الرائد نت
مجلة الرائدواحات الإيمانمتى نتذوق القرآن في رمضان؟
maxresdefault (1)

متى نتذوق القرآن في رمضان؟

 

تلاوة القرآن، هي العبادة العظيمة التي من شأنها أن تحييَ القلب وتنيره وتشفيَه من أسقامه، ولكن ذلك مرهون بتدبره والعمل بأحكامه والوقوف عند حدوده وأوامره ونواهيه، حتى لا نكون مشمولين بالوعيد الذي جاء على لسان النبي المصطفى (صلى الله عليه وسلم) لمن وصفهم بقوله: (يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم).

نقول ذلك لأننا ابتعدنا عن تذوق القرآن فلم يعد يحدث في نفوسنا الأثر المطلوب ؛ فقد تحوَّلت تلاوته على ألسن الكثير من المسلمين إلى ألفاظ تُقرأ بلا فهم ولا تدبر ولا تأثر، بل أصبحت الغاية من التلاوة هي السرعة في التمتمة والمضي في تقليب أوراقه بين فاتحة المصحف وخاتمته في أقل وقت ممكنٍ ؛ أملاً في تحصيل الثواب عملاً بقوله (صلى الله عليه وسلم): (من قرأ حرفًا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها لا أقول (ألم) حرف، ولكن (ألف) حرف، و(لام) حرف، و(ميم) حرف)، متفق عليه.

ومع أن النصوص التي تؤكد على ضرورة تدبر القرآن وتفهمه كثيرة لتحصيل العلم والهداية والشفاء ومنها:

قوله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ)، سورة ص: من الآية (29).

وقوله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)، سورة محمد: الآية (24).

وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا)، سورة الفرقان: الآية (73).

وأن ذلك هو الغاية الأهم من ترتيله والحث على الإكثار من تلاوته، إلاّ أنه حصل تركيز على الأحاديث التي تسرد الثواب المترتب على القراءة فقط دون غيرها؟! وهذا ما يستدعي استدراك وبيان.

 

هجر القرآن

إن الهجر الحقيقي للقرآن لا يكون بترك تلاوته فقط كما يفعل الكثير منا أكثر العام، بل ربما يكون الإنسان يقرأ جزءاً أو أكثر وهو هاجر له، يكون قد هجر فهمه وتدبره، وهجر العمل به والرجوع إليه والتحاكم إليه، هجره في حياته بأن لم يجعله منهجا له ولأهله وعياله، يقول ابن القيم: (لو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواها؛ فقراءة آية بتفكر خير من ختمة بغير تدبر وتفهم، وأنفع للقلب، وأدعى إلى حصول الإيمان وتذوق حلاوة القرآن).

فلماذا يهجر قارئ القرآن كتاب الله؟

لعلنا نلخص ذلك بأننا لم نعرف قدر عظمة وأهمية القرآن في حياتنا، فالقرآن كلام ربّ العزة وهو صفة لله العلي الكبير، فهو الشيء الوحيد الكامل بلا نقص الخالد بلا انتهاء في هذا الكون المخلوق الفاني المليء بالنواقص، وهو هدية وهداية ومنهاج – من الله جلّ جلاله – لا تسعد الحياة ولا تنجح المجتمعات ولا تستقيم أحوال البشر أفرادا وجماعات إلا بالسير  على نهجه، ومهما سار البشر على غير هديه فستكون نهايتهم الفشل والتعاسة واضطراب الحياة والمجتمعات ولو بعد حين.

ومضة من إشراقات جيل القرآن

ولكي نستطيع أن ندرك أثر القرآن العظيم ونتذوق شيئا من حلاوته، لابد لنا من ومضة من إشراقات الجيل القرآني الفريد الذين عاصروا نزول القرآن، وفهموه وحملوه إلى العالمين، فأقوال الصحابة  في ضرورة تدبر القرآن كثيرة، منها:

-قول عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه): (لا تهُذوا القرآن هذَّ الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحرِّكوا به القلوب، ولا يكن همُّ أحدكم من السورة آخرها).

-وقول علي بن أبي طالب (رضي الله عنه): (لا خير في قراءة ليس فيها تدبر).

-وقول الحسن بن علي (رضي الله عنه): (اقرأ القرآن ما نهاك، فإذا لم ينهك فلست تقرؤه).

-وقال رجل لابن عباس (رضي الله عنه): إني سريع القراءة، وإني أقرأ القرآن في ثلاث، فقال: (لأن اقرأ البقرة في ليلة فأتدبرها وأرتلها أحبُّ إليَّ من أن أقرأ كما تقول).

-وهذه السيدة عائشة (رضي الله عنها) تسمع رجلاً يقرأ القرآن قراءة سريعة فقالت: (ما قرأ هذا وما سكت).

لا شك أن من أهداف تلاوة القرآن تحصيل الأجر، ولكن من خلال القراءة المتدبرة التي تزيد الإيمان وتُذكِّر القارئ بما ينبغي عليه فعله أو تركه فيصير القرآن حجة له لا عليه.

الثمرة.. في الإحسان والإكثار

لقد جرَّبنا القراءة السريعة، وكان هَمُّ الواحد منا الانتهاء من ختم القرآن، بل كان بعضنا يتنافس في عدد مرات الختم، خاصةً في رمضان، فأي استفادة حقيقية جنيناها من ذلك؟! ماذا غيَّر فينا القرآن؟! أيُّ تحسُّن حدث في أخلاقنا ومعاملاتنا نتيجة كثرة القراءة باللسان والحناجر فقط؟

ليس معنى هذا الكلام هو الزهد في الأجر والثواب المترتب على أداء العبادات، بل المقصد هو إحسان العبادة أولاً، مع الاجتهاد في حضور العقل وتفاعل القلب معها، ثم لنكثر منها بعد ذلك ما شئنا، فنجمع بين الأمرين وننال الخيرين… بل إن الثواب المترتب على الأعمال يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحضور القلب أثناء القيام بها.

تذوق القرآن

كان الصحابة والتابعين وسلفنا الصالح مولعين بالقرآن، يتفننون في تلاوته وتدبره والعيش في رحابه واستشعار معاني آياته.

فعن جابر بن عبد الله الأنصاري (رضي الله عنه) أنهم خرجوا في غزوة مع النبي (صلى الله عليه وسلم) فأصابوا المشركين وسبوا منهم امرأة، فحلف زوج المرأة ليهريقن من دم أصحاب رسول الله، ولما استراح جيش المسلمين ندب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مهاجراً وأحد الأنصار لحراسة الجيش أثناء استراحته، فكانت النوبة الأولى على الأنصاري في أول الليل، فافتتح الانصاري الصلاة بسورة، فجاء زوج المرأة فرماه بقوسه ثلاث نبال، فنزعها الأنصاري ولم يترك الصلاة، فلما سئل الأنصاري قال: (كنت في سورة من القرآن فكرهت أن أقطعها ولولا أن أضيع ثغرا أمرني به رسول الله ما قطعتها) الله أكبر، ما أروع وأعظم تذوقهم للقرآن إلى الحد الذي يجعلهم يؤثرون هذه الحلاوة على مرارة الألم الذي يستشعره الإنسان!!! وما اصدق من عدهم جيلاً فريداً فأطلق عليهم مصطلح (جيل قرآني فريد).

وكان أبو سليمان (رحمه الله) يقول: (ربما أقمت في الآية الواحدة خمس ليال ولولا أني أدع التفكر فيها ما جزتها أبدا، ولربما جاءت الآية من القرآن فيطير لها عقلي).

وكان مالك بن دينار (رحمه الله) يقول: (يا حملة القرآن ماذا زرع القرآن في قلوبكم، فإن القرآن ربيع المؤمن).

وكان أحد السلف (رضي الله عنه) يقول: (إني لأقرأ القرآن فيحار عقلي فأعجب من حفاظ القرآن كيف يسعهم النوم وهم يتلون كلام الرحمن، أما لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقه وتلذذوا به واستحلوا المناجاة به لذهب عنهم النوم فرحا بما رزقوا).

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى