الرائد نت
987ytfc

ليس الأمر من ههنا!

 

 

أكتب إليك هذه الرسالة أبثك فيها هموم مجتمع أحرقته نار الغربة عن الله.. الله الذي يُسريِّ قاطرة هذا الكون، ويدير دفتها، ويحرك كل قطعة فيها بمحض مشيئته، سبحانه لا يُشرك في حكمه أحدا (هُو الَّذِي يُسيرُكُم فِي البر والبحرِ) سورة يونس: الآية (22)، ولكن غربتنا عن رب العالمين حملتنا أن ننظر إلى المقررات الأرضية والحواجز الأرضية وسُتُر الأسباب على أن لها من الأمر شيئا، فانقسمنا إلى فريقين:

فريق رأى تكالب الأسباب عليه من كل جانب وإحاطة العدو به كالماء بالغريق، فأسلم لهم روحه ويأس من روح الله، وترك السفينة تهلك بما فيها.

وفريق حسب الأمر تصارعاً وغلبة للأقوى، فنزل يصارع الموج بكلتي يديه.. كلما علا البحر بلجة من مائه همّ أن يضربه بيده المنهكة فلا هو المستُريح باليأس، ولا هو المستُراح منه بالغرق.

وقياس ذلك على واقعنا: إخواننا الذين يرون في سباق الأسباب معولاً للنصر، ومفتاحا لكسر الظالمين.. فبين قائل: نطاولهم بالإعلام. وقائل: نغالبهم بالقوة والسلاح. ومتصبر يرى في السلمية سبيلاً إلى الإنهاك والإرباك، وسائر ما يزعمون من خطط يغالبون بها موج البحر الهادر.

وكل هؤلاء  وإن يك صبرهم وجهدهم وعزمهم مشكورا؛ إذ أن غيِّرهم قد أسلم للعدو نفسه، وألقى له عصا القياد في ذلة  لكنهم نسوا أن الأمر  كما قال الفاروق عمر (رضي الله عنه)  من هنا وأشار إلى السماء(لا من هنا) وأشار إلى الأرض.

غفلنا  أخي  أو نسينا، أو جهلنا وأعرضنا، عن حقيقة أن مدير هذا الكون وصاحبه والآمر فيه بما يشاء، والحاكم فيه بما أراد ليس أحدا إلا الله وحده، وأن من أُصيب بضرر فالله هو الذي أصابه: (وما أ صابكُم يوم التقى ا لْجمعانِ فبِإذنِ اللَّهِ)، سورة آل عمران: الآية (111)، وإنما أعداؤه أدوات يؤدبه الله بهم (ولو شاء اللَّه لسلَّطهُم عليكُم فلقاتلُوكُم)، سورة النساء: الآية (9).

ونسينا كذلك أن الذي ينصر هو الله، لا بالقوة ولا بالعدد، وإنما الإعداد والسلاح والأسباب سُتُرٌ ليد الله التي تعمل (ولو يشاء اللَّه لانتصر منهُم ولكِن لِيبلُو بعضكُم بِبعضٍ)، سورة محمد: الآية (4)

إننا إذا ذكرنا هذا ووعيناه تمام الوعي بإذن الله سنفقه يقينا أن ما نحن فيه من بلاء عظيم هو بأمر الله.. أخذاً بذنبٍ اقتُرفناه، وتنبيها من غفلة وقعنا فيه عن الله.

وحينئذ سنفقه يقينا أن الخطوة الأولى في كسر هذا الانقلاب هو عودة القاطرة إلى طريق رب العالمين:

استغفاراً وتوبة لرفع الإثم فيما مضى، ثم استعانة وتوكلا لما هو آت.

أو بتعبيِّر آخر: أول خطوة الآن هي الصلح مع الله؛ ليقبلنا في دائرة أوليائه، وفي زمرة حزبه وجنده و من يتولَّ اللَّه ورسُوله والَّذِين آمنُوا فإِنَّ حِز ب اللَّهِ هُمُ الغالِبُون)، سورة المائدة: الآية (61).

فإذا صحت عودتنا فكل سبب حينئذ سيكون ناجعاً بإذن الله، سلميا أو عسكريا أو غيِّر ذلك.

إن أكثر ما نخشاه أن نكون اليوم في هذه الأجواء الصعبة كمثل طفل يضربه أبوه تأديبا على خطأ وقع فيه لكنه لا يعرفه، فلما اشتد عليه الضرب بكى واعتذر وهو لا يعرف فيم يُضرب ولا عماذا يعتذر.. فلما رقّ له أبوه وعفا عنه عاد إلى سيِّئته الأولى.. كيف يكون فعل الأب عندئذ؟!

يقول الله تعالى: (فارتقِب يوم تأتِ السَّماء بِدُخان مُبِين؛ يغشى النَّاس هذا عذابٌ ألِيمٌ)، سورة الدخان: الآية (11)، فماذا يفعل الناس وقد أصابهم الله بعذاب؟! إنهم يجأرون طالبين الرحمة، ولكنهم لم يعرفوا فيم عُذبوا؟ وعلام زُجِروا؟ (ربنَّا اكشِف عنَّا العذاب إِنَّا مُؤمِنُون)، سورة الدخان: الآية( 12).

ولكن: (أنّى لهمُ الذكرى) ؟؟!!، سورة الدخان: الآية (11).

فيقول الله عز وجل: (إِنَّا كاشِفُو العذابِ قلِيلًا إِنَّكُم عائِدُون)، سورة الدخان: الآية (16) فماذا إن عادوا بالفعل لسابق أخطائهم؟ يوم نبطِشُ البطشة الكُبرى إِنَّا مُنتقِمُون)، سورة الدخان: الآية (11).

إن رب هذا الكون هو الله، وإن ما يحدث فينا من أذى هو بأمر الله، ومن وراء هذا ذنوب في حقه إرتكبناها، فإن نحن أصلحنا حالنا مع الله، وندمنا على ما فعلنا وعزمنا على تصحيح هذه الأخطاء.. عندئذ نطمع أن يقبل الله منا فيكشف ما نحن فيه.

إن أكثر ما نخشاه ألا نفقه رسالة الله إلينا من وراء هذا الانقلاب، فنكون كمن قال الله فيهم: (فلولا إِذ جاءهُم بأسُنا تضرَّعُوا ولكِن قست قلُوبهُم و زيَّن لهمُ الشَّيطانُ ما كانُوا يعملُون * فلمَّا نسُوا ما ذُكرُوا بِهِ فتحنا عليهِم أبوا ب كُل شيء حتَّى إِذا فرِحُوا بِما أُوتُوا أخذناهُم بغتة فإِذا هُم مُبلِسُون * فقُطِع دابِرُ القومِ الَّذِين ظلمُوا والحمدُ لِلَّهِ رب العالمين)، سورة الأنعام: الآيات (43-45).

إن الله لا ينصر عباده بالكثرة ولا العتاد، ولقد صح الوعد في الحديث: (لا يُغلب اثنا عشر ألفا من قلة، ولكنهم قد يُغلبون بذنوبهم) (فبِما كسبت أيدِيكُم)، سورة الشورى: الآية (19).

ولقد كنا يوم فض رابعة أضعاف العدد اثني عشر ألفا، فلم تكن المشكلة إذن في قلة العدد، وإنما كان النقص في الإيمان بالله الذي يتنزل عليه النصر.. (ومن يتوكَّل على اللَّهِ فهُو حسبُه)، سورة الطلاق: الآية (1)، ولما اصطف المؤمنون في مؤتة بثلاثة آلاف أمام مئتي ألف قال أبو هريرة: فبرق بصري، فجاءني ثابت بن أقرم فقال: إنك لم تحضر معنا بدراً.. إن الله لم ينصرنا بالعدد.

إن أكبر حجاب يمنعنا عن رؤية الله هو حجاب المادية التي تتمثل في إيماننا بأنفسنا وإمكاناتنا وخبراتنا والأسباب المتاحة لنا أكبر من إيماننا بالله، فإذا زادت هذه الأشياء فرحنا وانتظرنا النصر، وإذا قلت ركبنا الهم والحزن وخوف الهزيمة، وحين ينزل النصر نعدد ما أخذناه منها، وحين يصيبنا الخذلان نهرع إلى تحصيل المزيد منها، مع أن الله يقول: (إن ينصُركُمُ اللَّه فلا غالِب لكُم وإِن يَذُلكُم فمن ذا الَّذِي ينصُرُكُم مِن بعدِه)، سورة آل عمران: الآية (119)، من ذا الذي ينصركم من بعده؟! من؟ من؟!!

(أمَّن هذا الَّذِي هُو جُندٌ لكُم ينصُرُكُم مِن دُونِ الرَّحمنِ)، سورة الملك: الآية (29)

(وعلى اللَّهِ فليتوكَّلِ المُؤمِنُون)، سورة آل عمران: الآية (119).

إن نزول الشدائد بالمؤمنين ليس جديدا في تاريخ المؤمنين عبر عصور البشرية المختلفة، يقول الله: (أم حسِبتُم أن تدخُلُوا الْجنَّة ولمَّا يأتِكُم مثل الَّذِين خلوا مِن قبلِكُم مسَّتهُمُ البأساء والضَّرَّاء وزُلزِلُوا حتَّى يقُول الرَّسُولُ والَّذِين آمنُوا معه متّى نصرُ اللَّهِ)، سورة البقرة: الآية (214).

إنها لحظات شديدة عصيبة، لكن جواب الله سهل واضح: (ألا إِنَّ نصر اللَّهِ قرِيبٌ)، سورة البقرة: الآية (214).

نعم، قريب، فالله تعالى لا يعجزه أن يهلك أعداء اليوم كما أهلك أعداء الأمس (ألم نهلِكِ الأوَّلِين * ثُم نتبِعُهُمُ الآخِرِين * كذلِك نفعل بِالمُجرِمِين )، سورة المرسلات: الآيات (16- 18).

ولكن قضى الله برحمته اليوم أن يَختار فئة من عباده لينالوا شرف الحضور عند إهلاكه أعداءه.

لقد كان من قدرة الله (عز وجل) أن يهلك مشركي قريش يوم بدر كما أهلك عادا وثمود (لا تحسبَّ الَّذِين كفرُوا مُعجِزِين فِي الأرضِ)، سورة النور: الآية (61)، ولكن أنّ يكون للمؤمنين من أهل بدر منزلتهم عند الله بعد ذلك؟

لقد اختار الله أن يبتلي هؤلاء بأولئك كي تتعلق قلوبهم ويَخلصوا الدين له، فيهلك بهم عدوه ويرفع قدرهم: (قاتِلُوهُم يعذبهُمُ اللَّه بِأيدِيكُم ويُخزِهِم وينصُركُم عليهِم)، سورة التوبة: الآية (14)

ألا إن نصر الله قريب.. نعم، فنصر الله قريب قرب قدرة الله على أعدائه، ولكن يؤخره إبطاءُ جند الله في السيِّر على طريق الله، فإن هم أسرعوا أسرع النصر من الله إليهم، وإن هم انحرفوا أخذهم الله بالعذاب لعلهم يرجعون.

إن معركة اليوم ليست في اتخاذ الأسباب كافة لدحر الانقلاب عن مصر يتحدث الكاتب والفكرة قابلة للتعميم- ولكنها في مصالحة الله (عز وجل) وإحسان الرجوع إليه، وعندئذ فكل سبب في إسقاط الانقلاب يكون موفقا من رب العالمين (يا أيها الَّذِين آمنُوا إِن تنصُرُوا اللَّه ينصُركُم ويثُب أقدامكُم)، سورة محمد: الآية (1).

وإن كل محاولة مادية خارج هذا السرب عبث لا طائل من ورائها إلا مزيدا من البعد عن الله واستنزال غضب الله ومقته والعياذ بالله وتأخيِّر نصره (وإِن يَذُلكُم فمن ذا الَّذِي ينصُرُكُم من بعدِه)، سورة آل عمران: الآية (119).

وأول المصالحة التوبة، قال الله تعالى: (الر كِتابٌ أُحكِمت آياتُه ثُم فُصلت مِن لدُن حكِيم خبِيِّر * ألَّا تعبُدُوا إِلَّا اللَّه إِنَّنِي لكُم مِنه نذِيرٌ وبشِيِّر * وأنِ استغفِرُوا ربَّكُم ثُم تُوبُوا إِليهِ يُمتعكُم متاعاً حسنًا إِلى أجل مُسمًّى ويؤتِ كُلَّ ذِي فضل فضله وإِن تولَّوا فإِني أخافُ عليكُم عذاب يوم كبِيِّر * إلى اللَّهِ مرجِعُكُم وهُو على كُل شيءٍ قدِيرٌ)، سورة هود: الآيات (1-4).

إننا بحاجة إلى مراجعات لمسارنا الفكري والإيماني والنفسي في السنوات الأخيرة، خاصة السنتين الأخيرتين، فنسأل أنفسنا:

هل عملنا لتكون كلمة الله هي العليا حقا؟ أم عملنا للارتقاء المادي والرخاء الاقتصادي؟

هل التزمنا بمعاييِّر الإسلام في عملنا؟ أم انحرفت بنا الوسائل إلى اختلاط الرجال بالنساء، والتراخي ومهادنة أولياء الشيطان؟

هل شكرنا الله على ما وفقنا من نجاح، أم اغتُرنا وأعجبنا بأنفسنا؟

هل تواضعنا لله سبحانه ولخلقه؟ أم استكبرنا وتعالينا؟

هل؟ هل؟

وإن كل ذلك يأت بعد الوعي بأن الله هو رب كل شيء (إِنَّ الَّذِين قالُوا ربنُّا اللَّه ثُم استقامُوا فلا خوفٌ عليهِم ولا هُم يحزنُون)، سورة الأحقاف: الآية (11).

ولعل واجب كل مسلم سخر الله له كلمة مسموعة فيمن حوله أن ينشر بينهم هذا الوعي.

والله تعالى أكرم وأعلم، وسبحانه على كل شيء وكيل.

والحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى