الرائد نت
مجلة الرائدنبض العراقموجة جديدة من الهجرة تجتاح العراق .. الشباب يشكّل الجزء الأساس فيها
240-airport-baghdad5

موجة جديدة من الهجرة تجتاح العراق .. الشباب يشكّل الجزء الأساس فيها

 

وصله إعلان جديد، لكنه أهتم به هذه المرّة بعكس المرات السابقة، وكان عنوانه (كروب مساعدة المهاجرين إلى تركيا على الفيسبوك)، زار الصفحة وبدأ يقلّب منشوراتها للتعرّف على أنواع اللجوء وكيفية اكتسابه هذه الصفة.

مهيمن شاب عراقي وهو كحال أقرانه من حيث الرغبة في هجرة العراق والاستقرار في بلدٍ آمن يوفر له مستلزمات المعيشة ويبعده عن حالة القلق والخوف الملازمتان للمواطن العراقي، لاسيما بعد أن باتت كردستان متخمة بأبناء المحافظات السنيّة ولا تعد مكاناً ملائماً لبداية مشروع حياة جديد.

 

أسباب الهجرة

يعلل كثير من الباحثين ضمن الشأن الاجتماعي / الاقتصادي الهجرة بجملة من العوامل، أولها العوامل السياسية، حيث التقييد على الحريّات والاضطهاد العرقي والطائفي وغياب المساواة بين أبناء المجتمع الواحد.

كذلك الإحساس بالتهميش وضآلة الدور الذي من الممكن أن يلعبه الشباب في الحياة السياسية، ويؤكد أستاذ علم النفس في كلية الآداب إبراهيم الاعرجي أن “التهميش الذي يطال الكثيرين يخلق شعوراً في داخلهم في انعدام دورهم الفاعل في مفاصل الحياة الاجتماعية والسياسية ما يولد لديهم إحساساً بالغبن والإحباط واليأس والذي يدفعهم بالتالي نحو السفر والهجرة”.

وبمراجعة الملف الأمني في عراق ما بعد 2003، سنجد أنه كان أحد أهم الأسباب التي فاقمت ظاهرة الهجرة، بعد إدارته وفق منطق الانتقام الطائفي لا العمل على تحقيق مبدأ العدالة، وعكس القاعدة القانونية (المتهم برئ حتى تثبت إدانته) على نحو خاص هو أن ” المتهم مدان حتى تثبت براءته” وملء المعتقلات بالأبرياء في ظل موجات من التصفية والتعذيب الطائفي.

ثاني العوامل المشجّعة على الهجرة يتمثل في العوامل الاقتصادية، حيث التلكؤ في العملية الاقتصادية بكل مكوناتها ابتداءً بالإنتاج ومروراً بالتوزيع والتبادل وانتهاءً بالاستهلاك، وغياب البرمجة الاقتصادية العقلانية من جانب الدولة والقطاع الخاص، الأمر الذي سبّب في خلق فجوة كبيرة بين فرص العمل واليد العاملة، ودفع الشباب للبحث عن فرصه في الحياة خارج الحدود.

وتأتي عوامل الانقسام الاجتماعي والثقافي لتعطي دفعة لرغبة الشباب في هجرة بلادهم التي لا يبدو أنها باتت تعكس حالة واحدة منسجمة تعبر عن مرجعية ثقافية واحدة.

آثار هجرة الشباب

من الطبيعي أن تكون لهجرة الشباب العديد من النتائج والأثار الإجتماعية والسياسية والإقتصادية والديموغرافية والثقافية خاصةً إذا ما علمنا أنه وفي كثير من الأحيان لم تكن هجرة الشباب من العراق طوعية ومن تلك الآثار:

1.المجال السكاني: سبّبت هجرة الشباب في عراق ما بعد الاحتلال تغيير الشكل السكاني والديموغرافي للعراق وذلك لما يشكلوه من قيمة عامة ومنها  العددية والعلمية إذ عند فحص البنية العمرية للمهاجرين العراقيين وبالأخص اللاجئين نرى أن غالبيتهم ذوو بنية شابة. ففي هولندا مثلاً (61%)من مجموع اللاجئين تتراوح أعمارهم بين (15-44)  سنة و(67%) بالنسبة إلى الجيل الأول أي الذين لم يولدوا في هولندا.

وفي النرويج (69%) في الفئة العمرية من (16-49) وفي بريطانيا (76%) في الفئة (16-45)  باستثناء الأعمار تحت (15) سنة وإذا قارنا هذه النسب مع سكان العراق حسب أخر تعداد في 1997 نرى أن (45%) هم في الفئة العمرية (15-44) و (49%) في الفئة (15-49) وإذا ما قارنا هذه النسب مع سكان العراق حسب أخر تعداد في 1997 نرى أن (45%) هم في الفئة العمرية (15-44) و(49%) في الفئة (15-49) وهذا يعني أن الهجرة تستنزف الفئات العمرية الشابة، وتحدث تغيير مهم في البنية العمرية في العراق. والجدول رقم (1) يوضح البنية العمرية للعراقيين في دول هولندا والنرويج وبريطانيا: 

جدول رقم (1) البنية العمرية للعراقيين في بعض الدول الأوربية

 

ت     الدولة                الفئة العمرية (سنة)           النسبة(الشباب)

1     هولندا                 15-44                             61%

2     النرويج               16-49                             69%

3     بريطانيا             16-45                             76%

 

  وفي نفس السياق نجد أن هجرة الشباب بشكل عام قد أحدثت إختلالا في البنية الجنسية (نسبة الذكور للإناث) في العراق حيث وجدنا أن غالبة اللاجئين العراقيين من الذكور ففي النرويج تبلغ نسبتهم من المجموع (67%) وفي هولندا (64%) بالنسبة للجيل الأول وفنلندا (59%) والسويد (56%) والدنمارك (55%).

والجدول رقم (2) يوضح نسبة الذكور في بعض الدول الأوربية

 

ت     الدولة              النسبة (الذكور )

1     النرويج               67%

2     هولندا                 64%

3     فنلندا                  59%

4     السويد                56%

5     الدنمارك              55%

 

وفي العراق يبين التعداد الأخير أن نسبة الذكور في الفئة العمرية (40-44) تشكل (25%) من مجموعهم والإناث (43%) في نفس الفئة أي حوالي ضعف النسبة الأولى.

 وهذه الفئة العمرية كانت في الثمانينيات والتسعينيات في العشرينيات والثلاثينيات من العمر، وإذا أخذنا مدينة بغداد مثلاً والتي يشكل سكانها حوالي ربع سكان العراق فقد كانت نسبة  النوع (الجنس )  (عدد الذكور مقابل كل 100 من الإناث) فقد بلغت (106) ذكور مقابل (100) إناث في عام 1977 و(111) ذكور مقابل (100) إناث في عام 1987 و(100) ذكور مقابل (100) في 1997 وإذا أخذنا بهذه النسب فهذا يعني حدوث نقص في عدد الذكور مقابل الإناث وهنا لا بد أن لا نغفل حقيقة مهمة إن الحروب التي دخلها العراق كان لها أثر كبير في تقليل نسبة الذكور بسبب حصد تلك الحروب لمئات الالاف من الشباب الذكور العراقيين إلى جانب عامل الهجرة بطبيعة الحال.

    أما على صعيد البنية العائلية نجد تأثير هجرة الشباب على معدل خصوبة المرأة العراقية (متوسط عدد الأطفال لكل امرأة)  حيث بدى منخفضاً في بلدان المهجر مقارنة بالعراق . ففي هولندا مثلا يبلغ هذا المعدل (38) طفل بينما في العراق (53) طفل وفي بريطانيا (53%) من العائلات العراقية عدد أفرادها ما بين (2- 4)، ويمكن تفسير علاقة هجرة الشباب بانخفاض خصوبة المرأة العراقية هو لوجود نسبة مهمة من حملة إعتقاد ساد ونما بأفضلية العائلة الضغيرة كذلك تماشيا أو تأثراً بظروف ومتطلبات الحياة الجديدة وبالأخص في الدول المتقدمة التي تشهد إنخفاضاً بينياً في معدلات الخصوبة.

ومن أثار هجرة الشباب في هذا المجال ارتفاع العدد المطلق والنسبي للأشخاص المنتمين إلى الجيل الثاني أي الذين يولدون في بلدان المهجر، ففي هولندا مثلاً ارتفع عددهم من (1000) إلى (5405) والنسبة من (6%) إلى (13%) من مجموع العراقيين خلال 1997-2002.

واستمرار الهجرة من العراق ولاسيما هجرة الشباب ساهم في خفض معدل النمو السنوي للسكان في العراق، وقد أنخفض هذا المعدل فعلاً من (33%) في 1977 إلى (2%) في 1990  1995، وبالنسبة إلى مدينة بغداد أنخفض من (5%) إلى (14%) خلال1977-1997وكان صافي الهجرة الخارجة من العراق (650000) نسمة بمعدل (7%) بالألف في 1990-1995 وساهم في خفض النمو السكاني بنسبة (32%) في نفس الفترة.

2. المجال الإجتماعي والثقافي: يعد هذا المجال من أهم المجالات التي تتأثر بالهجرة عموما وهجرة الشباب خصوصاً لما له من علاقة مباشرة معه. ولتشعب أسباب الهجرة وتداخل المجالات التي تتأثر بها يحتاج الأمر الى تحليل دقيق لمعرفة كل مجال على حدة.

ولو تمعنا في تأثير الهجرة في المجال السكاني ومسألة زيادة نسبة الذكور المهاجرين على نسبة الإناث سنجد إن ذلك سيولد أثاراً إجتماعية سلبية منها إرتفاع نسبة العنوسة وقد أشارت دراسات أجريت في العراق إلى إرتفاعها إلى نسبة (400%) مما يؤثر مع عامل الوفيات على إنخفاض معدل الولادات كذلك هجرة الشباب تساعد على زيادة نسب الزواج المختلط مما يؤثر على البنية العائلية من الناحية الإجتماعية إلاّ إن هذه النسب لازالت غير عالية ففي هولندا نجد نسبة الزواج المختلط من مجموع المتزوجين بلغت (18%) في عام 2001 منها (12%) الزوج من الجيل الأول والزوجة من السكان الأصليين والنسبة الباقية يكون الزوج أو الزوجة غير عراقيّين، وفي فنلندا (36%) من حالات زواج العراقيين في عام 2000 كانت من نساء غير عراقيات، والزواج المختلط يساهم في تكوين عائلات عراقية ذات تنوع لغوي وثقافي وحضاري لكن المطلوب المحافظة على الهوية  العراقية دون إهمال عملية الاندماج في المجتمعات المضيفة في إثراء هذا التنوع، والمعروف أن أطفال الجاليات بالأخص في الدول الغربية ضعف مستوى اللغة الأم لديهم  وقلة  معرفتهم بتاريخ بلدانهم الأصليّة.

كما أن الاندماج في المجتمعات الجديدة يعد من الأمور غير السهلة التحقّق، لذا نجد تصاعد حالات الطلاق في بلدان المهجر ففي لندن حيث يقطن غالبية العراقيين بلغت نسبة الطلاق والانفصال (9%) للرجال و(18%) للنساء وهي مرتفعة جدا إذا ما قورنت في العراق (05%) للرجال و(11%) للنساء هذه الظاهرة تقف من ورائها جملة من العوامل المتشابكة الاجتماعية والثقافية والنفسية والمادية وغيرها.

3. المجال الإقتصادي: إن الإقتصاد العراقي يعاني أساساً الكثير من الأزمات والسلبيات التي تعود جذورها إلى السياسات الإقتصادية الخاطئة، وكانت هجرة الشباب عاملاً أخر أثر في البنية الإقتصادية للعراق كون الشباب يعدون محركاً كبيراً لإقتصاد البلد لما يملكونه من طاقات كبيرة ومؤهلات علمية تحتاجها التنمية الإقتصادية، كذلك فإن لمجمل ما تتأثر به المجالات السكانية والإجتماعية والثقافية نتيجة لهجرة الشباب تأثير واضح على المجال الإقتصادي بشكل عام.

ومن تأثيرات هجرة الشباب في المجال الإقتصادي هو خسارة البلد لهجرة العقول النوعية الشابة إذ تشير التقديرات أن العراق قد يحتاج أن ينتظر ما بين (15 ــ 20) عاماً لتعويض هجرة مئة طبيب من ذوي الاختصاص، وفي تقرير أوردته أحدى المجلات أن عدد الأطباء النازحين إلى الولايات المتحدة الأمريكية في العام الواحد يعادل ما يتخرج سنوياً من ثلاثين كلية طب.

ومن الطبيعي أن ينسحب هذا الأمر على بقية الإختصاصات حيث ترصد الدولة مبالغ كبيرة جدا لتدريس وتخريج مختلف الطلبة في مختلف الإختصاصات ليعملوا في مجالات إختصاصاتهم ويرفدوا مختلف القطاعات كالصناعية والزراعية والعلمية وغيرها وهجرة تلك العقول الشابة التي أعدت لتحرك العجلة الإنتاجية وتطورها يشكل صدمة لإقتصاد البلد ويصيبه بالعوق وفي حال إستمرار تلك الهجرة الشابة غير المنظمة يصاب القطاع الإقتصادي بالشلل وذلك لفقده القوى البشرية اللازمة لتحريكه ولاسيما الجزء الحيوي الشاب .

كذلك فإن هجرة الشباب تعني هجرة السكان النشيطين إقتصاديا حيث إن معدل النشاط الإٌقتصادي بين الفئة العمرية (15-64) وفي العراق يشكل الذكور نسبة (75%) من هذه الفئة والإناث (105%) وبما أن أغلب المهاجرين هم من الذكور إذن ستكون الهجرة على حساب النشيطين إقتصاديا الذين يعتمد عليهم إقتصاد البلد .

إن موجات الهجرة المتلاحقة مرتبطة بجملة من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولها من الآثار المدمرة لوجود البلدان ومستقبلها، كونها مرتبطة بإحدى ركائزها الأساسية وهم الشباب، لكن معالجة هذه الظاهرة وآثارها تتطلب وجود جهاز إداري مختص يرتبط بجهاز تنفيذي مخلص يهتم بمقدرات البلد ويسعى للحفاظ عليها.. فأين ذلك من الواقع اليوم؟

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى