الرائد نت
hjdrwhtf

وذكّرهم بأيام الله

 

إن لله تعالى نسمات فضل إذا هبت على‎ غافل أيقظته.. ونفحات ‎لطف إذا نالت أسير حزن أطلقته.. ‎ورحمات جود إذا أدركت غريقا في ذنوبه أنقذته.. ولطائف كرم إذا ‎ضاق صدر عبد‎ ‎ وسعته.. فينبغي التعرض لها واقتناصها قبل فواتها.

وانطلاقا من قوله تعالى (وذكرهم بأيام الله) سنحاول تسليط الضوء على الدور الرسالي الذي ينبغي أن يتحمله المسلم الداعية (هداية الناس) والذي يوجب عليه أولا التعرض لنفحات الله وهدايته في نفسه، ومن ثم تذوق هذه الهداية واستشعارها ، ثم تبشير خلق الله وإنقاذهم بها.

المشكلة أن كثير من الناس قد زين لهم سوء عملهم، فتراهم يستهينون بالتوبة وبالهداية ويتصورون أنفسهم مهتدين وأنهم على شيء أو أنهم أكبر من أن يذكروا بالاهتداء، لذا وجدنا الله سبحانه في كتابه العزيز يكرر التحذير من هذا الوهم المهلك فيقول: (ويحسبون أنهم مهتدون) ويقول: ( قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)، سورة الكهف: الآيتين (103 ، 104).. وهذا الوهم لا يختص بالأفراد بل ممكن أن يصيب الجماعات فيؤخر النصر، ويعظم التضحيات، وتحل الفرقة، وتضيع بوصلة الهداية!!

عجبا: هل يمكن لأمة تحمل دين الله تعالى أن تضل الطريق؟ وتتيه عن الهدف حتى يختلف أفرادها في تحديد اتجاه السير فيه؟ الجواب/ نعم.. وهذا بالضبط ما حصل مع بني إسرائيل حين تخلوا عن مهمتهم فكتب الله عليهم التيه في الأرض.

قال الله تعالى: (قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَداً مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)، (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ): سورة المائدة: الآية (26).

وخلاصة المعنى الإجمالي للنص الكريم، أن الله تعالى بسنته التي سنها سبحانه وتعالى في الكون لا يمكنهم من أن يدخلوها إلا إذا غيروا، وبدلوا حالهم من بعد الضعف قوة، ومن بعد الخور عزيمة ، واطمأنوا لهداية الله (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).

رمضان شهر التوبة والهداية

إن شهر رمضان بما فيه من منح إلهية، وعطايا ربانية، ورحمات إنسانية، يُعد فرصة ذهبية للتوبة والإنابة لإحياء القلب وعمارته بالإيمان، وانطلاقه في رحلة السير إلى الله، لما قد اجتمع فيه من عناصر الهداية العظيمة والمتنوعة. إنه شهر الله وهديته السنوية، وكل الشهور لله، لكن رمضان خصه الله وجعله له، لأنه شهر القرآن: (شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان).

إن رمزية الشهر القرآنية تمنحه قوة الرسالة، فرسالة رمضان من رسالة القرآن، وشهر رمضان هو شهر الله وشهر القرآن، لذا فإن قيمة رمضان من قيمة القرآن الذي يهدي الناس، وبالتالي يكون رمضان شهر الهداية (النعمة العظمى) و (الهدية الكبرى). فالهداية ارتبطت بالقرآن، والقرآن مرتبط برمضان، ومغبون من ضيع نعمة رمضان ولم يهتد بالقرآن.

إن الهداية بداية للعهد، وتجديد للبداية، والقرآن هوا لذي ينشئ هذه الأمة النشأة الهادية، ويمنحها مقومات الهداية، أي البوصلة التي لا تضل ولا تزيغ.

فرمضان مؤتمر سنوي للهداية، يجدد للأمة عهدها ، ويربطها بقرآنها ويمنحها رسالة الهداية، فبدون هذه الهداية لا يكون للأمة مكان في الأرض ولا ذكر في السماء.

إن الهداية خاصية الرسالة في الزمان والمكان والعمق الكوني والامتداد البشري، تأملوا عدد من يردد في العالم (إهدنا الصراط المستقيم).. فليس هناك إجماع حول دعاء كمثل هذا الدعاء، فهو الخطاب الذي يوحّد الأمة، والخطاب الذي جاءت به الرسالة، وحين تنطقها وأنت في شهر رمضان تذوق حلاوة شحنتها بلا شك فتسعد، وأن القرآن هدى للناس، فأي شيء نطلبه في هذه الحياة سوى الهداية يا أهل القرآن ويا أهل رمضان؟

لقد جمعنا الله بهدايته بقرآنه وفي شهره بصيامه، وذلك معنى جميل للتوحيد، فمن يستطيع أن يوحد شعوبا مختلفة الأجناس والأماكن حول إحساس واحد، وأمر واحد، والتزام واحد، بأن يكفوا عن الملذات في وقت واحد؟ كم يكفي من المراقبين المحليين والدوليين للامتثال للأمر الإلهي؟ أمر يمكن أن تخرقه في منأى عن الناس، لكنه الإحساس الهادي واليقين بوعد الله.

 

الهداية هي البوصلة

يقول سيدنا المصطفى (صلى الله عليه وسلم) مخاطبا سيدنا علي (رضي الله عنه): (يا علي سل الله الهدى والسداد، واذكر بالهدى هدايتك الطريق، وبالسداد تسديدك السهم) ففي هذا الحديث أهمية استحضار المعاني والمدلولات؛ فإن من قام في قلبه من ذلك حصل له الخشوع والخضوع والتضرع، ولذة المناجاة ، فيثمر ذلك على الجوارح من كمال الهمّة وكثرة النشاط والراحة والسكينة، الذي هو لبّ العبادة والهداية ومقصدهما الأعظم.

فكما أن سالك أي طريق محتاج إلى الهداية التي توصله إلى هدفه دون أن يتيه، وكما أن مطلق السهم باغ لإصابته لهدفه دون أن يزيغ يمينا ولا شمالاً؛ فكذلك السائر إلى الله محتاج إلى هدايته ودليله إليه، وإلى السداد لينال بغيته ورضاه.

لذا فنحن بأمس الحاجة إلى الوسائل الموصلة إلى الهداية… وليس لذلك سوى القرآن ورمضان، فليس هناك شهر أكثر هداية، وأكثر استعدادا لها، وأكثر تذكيرا للإنسان بها، وأكثر رهافة إحساس، وأكثر تجل لسلوكيات التدين الحق من شهر رمضان، شهر الله، فالنفس في حالة أبعد عن التفكير في المعصية، والجوارح مهيأة للطاعة، والشعور بالهدى محسوس يستحق التكبير (ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون).

ولذا وجدنا سيدنا المصطفى (صلى الله عليه وسلم) يتهلل بقدومه ويكرر الدعاء (اللهم بلغنا رمضان) فلا أقل من شكر الله على نعمة الهداية القرآنية بشهر الصوم والقرآن.

أيها الدعاة.. إذا عرفنا عظيم منة الله في تشريع الصيام عرفنا أن رمضان شكر وتكبير لله وليس تكليفاً وشقاء للأبدان والنفوس كما يبدو للجائعين، لأن غايته تهيئة الرجال للمكارم العظام، ولمقامات الهادين المهتدين الباحثين عن (التقوى) (لعلكم تتقون)، ولكن الناس يتفاوتون في اغتنام الفرص وتحصيلها والتعرض لرحمات الله.

جاء رجل إلى رسول الله فقال: يا رسول الله: علمني وأوجز. فقال: (إذا قمت في صلاتك، فصلِّ صلاة مودع) وما أروعها من وصية الأجدر أن نستحضرها في كل عمل نؤديه!!

لماذا لا نستحضر روح الوداع في عباداتنا كلها؟! وعلينا أن نستشعر أننا نصوم رمضان هذه السنة صوم مودع! وننظر إلى إقبالة رمضان هذه السنة على أنها إقبالة ملوِّح بالوداع.. فكم من مستقبل يومًا لا يكمله! ومؤملاً لغدٍ لا يدركه! وقد روي في الحديث (افعلوا الخير دهركم وتعرضوا لنفحات رحمة الله؛ فإن لله نفحات من رحمته، يصيب بها من يشاء من عباده)، الطبراني والبيهقي.

فتعال معنا أيها الحبيب نستحضر أحاسيس الوداع، ولوعة الفراق، علَّنا نودع بها دعة أتلفت أيامنا، وكسلاً أذهب أعوامنا، وأماني أضاعت إيماننا.. تعال معي نخصُّ هذا الشهر الكريم بمزيد عناية وكأنا نصومه صوم مودع، دعنا نخرجه من إلف العادة المستحكمة، إلى روح العبادة المشرقة.. والله يتولانا وإياك بعونه وهدايته ورعايته.

وعلامة التوفيق انشراح القلب وإن أفتاك الناس وأفتوك قال ابن القيم: (سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله- يقول: إذا لم تجد للعمل حلاوة في قلبك وانشراحا فاتهمه فإن الرب تعالى شكور، يعني أنه لا بد أن يثيب العامل على عمله في الدنيا من حلاوة يجدها في قلبه وقوة انشراح وقرة عين فحيث لم يجد ذلك فعمله مدخول).

-نصوم رمضان في كل عام وهمُّ أكثرنا أن يبرئ الذمة ويؤدي الفريضة.. فليكن همنا هذا العام تحقيق معنى الصيام (إيمانًا واحتسابًا) ليغفر لنا ما تقدم من ذنوبنا.. وكم هي كثيرة!

-نحرص كل عام على ختم القرآن في شهر القرآن مرات عديدة.. فلتكن ختمة هذا العام ختمة تدبر وتأمل بنية إقامة حدوده قبل سرد حروفه.

-نتنقل للقيام بين المساجد كل عام طلبًا لصوت الأجمل، والوقت الأخصر.. فليكن سعينا هذا العام في طلب الصلاة الأكمل.

-رغم أن الجود محمود في رمضان وأنتم من أهله، فليمتد جودك أخي إلى الإحسان لمن أساء عليك، ووصل من قطعك (وما زاد الله عبدًا بعفو إلا عزًّا).

-وتفطير الصائمين من جوعة البطن مستحب مندوب، ولكن إشباع جياع القلوب فرض مطلوب، فليكن لنا جهد في هذا مع جهدنا في ذلك، فكم من ظامئ للموعظة يحتاج السقيا! وكم من غارق في الشهوات يحتاج طوق النجاة!

-تصفُّ قدميك مع مصلين لا تعرفهم.. فهلا تعرفت على ما يوحِّد قلبك معهم، ويضم صفك إليهم، فإن تسوية الصفوف خلف الإمام ما جُعلت إلا لتوحيد القلوب مع الإيمان!!

-يتوارد على سمعك في كل عام ما يعرفك بقدر رمضان، فاجعل هم هذا العام أن تتعامل مع رمضان بمقدار قدره. وقدر رمضان يتضاعف ليلة القدر، فهل قدَّرت في نفسك أنها ربما فاتتك في أعوام خالية؟! فاغتنمها اليوم فقد لا تأتي عليك مرة أخرى.

-إذا ودعت رمضان أوودعك.. فاستحفظه ربك، واستودعه عملك.. فإن لم تجد ما تودعه فذاك لخيبة نفسك، وذهاب عمرك، والمحروم من حُرِم.

هذه خطرات على أبواب هذا الموسم العظيم، فهلا عقدنا العزم على أن يكون الشهر لنا (مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ)، سورة ص: الآية (42)، نغسل فيه أدران الذنوب فنتوب، ونشرب من مواعظه ما تحيا به القلوب، فليكن بداية جديدة لنا، ومحطة للعودة الصادقة إلى ربنا، فها قد اقتربت أيام رمضان وهبت رياحه فاغتنمها.

فيا غيوم الغفلة عن القلوب تقشعي، ويا همم المسلمين أسرعي، فطوبى لمن أجاب فأصاب، وويل لمن طرد عن الباب وما أناب… اللهم سر بنا في سرب النجابة، ووفقنا للتوبة والإنابة، وافتح لأدعيتنا أبواب الإجابة.. اللهم بارك لنا في رمضان، وأعنا على صيامه وقيامه، واجعلنا من عتقائه.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى