والعذاب بسبب الذنوب أو التقصير في القيام بحقوق العبودية.

قال الله تعالى في قوم نوح: (مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا)، سورة نوح: الآية (25).

وقال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)، سورة  الروم: الآية (41).

وقال تعالى: (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ)، سورة النساء: الآية (62).

وقال تعالى: (وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ)، سورة الروم: الآية (36).

وفي الحديث أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (لا يصيب عبداً نكبة فما فوقها أو دونها إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر)، وقرأ (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)، سورة الشورى: الآية (30)، رواه الترمذي.

فإن قلت: ولماذا يبتلى الأنبياء؟

لأن درجتهم عند الله عالية، ويحتاجون لاستخراج وإظهار معاني العبودية العظيمة لكي يرقيهم الله بها لدرجتهم العالية، لذلك قال النبي (صلى الله عليه وسلم): أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.

قال القاضي عياض:

إن قيل: فما الحكمة في إجراء الأمراض وشدتها عليه وعلى غيره من الأنبياء على جميعهم السلام؟!.

وما الوجه فيما ابتلاهم الله به من البلاء، وامتحانهم بما امتحنوا به وهم خيرته من خلقه وأحباؤه وأصفياؤه؟!

اعلم وفقنا الله وإياك أن أفعال الله تعالى كلها عدل، وكلماته جميعها صدق، (لا مبدل لكلماته)، يبتلي عباده كما قال لهم (لننظر كيف تعملون) و(ليبلوكم أيكم أحسن عملا) و(وليعلم الله الذين آمنوا) و (لما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) و(ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم).

فامتحانه إياهم بضروب المحن زيادةٌ في مكانتهم ورفعةٌ في درجاتهم، وأسبابٌ لاستخراج حالات الصبر والرضى، والشكر والتسليم، والتوكل والتفويض، والدعاء والتضرع منهم، وتأكيدٌ لبصائرهم في رحمة الممتحنين والشفقة على المبتلين، وتذكرةٌ لغيرهم وموعظةٌ لسواهم، ليتأسوا في البلاء بهم، ويتسلوا في المحن بما جرى عليهم، ويقتدوا بهم في الصبر، ومحوٌ لهنّات فرطت منهم، أو غفلات سلفت لهم ليلقوا الله طيبين مهذبين، وليكون أجرهم أكمل وثوابهم أوفر وأجزل.

عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: (قلت يا رسول الله: أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة).

وكما قال تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)، سورة آل عمران: الآيات (146 – 148).

وعن أبي هريرة: (ما يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة).

وعن أنس عنه (صلى الله عليه وسلم): (إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة).

وفي حديث آخر: (إذا أحب الله عبدا بتلاه ليسمع تضرعه).

وحكى السمرقندي: (أن كل من كان أكرم على الله تعالى كان بلاؤه أشد، كي يتبين فضله، ويستوجب الثواب).

كما روي عن لقمان أنه قال: (يا بني.. الذهب والفضة يختبران بالنار والمؤمن يختبر بالبلاء).

وقد قال المفسرون في قوله تعالى: (من يعمل سوءا يجز به) إن المسلم يجزى بمصائب الدنيا فتكون له كفارة. وروي هذا عن عائشة وأبي ومجاهد.

وقال صلى الله عليه وسلم: (من يرد الله به خيرا يصب منه)

وقال في رواية عائشة: (ما من مصيبة تصيب المسلم إلا يكفر الله بها عنه، حتى الشوكة يشاكها).

وثم فلا ينبغي أن نقرأ الحدث الحالي على أنه علامة على صحة الطريق وحسب، ونردد كلمات من مثل: (الابتلاء طريق الدعوات) ونقف عند ذلك، فإن مثل هذا اجتزاء لرؤية المشهد الصحيح، فكما أن الله عز وجل يبتلي من يحب من عباده، إلاّ أن هذا الابتلاء يكون لتكفير الخطايا، ومؤاخذة بما يقع منهم من أخطاء، فالنظر إلى جانب واحد للابتلاء يعمي على الأخطاء، ولا يساعد في إصلاحها، وهذا عكس ما فعله الله (عز وجل) بالمؤمنين عندما حدثت هزيمة أحد فقد كان القرآن صريحاً في توجيه اللوم للصحابة: (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ)، سورة آل عمران: الآية (165).

وعندما عاد النبي (صلى الله عليه وسلم) من الطائف ظل يناجي ربه بما يظهر عجزه واحتياجه التام لله (عز وجل)، وكان يخشى أن يكون ما حدث له بسببه هو، ولم يفكر بطريقة أن هذه هي سنن الدعوات، بل قال: اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك، أو يحل عليّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك.

وقد عقب والقرآن سبب التشديد على أهل القرية من بني إسرائيل بتوافر السمك يوم السبت والذي حرم الله عليهم الصيد فيه، ومنعه طيلة الأسبوع بقوله تعالى: (كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ)، سورة الأعراف: الآية (163).

فماذا علينا أن نفعل الآن؟ ما هي العبودية المطلوبة الآن؟

ما نحن فيه ابتلاء شديد، بسببنا نحن، نعم، والمطلوب هو الإقرار بذلك، والاعتراف بالأخطاء على المستوى الفردي والجماعي، وتمكين الشعور بالعجز عن مقاومة ودفع هذا البلاء، والانطراح بين يدي الله بهذا الشعور، فنستكين ونتذلل، ونظهر تبؤسنا، وعظيم احتياجنا إليه.

إن العبودية المطلوبة الآن هي: التمسكن والاستكانة والتضرع لله (عز وجل)… (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا)، سورة الأنعام: الآية (43).

لقد ذم الله قوماً أخذهم بالعذاب فلم يتجهوا إليه ليرفعه عنهم: (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ)، سورة المؤمنون: الآية (76).

إن الأمل الوحيد في الانتصار على هؤلاء هو أن يكون الله معنا، فينطبق علينا قوله تعالى مخاطبا الكفار: (وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ)، سورة الأنفال: الآية (19) ولا يمكن لنا أن نكون كذلك إلاّ إذا وصلنا لعتبة العبودية، ومفتاح الوصول إليها هو الشعور بالعجز، والشعور بالعجز يستدعي توجيه المرآة لأنفسنا والتخلص من المخدرات التي خدرتنا طويلا مثلا: الابتلاء من سنة الدعوات وعلامة صحة الطريق.

لنعلم جميعا:

أن الله جابر قلوب المنكسرة قلوبهم من أجله، وقد روي في الأثر أن سيدنا موسى قال: أي رب، أين أبغيك؟ قال: عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، إني أدنو منهم كل يوم باعا، ولولا ذلك لانهدموا.

ومن تطبيقات هذا المعنى أن الله (عز وجل) يجيب دعاء الصائم ويجيب دعاء المظلوم، لما عند كل منهما من شعور بالعجز بين يدي ربه والله أعلم، وفي الحديث: (إن الله يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضتُ فلم تَعُدْنِي. قال: يا رب كيف أَعُودُكَ وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تَعُدْهُ؟ أما علمت أنك لو عُدْتَهُ لَوَجَدْتَني عنده؟ يا ابن آدم اسْتَطْعَمْتُكَ فلم تُطْعِمْني. قال: يا رب وكيف أُطْعِمُكَ وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أنه اسْتَطْعَمَكَ عبدي فلان فلم تُطْعِمْهُ؟ أما علمت أنك لو أَطْعَمْتَهُ لوجدت ذلك عندي؟ ابن آدم اسْتَسْقَيْتُكَ فلم تَسْقِنِى. قال: يا رب كيف أَسْقِيكَ وأنت رب العالمين؟ قال: اسْتَسْقَاكَ عبدى فلان فلم تَسْقِهِ أما إنك لو سَقَيْتَهُ وجدت ذلك عندى)، رواه مسلم.

وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة (رضي الله عنه)، عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، قال: (غفر لامرأة مومسة، مرت بكلب على رأس ركي يلهث، قال: كاد يقتله العطش، فنزعت خفها، فأوثقته بخمارها، فنزعت له من الماء، فغفر لها بذلك).

فكأنها لما شعرت بعجزه واحتياجه أصابتها رحمة الله!

وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال ليلةً في سجوده: (أقول كما قال أخي داود (عليه السلام): أعفر وجهي في التراب لسيدي، وحق لسيدي أن تعفر الوجوه لوجهه).

إن النصر من عند الله، ولا سبيل لاستدعائه إلا بفعل ما يرضيه، ومن أهم ذلك: التبؤس والتمسكن والتذلل والتضرع له… (أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ)، سورة  النمل: الآية (62)

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى