الرائد نت
hgfdxcv

تأملات في سورة التوبة

كانت التوبة مرتبطة في ذهني دوما بما يجعلها أشبه بفيلم رومانسي حالم.. مليئة بالمشاعر والعواطف الحارة ،والرحمة والتراحم ، وربما الدموع هنا وهناك..

كان ذلك مخالفا تماما لسورة التوبة .. التي سميت أيضا سورة القتال ، وسورة براءة ، وهي السورة الوحيدة التي نزلت دون “البسملة”..أي دون دون أن يقدم للآيات ذكر صفتي “الرحمن الرحيم”… وبالتدريج فهمت!

فهمت أن هذا الفهم “الشاعري” للتوبة ليس حقيقيا ولا واقعيا البتة..

وان التوبة هي أقرب فعلا لفيلم حربي. ،.بالضبط أقرب لسياقات سورة التوبة..سورة القتال ، سورة براءة..

تقرأ في سورة التوبة قصة حربك مع نفسك للخلاص من ذنوبها ومعاصيها ، تقرأ فيها ذلك الجهاد المر لخلاصك من

أدرانك.غالبا ما تكون معركتك في داخلك..غالبا ما تكون سرية لا يعرف بها أحد خارج عالمك الداخلي.لكن عنفها وصخبها في داخلك لا يكون أقل من أي حرب أخرى تخوضها..

في سورة التوبة ، تقرأ قصة توبتك عندما تكون حقيقية..

في السورة سفر في صحراء بعيد ، وحر شديد..، وثمار آن أوان حصادها بعد انتظار….وهم يتركونها للمضي إلى القتال..

كذلك في التوبة، في توبتك..أنها دوما رحلة وعرة في المجاهل القصية من نفسك، في ظروف بالغة الصعوبة والقسوة، وقد تركت خلفك معاص وذنوب تنكرت بثياب الملذات..

دوما هناك عهد من نفسك لنفسك بأن تكف، تمنحها المهلة تلو المهلة..وتمر”المهلة” في هدوء، وتفاجئك نفسك بالغدر بعد المهلة..تفاجئ بها تعود إلى المعصية بعد أن أجزلت الوعود والمواثيق..ها هي تنكث بكل ما قدمت..وها هي تقترف ما قالت أنها لن تعود إليه تحديدا..

وها أنت في لحظة حاسمة أمام قرار حاسم:هل ستواجه نفسك ؟ هل ستحاربها مادامت قد انسلخت من مواثيقها..

وأنت تعلم أنه ليس “عرضا قريبا ولا سفرا قاصدا”..وأن الرحلة في مجاهل نفسك ليست بتلك السهولة..

وأنت تعلم أن “مواجهتك” لنفسك، حتى لو كانت بينك وبين نفسك فقط ودون أن يعلم بها إلا من خلق نفسك، هي امتحان لك..امتحان إن كان ما ركنت له أحب إليك من الله ورسوله وجهاد في سبيله…

توبتك تضعك في مواجهة مع نفسك : هل أنت مستعد حقا لقتالها ؟ هل أنت مستعد حقا لقتل ما يجب قتله من نفسك حيث وجدت هذا الجزء؟ هل أنت مستعد لتحصر هذه الأجزاء التي تعيقك”وتقعد لها كل مرصد ؟..

هل أنت على استعداد لأن تعلن براءتك من بعض نفسك؟..

أم أنك ستبحث عن أعذار..عن التأجيل..عن التسويف..عن فتاوى من هنا وهناك..عن الاستئذان بعدم المواجهة الذي يشي بما لا تريد مواجهته من حقيقة إيمانك…

نعم..

التوبة حرب بين وبين نفسك..حرب ضارية..حرب تقول لك أحيانا أن قيامك بالشعائر قد لا يكون أكثر من سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كان يقوم بها المشركون..أو أن ما تتبرع له من “أعمال خير” قد يكون في نهاية الأمر ليس سوى “مسجد ضرار..”..

التوبة لحظة مواجهة حادة.استئصال لما رسب في نفسك مما لم يعد هناك مجال للتعايش معه.وصولا إلى “ضرب الرقاب”..وصولا إلى ذلك الاستئصال النهائي لجذر المعصية الذي سيجعلك تولد من جديد..

نعم، درب صحراوي قاحل..

أو جبلي وعر..

ولا يمكنك أن تستأنس بأحد.معركة التوبة لها خصائص شديدة الفردية.أنت وربك الذي يعلم ما في داخلك.ربك الذي ستر عليك رغم كل مخاطراتك..

***********

وفي لحظة ما..

ستكون كفة المعركة قد بدت لغير صالحك..

وستضيق عليك الأرض بما رحبت..

وستقول لنفسك أنك خاسر لا محالة..وانك لن تنفذ قط من شرك المعصية واستعبادها لك..

ولكن، فجأة..

تتدفق التوبة من ثقب بحجم السماء في فضاءات روحك..

..ولقد تاب الله عليك..

************

نعم.

فيلم حربي..

لكن لا يخلو من قصة حب..

كما في كل الأفلام !..

قصة حب مع من يستحقها.مع الحقيقة.مع نفسك كما يجب أن تكون..

مع من تاب عليها..

مع من يأخذ بيدك..

ومع من تأخذ بيده..

************

البعض يريد أن يتوب من “قصة حب”!..

والبعض الآخر ، يريد من توبته أن تكون عظيمة ، كقصة حب…

 

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى