الرائد نت
1363277046_1

قصة قصيرة .. الأمـــــانة

 

شاهدت ابتسامتك الهادئة مرسومة على شفتيك كما عرفتها عنك دوماً وأنا أحمل لك في جعبتي أمانة من “أمنا” أودعتها عندي وحلفت علي مراراً وتكراراً أن لا أنساها ساعة علمنا بخبرك.

في طفولتنا البعيدة وأنت تكبرني بأربعة أعوام لكم كنت شقياً وأنت تسحبني خلفك لما تعلمته من مغامرات مزعجة لوالدينا ما كانت لأجاريك فيها، بل كنت مكتفياً بالانقياد لصخبك وعبثك اللا محدود.

وما إن كانوا يضبطوننا حتى نهرب كلانا لسطح منزلنا تقفز أنت على عامود الكهرباء المحاذي للطابق العلوي وتحضنه نازلاً للأسفل فيما أبقى أنا خائفاً من تقليدك فأنال حصتينا من العقاب.

لكم كنت طفلاً مثيراً للمشاكل في المدرسة في الشوارع، تأتينا وقد تمزقت أزرار قميصك جراء عراكك مع الصبية.

وبعد أن تعيد “أمنا” تثبيت أزرارك المقطوعة تقعدك بحجرها تقبلك وتتوسل إليك أن تكون طفلاً “عاقلاً” فتجيبها:-

– “ما أكدر أصير “عاقل” لأن أموت”.

وذهبت جملتك تلك مثلاً لطالما أعادتها “أمنا” على مسامع العائلة وهي تكرر جملتك وعنادك المحبب وتضحك من كل قلبها.

كم تذكرني ابتسامتك الجميلة هذه بكل مشاكساتك وما كانت تتسبب به جرأتك واندفاعاتك من مصائب كبيرة حقاً.

نعم..لا زلت أتذكر يوم صدمت مركبة “أبينا” بباب جدارنا الخارجي وأنت تحاول إخراجها من مرأب وقوفها.

فهربت وتركتني فاغراً فمي خلفك لا أدري ما عساي أفعل، لم تعد للمنزل حتى أخذت عن طريق وسطاء مواثيق غليظة من “أبينا” بغفران فعلتك.

تقبلها “أبينا” مكرهاً دون أن ينسى استغلال أول فرصة ويستخرج بعصاه الغليظة من جسدك الفتي جميع مشاكساتك ظللنا لزمن طويل أنا وإياك نستذكرها ضاحكين.

وما أن صرت شاباً حتى صرنا لا نراك فأنت أما مع أصدقائك أو تقود مركبة والدنا بسرعة جنونية بشوارع العاصمة، وسألتك يومها:-

– أنت مقتنع بحياتك؟!.

تأملتني طويلاً، قبل أن تجيبني:-

– أعيشها باستعجال فنحن لا نعرف متى سنموت.

كنت تزداد جرأة كلما تقدمت بك الحياة، فكم من مرة غازلت الموت فيها راداً على جبروته وقسوته بابتسامة:-

– “كل واحد يموت بيومه”.

وفي ذلك اليوم وحينما كانت سماء الوطن ملبدة بغيوم ومزن الحرب السوداء وضجيج القنابل الجبارة تهز أحياءنا الفقيرة.

كنت تخرج بمركبتك غير عابئ بأخبار من كان يحذروك بالعودة للمنزل “صاروا قريبين” فكنت تجيبهم بجملة من جملك غير المبالية:-

– “لعنة والديهم”.

كانت مدرعة أمريكية تشق أزقتنا فاخترقت رصاصة من ماسورتها زجاج مركبتك ومست جانب رأسك.

عدت لمنزلنا هادئاً وغير مبالي فيما كانت الدماء تغطي وجهك وتنضح على ملابسك وسط عويل أمنا وصراخها وأنت تضحك:-

– “ماكو شي بالريش”.

المرة الثانية وأنت تسير بمركبتك خلف دورية أمريكية تعرضت لهجوم فأمطر المارينز مركبتك برصاصات مميتة، تركت مركبتك وزحفت على الأرض فيما ثقب رصاصة يخترق فخذك، وفي المستشفى أخبرتك ضاحكاً:-

– “دير بالك الثالثة ثابتة”.

لمحت بريق لدموع حقيقية بعينيك فأخذت تشكوا لي كم كانت تزعجك روائح المستشفى من حولك وكم بتّ تكره هذه الضمادات الطبية المقيتة:-

– يكاد عجزي يقتلني.

قبلت جبينك، وشجعتك مبتسماً:-

– قليل من الصبر وترجع لحياتك الهمجية.

المرة الأخيرة كانت ذات ليلة حالكة الظلمة حينما سرت دون وعيك بمركبتك وسط دورية راجلة، أمطروك برصاصاتهم، زحفت على الأرض مصاباً، حينها وضعك جندي “مارينزي” بين قدميه زارعاً رصاصة موت في جبينك.

على ناصية شارع نكبتك الحزين كان الرجال متجمعين حولك حينما اقتربت شاهدتك مسجياً على ظهرك ومبتسماً حينها نقلت لك الأمانة.

– أمي تسلم عليك.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى