الرائد نت
مجلة الرائدواحات الإيمانحتى لا نخسر أنفسنا في رمضان
125jhjh325_0

حتى لا نخسر أنفسنا في رمضان

 

كل إنسان في هذه الحياة يسعى ليسعد في دنياه ويصلح حاله ومبتغاه، وإنّ التغيير الحقيقي نحو الأحسن هو ما ينتج عن تغيير النفوس والقلوب نحو الأحسن كما قال تعالى: (إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ)، سورة الرعد : الآية (11)، ولذلك مهما تميزت الدعوات الإصلاحية وتحركت على وفق خطط مدروسة إلا أنها من غير قلوب ربانية ونفوس متصلة ومعتمدة على خالقها لن تؤتي ثمارها، وستكون حركة شكلية لا يمكن أن تدبّ الحياة فيها من غير قلب ولا روح كما هو حال الأبدان، وأي مجتمع لا يمكن يحيا من رقاده من غير قلوب حية صادقة تسعى لإصلاحه والنهوض به.

وإن شهر رمضان بما فيه من منح إلهية، وعطايا ربانية، ورحمات إنسانية، يُعد فرصة ذهبية لإحياء القلوب وعمارتها بالإيمان وتجديد انطلاقها في رحلة السير إلى الله، لما قد اجتمع فيه من عبادات متنوعة مثل الصيام، والصلاة، والقيام، وتلاوة القرآن، والصدقة، والاعتكاف، والذكر، والاجتماع، والأخوة، وصلة الرحم…. وغيرها.

هذه العبادات إذا ما أحسنَّا التعامل معها فإن أثرها سيكون عظيمًا في إحياء القلب وتنويره وتأهيله للانطلاق في أعظم رحلة في الوجود هي رحلة السير إلى الله لنيل رضاه عملا بقوله تعالى: (وعجلت إليك ربي لترضى)، سورة طه: الآية (84).

أما إن تم التعامل معها بصورة شكلية محضة فسيبقى الحال على ما هو عليه.. ستبقى الأخلاق هي الأخلاق، والنفوس هي النفوس، والاهتمامات هي الاهتمامات… والواقع هو الواقع، وستستمر الشكوى بعد رمضان من الفتور وضعف الهمة والتثاقل نحو الأرض.. وبالتالي لا ينتقل المجتمع أيضا إلى حال أفضل ويمر عليه رمضان كباقي الأيام والشهور.

 

الغنيمة الباردة

ولعل من أهم الأمور التي تُعين المسلم بإذن الله على الاستفادة من رمضان هو إدراكه أن هذا الشهر يُعد بمثابة (الغنيمة الباردة) التي يمكنه من خلالها إيقاظ الإيمان وتجديده في قلبه والتزود بالتقوى، وأن هذه الغنيمة لا يمكن إدراكها من خلال القيام بأشكال العبادات دون تحرك القلب معها، وهذا يستدعي منه تفرغاً – إلى حد ما – من الشواغل التي تشوش على عقله، وتصرفه عن الحضور والتجاوب القلبي مع الأداء البدني للعبادات.

وحتى لا نخسر رمضان لابد لنا أن نقف على محطات مهمة في تعاملنا معه ومنها:

 

ابتغاء ثمرة العبادة

عندما تغيب الرؤية ويصبح الهدف أداء العبادة، بأي شكلٍ كانت، فإن ثمرة العبادة لا تكاد تظهر للوجود، ومن ثمَّ يظل العبد في مكانه ؛ فلا يتقدّم في مضمار سباق السائرين إلى الله، ولا يجد حلاوة الإيمان، ولا يشعر بتحسن ملحوظ في سلوكه، لتكون النتيجة: إنسانًا ذو شخصيتين متناقضتين؛ فقد تجده كثير الصلاة والصيام والحج والاعتمار، ومع ذلك تجده لا يؤدي الأمانة، ولا يتحرى الصدق، ويسيء معاملة الآخرين، ويحسدهم على كل خير يبلغهم.. يصاب بالهلع والفزع إذا ما تعرَّضت أمواله وممتلكاته أو دنياه لمكروه.

هذه المظاهر السلبية وغيرها تدل على أن صاحبها لم يَسْتَفِد من عباداته، ولم يتجدد إيمانه من خلالها، وبالتالي لم ينتج منها الأثر الصحيح الذي من شأنه أن يصلح السلوك والمعاملات..

وتأكيدًا لهذا التشخيص، لك أخي القارئ أن تتأمل قوله (صلى الله عليه وسلم): (رُبَّ صائم حظه من صيامه الجوع والعطش، ورُبَّ قائم حظه من قيامه السهر) وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء قلب غافل لاه).

وفي هذا المعنى يقول الحافظ بن رجب (رحمه الله): (كان السلف يوصون بإتقان العمل وتحسينه دون الإكثار منه، فإن العمل القليل مع التحسين والإتقان، أفضل من الكثير مع الغفلة وعدم الإتقان) وقال بعض السلف : (إن الرجلين ليقومان في الصف، وبين صلاتهما كما بين السماء والأرض) ولهذا قال ابن عباس (رضي الله عنه) وغيره: (صلاة ركعتين في تفكر خير من قيام ليلة والقلب ساهٍ).

إن القلوب هو محل نظر الله (عز و جل)، ومن ثمَّ فإن الأعمال تتفاضل عنده سبحانه بتفاضل ما في القلوب من إيمان ومحبة وإخلاص وخشية له، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة موافقة هذه الأعمال للشرع الحنيف.

القرآن في رمضان

رمضان شهر القرآن.. لذلك يحق لنا أن نسأل!! كيف حالنا مع القرآن؟ لقد جرَّبنا القراءة السريعة، وكان هَمُّ الواحد منا الانتهاء من ختم القرآن، بل كان بعضنا يتنافس في عدد مرات الختم، خاصةً في رمضان، فأي ثمرة حقيقية جنيناها من ذلك؟! ماذا غيَّر فينا القرآن؟! أيُّ تحسُّن حدث في أخلاقنا ومعاملاتنا نتيجة كثرة القراءة باللسان والحناجر فقط؟ لا شك أن من أهداف تلاوة القرآن تحصيل الأجر، ولكن من خلال القراءة المتدبرة التي تزيد الإيمان وتُذكِّر القارئ بما ينبغي عليه فعله أو تركه فيصير القرآن حجة له لا عليه. يقول ابن القيم (رحمه الله): (لو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها؛ فقراءة آية بتفكر خير من ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وتذوق حلاوة القرآن).

وأقوال الصحابة في ضرورة تدبر القرآن كثيرة، منها قول عبد الله بن مسعود: (لا تهُذُّوا القرآن هذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحرِّكوا به القلوب، ولا يكن همُّ أحدكم من السورة آخرها)، أخرجه أحمد في مسنده.

وقول سيدنا علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): (لا خير في قراءة ليس فيها تدبر) وقول الحسن بن علي (رضي الله عنه): (اقرأ القرآن ما نهاك، فإذا لم ينهك فلست تقرؤه).

وقال رجل لابن عباس (رضي الله عنهما): إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: (لأن اقرأ البقرة في ليلة فأتدبرها وأرتلها أحبُّ إليَّ من أن أقرأ كما تقول).

 

العمل مع أنفسنا أهم واجباتنا

فإن قلت: ولكن ماذا أفعل وفي رمضان.. تزداد الأعمال الخدمية والاجتماعية مما يؤثر بالسلب على إتقان العبادة؟

إن الحركة وسط الناس مطلوبة لتوجيههم ودعوتهم إلى الله، ومساعدتهم، وإسداء الخير لهم، ولكي يستفيد المسلم من هذه الحركة لابد وأن تنطلق من إيمان حي، ونفس مزكاة، فإن لم يحدث هذا كانت النتيجة سلبية كما قال (صلى الله عليه وسلم): (مثل الذي يعلم الناس الخير، وينسى نفسه، مثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها)، أخرجه في صحيح الجامع الصغير.

ويقول الرافعي (رحمه الله): (إن الخطأ أكبر الخطأ أن تنظم الحياة لمن حولك وتترك الفوضى في قلبك..).

وشهر رمضان فرصة عظيمة لشحن القلب بالإيمان، وترويض النفس وتزكيتها، فإن ضاعت من المسلم هذه الفرصة فأي حال سيكون عليه قلبه وإيمانه؟

فمن لم يحيي قلبه في رمضان فمتى يحييه؟ ومن لم يتزود بالإيمان في رمضان فمتى يتزود؟ من هنا نقول أنه ينبغي علينا الاستفادة من شهر رمضان على المستوى الفردي أكثر منه على المستوى الاجتماعي حتى نستطيع أداء واجباتنا الاجتماعية في بقية العام..

وليس معنى هذا هو الاعتكاف التام عن الناس طيلة الشهر، ولكن المقصد هو تخفيف الجرعة، وهذا يستدعي منا إنهاء ما يمكن إنهاؤه من واجبات اجتماعية وخدمية قبل قدوم رمضان أو بعد رحيله، والإقلال قدر المستطاع من الأعمال التي تستهلك أوقات كثيرة وتشغل عن العبادات كالزيارات العائلية، والولائم الكبيرة المجمعة، وكيف لا وقد وصف الله سبحانه شهر رمضان بقوله (أياماً معدودات) وهي سرعان ما تنقضي.

ويمكن أن ندرك أهمية ذلك إذا علمنا أن رسول الله  (صلى الله عليه وسلم) وهو رأس الدعوة وإمام الأمة كان يعتكف في كل عام العشر الأواخر من رمضان، وفي العام الذي تُوفي فيه اعتكف عشرين يوماً.. أي ثلثي الشهر بل إن سيدتنا عائشة (رضي الله عنها) تصف حاله (صلى الله عليه وسلم) فتقول: (كان إذا جاء رمضان جد واجتهد حتى إذا جاءت العشر الأواخر كأنه لا يعرفنا ولا نعرفه)، فماذا تقول بعد ذلك وأي حجة ستسوقها لتبرر لنفسك عدم التركيز في العبادة وتحصيل الزاد من خلال منظومة العبادات في شهر رمضان؟!

إن التخطيط الجيد لتنفيذ الأعمال الاجتماعية، والمساعدات الخيرية، والحرص الشديد على الوقت وتنظيمه يساعد بإذن الله على تحقيق مصلحة الفقراء دون الإخلال ببرنامج الاستفادة الحقيقية من رمضان وبهذا نجمع الخيرين.

الاقتداء بالحبيب (صلى الله عليه وسلم):

ربما يعترض علينا معترض فيقول: إن رمضان شهر الدعوة ومخالطة الناس، فكيف تدعونا إلى الانشغال بأنفسنا ونضيع فرصة للدعوة إلى الله.. فنقول لك أخي القارئ الحبيب إن هذا الذي دعوناك له ليس بدعا من الأمر بل هو من نهج نبيك المصطفى (صلى الله عليه وسلم) في رمضان وعليه سار سلفنا الصالح واسمع معي إلى كلمة لأحد دعاة عصرنا الإمام حسن البنا (رحمه الله)، وهو على ما عرف عليه من غيرته على الدعوة وحرصه عليها من درسه الأسبوعي المعروف بـ (حديث الثلاثاء) يؤكد فيها على هذا المعنى فيقول:

أيها الأخوة الفضلاء: (أحييكم بتحية الإسلام، تحية من عند الله مباركة طيبة، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته: في هذه الليلة التي تجاوز ختام شعبان نختم هذه السلسلة من الأحاديث حول (نظرات في القرآن – كتاب الله تبارك وتعالى -) وإن شاء الله في العشر الأول من شوال نعود إليها، ونستفتح بذلك موسماً جديداً من مواسم المحاضرات، وسيكون موضوعها إن شاء الله (نظرات في السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي)

هذا أيها الإخوان ورمضان شهر شعور وروحانية وتوجُّه إلى الله، وأنا أحفظ فيما حفظت أن السلف الصالح كانوا إذا أقبل رمضان ودَّع بعضهم بعضاً حتى يلتقوا في صلاة العيد، وكان شعورهم!! هذا شهر العبادة وشهر الصيام والقيام، فنريد أن نخلو فيه لربنا، والحقيقة أيها الإخوان، إني حاولت أن أوجد فرصة نقضي فيها حديث الثلاثاء في رمضان فلم أجد الوقت الملائم، فإذا كنا قد قضينا معظم العام في نظرات في القرآن فأنا أحب أن نقضي رمضان في تطبيق هذه النظرات..

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى