الرائد نت
مجلة الرائدواحات الإيمانالخلاف وضوابطه الشرعية .. الأستاذ في كلية الإمام الأعظم د.عمر غزّاي:
dialogue

الخلاف وضوابطه الشرعية .. الأستاذ في كلية الإمام الأعظم د.عمر غزّاي:

 

غياب العلماء وتصدّر الجهّال سبب النزاع في العراق

تمر السنين على اختلاف أحوالها، وتمر الأشهر على منكرات أيامها، وتمر الأيام على تنافس إبطالها، وتمضي الساعة ودقائقها ولا تخلو من تنازع واختلاف.

وفي زمن كثرت فيه المنكرات وقل فيه من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وقد يحرص البعض على تغييره دون علم بتغييره وبدون شعور منه يحوله إلى منكر آخر! لابد من وضع اسس شرعية لكل ماسبق لضبط العملية ضمن سياقات شرعية.

هنا أتجهنا للحوار في هذا الموضوع المهم مع د.عمر حسين غزّاي أستاذ مادة أصول الفقه في كلية الإمام الأعظم، للبحث في آليات الخلاف وآدابه.

 

الرائد:  هل الخلاف قدر؟ وإذا كان الخلاف قدراً، فهل نستسلم له؟ أم نقابله بقدر مثله؟.

غزّاي: إن الاختلاف في الناس سنة من سنن الله تعالى الكونية، وهو قدر لا مفرّ لهم منه، ولا سبيل لرفعه بالكليّة، قال الله تعالى: (ولَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ *  إلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ)، سورة هود: الآية (118).

إذاً فيمكن القول: أن الاختلاف بين البشر ظاهرة طبيعية، وأمر فطري؛ مردّه اختلاف عقولهم وأفهامهم وتعدد رغباتهم وأهوائهم مما يؤثر في تصورهم للأشياء، ومن ثَمّ حكمهم عليها.

لكن هذا لا يعني أننا نستسلم لهذا القدر أو أننا معذورون في اختلافاتنا عند الله تعالى، بل يجب علينا أن نبين أن الخلاف نوعان: سائغ مقبول نستسلم له ومذموم مردود لا يمكن الاستسلام له، فالسائغ ما كان في الأمور الاجتهادية التي ليس فيها نص قطعي الدلالة والثبوت؛ فهذا لا ضير فيه إذا بذل الإنسان فيه وسعه وكان قصده الحق من غير تعصب ولا هوى متبع؛ فإنه يكون مأجوراً وإن أخطأ، وهذا الذي وقع بين الصحابة (رضي الله عنهم) وهو الذي يكثر وروده في كتب الفقه. وهذا النوع هو اختلاف تنوع لا يوجب شقاقاً أو نفرة. قال يحيى بن سعيد: (ما برح المستفتون يُستفتون، فيحل هذا، ويحرم هذا، فلا يرى المحرِّم أن المحلل هلك لتحليله، ولا يرى المحلل أن المحرِّم هلك لتحريمه).

وأما المذموم فهو ما صدر من غير أهله ووقع في غير محله كأن يقع في أمر قطعي، ولعل من أهم أسبابه: إتباع الأهواء والسير خلف الشهوات، وفي هؤلاء يقول عمر (رضي الله عنه): (أصبح أهل الرأي أعداء السنة؛ أعيتهم أن يحفظوها، وتفلتت منهم أن يعوها، واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا: لا نعلم).

أستطيع القول بعد ذلك: إن الخلاف أمر قدري والوحدة والاجتماع أمر شرعي، ونحن مكلفون بالشرع لا بالقدر فالموت أمر قدري لابدّ منه والعلاج أمر شرعي فلا يجوز ترك التعالج احتجاجاً بالقدر.

الرائد:  إذا كان الخلاف واقعاً قدراً، فهل هناك آداب وضوابط يمكن أن يحتكم إليها عند وقوعه؟

غزّاي: بما أن الخلاف قد وقع فلا بد من الإشارة إلى بعض الآداب في التعامل معه ولعل من أهمها:

1. الإخلاص في تحري الحق: فالانتصار للذات، والتعصب للرأي، يؤدي إلى رفض الحق، ومخالفة وجهة النظر؛ فمن قصد الانتصار لنفسه وهواه فلا يوافق الآخرين في رأيهم وإن بدا له أنه صواب، ولا شك أن هذا خلاف منهج الصالحين؛ فهذا الشافعي يقول: (والله ما أبالي أن يظهر الحق على لساني أو على لسان خصمي) ؛ فالتجرد للحق، والإخلاص لله، يزيل عقبات الاختلاف؛ ولكن الأمر يحتاج إلى مجاهدة النفس في إلزامها الحق بقوة.

2. الحوار في المختلف فيه: فطرح القضية للنقاش بأسلوب هادئ بعيد عن التجريح وتسفيه رأي الآخر، مع إتاحة الفرصة لتبادل الرأي، وسماع الطرف الآخر، خليق بأن يجعل هناك نوعاً من التقارب في وجهات النظر. ومما يؤسف له حقيقة أن كثيراً من المختلفين لا يجتمعون ولا يتحاورون فيما بينهم، وإن اجتمعوا للنقاش والتحاور فلا يحسنون آداب الحوار وعرض القضايا، مما يجعل كل طرف يتعصب لرأيه وإن ظهر له الحق خلاف ذلك. ولكي تتقبل الآراء يجب أن يكون الحوار بالحسنى، فإذا كان الله أمرنا أن نجادل أهل الكتاب بالحسنى، فإخواننا في العقيدة أوْلى بذلك منهم.

3. لا ينبغي الخوض في قضية ما إلاّ بعد العلم بها والفهم الدقيق لها؛ ولهذا قالوا: (لو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف) فجلّ مشكلتنا اليوم أن البعض -بعد قراءته لبعض الكتب  أصبح يعتقد أنه من أهل العلم والاجتهاد، فإذا به يتصدر، ويخالف العلماء ويقول برأيه، ولا يدري أنه يهرف بما لا يعرف، وما أروع ما قال الشاطبي: (الاختلاف في بعض القواعد الكلية لا يقع في العادة الجارية بين المتبحرين في علم الشريعة، الخائضين في لجتها العظمى، العالمين بمواردها ومصادرها).

4. حسن الظن بالطرف الآخر: فالشكوك والقدح في نيات الآخرين كفيلة بإيجاد جفوة وشقة بعيدة لا يمكن التلاقي فيها، فكل قول أو فعل يحمل على خلاف الظاهر المتبادر منه للذهن من دون قرينة تصرفه عن ظاهره فيه ظلم وتجنٍّ على الآخرين، ورحم الله الشافعي حيث قال: (رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب) . فهكذا يجب أن نحمل آراء الآخرين على المحمل الحسن ما وجدنا إلى ذلك سبيلاً، عندها سنجد أن كثيراً من الاختلافات قد زالت.

5. لا ينبغي نقل الخلاف وحكايته إلا بعد التثبت والتبيّن من أنه قد وقع فعلاً، فقد يكون ما نقل خبراً مكذوباً أو منقولاً عن صاحب الفتوى فهماً لا نصاً أو مخرجاً على قاعدة عند هذا المفتي مع أنه لم يقل به، قال المتنبي:

قال ابن تيمية (رحمه الله): (فَمَا أَكْثَرَ مَا يُحْكَى عَنْ الأَئِمَّةِ مَا لاَ حَقِيقَةَ لَهُ) وهذا الاستعجال هو مخالف للمنهج الإسلامي في نقل الأخبار، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلتُمْ نَادِمِينَ)، سورة الحجرات: الآية:(٦).

الرائد:  ما المنكر الذي يجب تغييره؟ ومن يملك سلطة التغيير؟.

غزّاي: إن المنكر الذي يجب تغييره هو المنكر الذي يخالف ما هو معلوم من الدين بالضرورة أو ما علم بدليل قطعي وكذلك المنكر الذي اتفقت كلمة أهل العلم على إنكاره أما اختلف فيه، فننظر إن كان هذا الخلاف سائغا فلا يجب الإنكار على صاحبه، وإلا فينكر على صاحبه إن كان الخلاف غير معتبر في هذا المنكر.

أما من يملك سلطة التغيير؟ فنقول: إن الإسلام قد أناط سلطة التغيير بالمسلمين جميعاً كل حسب موقعه، فالحاكم يغير بيده وأهل العلم بلسانهم وعوام المسلمين بقلوبهم وهذا هو تأويل حديث رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ)، رواه مسلم.

الرائد:  هل من الممكن أن يتحول إنكار المنكر إلى منكر آخر؟

غزّاي: إن إنكار المنكر يدخل في ما يسمى بالسياسة الشرعية؛ إذ لا يمكن إنكار المنكر إذا أفضى إلى منكر مساوٍ له في المفسدة أو أعظم منه فيها كما ترك النبي (صلى الله عليه وسلم) إعادة بناء الكعبة كما هو في عهد إبراهيم عليه السلام فقال: (يَا عَائِشَةُ، لَوْلاَ أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ، فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ، بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ)، رواه البخاري ومن لطيف فقه شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) في إنكار المنكر أنه مرّ ومعه بعض أصحابه في زمن التتار بقوم منهم يشربون الخمر، فأنكر عليهم من كان معه فلم يستحسن (رحمه الله) إنكارهم قائلا: (إنما حرم الله الخمر؛ لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن قتل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال، فدعهم).

الرائد:  هل ترون فرقا بين التنازع والتنافس؟.

غزّاي: التنازع غير التنافس؛ لأن التنازع أساسه الاختلاف، أما التنافس فلا يكون إلا بين من هم متفقين على هدف معين وواضح غير أنهم يتسابقون إلى تحقيقه من سيصل إليه أولا، وهذا المعنى غير موجود في التنازع؛ لأنه يكون بين طرفين أو أكثر كل منهم ينازع خصمه حقا يزعمه لنفسه بينما لا يقرّ له خصمه فيه سواء كانت هذه الحقوق مادية كالمنازعة على مال أو ملك أو كانت هذه الحقوق معنوية كأن تسلب حق مخالفك في إبداء رأيه أو تعمل على مصادرته كما هي سياسة فرعون في التعامل مع الآخرين (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) سورة غافر: الآية (29) إذاً فالتنازع منشؤه الاختلاف، أما التنافس فلا يكون إلا بعد الاتفاق.

الرائد:  كيف تنظرون إلى علل التنازع وأسبابه؟

غزّاي: إن الذي ينزل إلى ساحة النزاع والخلاف يشخص له أسباباً وعللاً كثيرة لعل من أبرزها:

1- إتباع الأهواء وسير خلف شهوات النفس ورغباتها من غير أن يكون هناك ميزان للاحتكام إليه، بل مجرد أن نفسه تهوى كذا فهو يقول به ويراه الأصلح، قال الله: (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) سورة القصص: الآية (٥٠). ولذا فإن أقوال أهل الأهواء غير معتد بها في الخلاف المقرر في الشرع كما قرر ذلك الشاطبي في الموافقات.

2- التعصب المقيت والانقياد الأعمى للانتماءات والجماعات والمؤسسات بحيث يرى العامل فيها أن جميع ما صدر عنها صواب لا يحتمل الخطأ بل ولا يمكن مناقشته وغيره من الآراء هو الخطأ الذي لا يحتمل الصواب، ثم إذا ما فوجئ بالعكس سلك طريق التأويل لها وألقى باللوم على غيرها متعللا بأن الآخرين هم من حال دون وصولهم إلى الصواب.

3- تصدّر من لا علم ولا فهم لهم في الشريعة واتخاذهم رؤوساً، وهيمنتهم على القرارات والآراء، وهذا واقع ملموس في كثير من الجماعات ولاسيّما في العراق بعد الاحتلال وهجرة العقول منه، وهذا ما كان يخشاه نبينا (صلّى الله عليه وسلّم) في قوله: (حتى إذا اتخذ الناس رؤوسا جهالا …) ولا أريد بالعلم والفهم هنا ما يخص الأحكام والحلال والحرام فقط بل لا بدّ أن يكون معه سياسة شرعية وفقه بالموازنات والأولويات وفهم عميق لفقهي المصالح والمقاصد وهكذا.

الرائد:  ما السبيل الذي ترونه إلى معالجة هذه النزاعات والقضاء عليها؟

غزّاي: إن خير علاج لحصر النزاعات والقضاء على جزء كبير منها -لأننا قلنا إن الخلاف واقع لا محالة فالقضاء عليه تماماً لا سبيل إليه- هو أن يفهم الجميع أن أي رأي أو قرار يتعلق بقضية عامة غير شخصية هو من حق الجميع و لا يمكن لشخص أو جماعة أو حزب أن يخولوا أنفسهم حق إصدار القرار وأن يروا أنهم هم المؤهلون لذلك لا سواهم، بل إننا نقول: بما أن الجميع شركاء في القضية فهم شركاء أيضا في الرأي والقرار، حتى يتحقق معنى الجماعة وبتحققها تزول المنازعات، والحكمة ضالة المؤمن حيث وجدها التقطها، وسمع عمر من امرأة، وقال: أصابت إمرأة وأخطأ عمر.

مهما كنت بليغا في كلامك ومهما كنت دارسا وفاهما في أمور حياتك ومهما كنت تتنافس بأسلوب راقي وواعي ومهما كنت شخصا تخشى الوقوع في التنازع في كل أمورك، ومهما كنت تحذر من الوقوع في المنكر، فلا بد لك من أن تقع في احد هذه الأمور دون إي شعور منك، فأنت معرض للاختلاف و التنافس وقد يصل بك الحال للتنازع وقد يقع احد أصدقائك في المنكر وأنت تشاهده وتتفرج عليه.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى