الرائد نت
مجلة الرائدملف العددالخريطة السياسية العراقيّة بعد انتخابات 2014
rtyu

الخريطة السياسية العراقيّة بعد انتخابات 2014

 

ثبات شيعي كردي وتغيّر نسبي سنّي

من المهم في هذه المرحلة إعادة التأمل في نتائج الانتخابات، وفهم التركيبة السياسية التي خرجت بها، إذ أن الانتخابات التي جرت أواخر الشهر الماضي كانت تنافسيّة بشكلٍ غير مسبوق.

بل إنها المرّة الأولى التي خاضت فيها الكتل السياسية الشيعية الانتخابات بنفسٍ تنفاسي حقيقي، فيما كانت الساحة السياسية السنيّة تعيش –كما جرت العادة – وضعاً أمنياً وإنسانياً مرتبكاً.. إلاّ أنها شاركت بقوّة هذه المرة.

بالتالي من الضرورة بمكان الوقوف على الصورة التي خرجت بها هذه الانتخابات؟، وما هي التحولات –إن وجدت – التي حصل في المشهد السياسي العراقي؟

ثبات سياسي شيعي

بالعودة إلى النتائج التي تمخّضت عنها الانتخابات، فإن التغيير القادم الذي ظل الحديث عنه إعلامياً متواتراً طيلة المرحلة السابقة، لم يحصل منه شيء على أرض الواقع، وهذا الأمر تحديداً على الساحة الشيعية.

فالكيانات السياسية الشيعية لم تلعب حتى لعبة تبادل الأدوار التي كان البعض يعتقدها قادمة لا محالة، وهذا تؤكده قراءة سريعة لنتائج الانتخابات النيابية لعام 2010.

فالساحة السياسية الشيعية كانت نتائجها تصدر دولة القانون، وهذا الأمر تكرر مع زيادة عدد مقاعد الإئتلاف الذي يتزعمه المالكي بـ(3) مقاعد إضافية.

وبجمع حصيلة المجلس الأعلى (قائمة المواطن) والتيار الصدري (تيار الأحرار -قائمة النخب) مع قائمة إبراهيم الجعفري (تيار الإصلاح) والتي حصلت على (6) مقاعد يكون المجموع (67) مقعداً، وهو أيضاً قريب من حصيلتهم مجتمعين في الانتخابات السابقة، والتي شاركوا فيها تحت لافتة واحدة هي (الائتلاف الوطني العراقي).

إذ كانت قائمتهم الموحدة قد حصلت على ما مجموعه (70) مقعد بعموم العراق، بالتالي فالتغيير حصل في مقعد واحد.

وبالعموم فإن الساحة السياسية الشيعية لم تعرف تغييراً يذكر، وحتى تسلسل القوى ظل محتفظاَ بذات الترتيب، وأن ما كان يتم تداوله عن التغيير القادم لم يكن أكثر من كلام إعلام لم تتم ترجمته على أرض الواقع، وحتى فتاوى المراجع الشيعية التي ظلت قناة البغدادية تتناقلها لم يكن لها أثر، ففي النهاية الناخب الشيعي وضع مقتضيات مصلحته مقدمةً على فتاوى مراجعه وليس كما كان يشاع عن دور مؤثر للمرجعية على اختيار أبناء الطائفة.

أما التجمعات القليلة الأخرى كالدولة العادلة والفضيلة وكفاءات وصادقون -قائمة ميليشيا العصائب-.. فهي كتل تابعة غير مؤثرة في المشهد السياسي الشيعي في العموم.

الأكراد.. تغيير داخل الإقليم

بالنسبة للطبقة السياسية الكردية فإن التغيير لم يكن بصورة كبيرة على مستوى الانتخابات النيابية، لاسيما وأن الحزبين الكرديين الكبيرين ظلا محتفظين بتفوقهما على باقي الأحزاب الكردية.

وعلى الرغم من أن دخول الأحزاب الكردية كان منفرداً في الانتخابات النيابية وليس بقائمة واحدة كما جرت العادة -باستثناء المحافظات المختلطة كنينوى وديالى وكركوك وصلاح الدين- إلاّ أن الأحزاب الكردية مازالت إلى الآن تحرص على الظهور بمظهر الكتلة الواحدة في مفاوضات تشكيل الحكومة القادمة.

وعلى العموم كانت النتائج الكردية بالشكل الآتي؛ الحزب الديمقراطي الكردستاني بـ(19) مقعدا يتقاسم معه المركز الاتحاد الوطني الكردستاني بـ(19) مقعداً أيضاً، تليهما حركة التغيير بـ(9) مقاعد، والاتحاد الإسلامي بـ( 4) مقاعد والجماعة الإسلامية (3) مقاعد.

لكن نتائج الانتخابات التي شهدتها المحافظات الكردية قد تلقي بظلالها على المشهد السياسي الكردي في النهاية، والتي أعلنت متزامنة مع الانتخابات النيابية، لاسيما أنها أظهرت تفوقاً لحركة التغيير في السليمانية على الاتحاد الوطني الكردستاني، والذي جاء متقدماً بـ(12) مقعداً مقابل (11) مقعداً للاتحاد الوطني.

واليوم تعيش حركة التغيير واحدةً من أقوى مراحل عملها السياسي، فهي تقود السلطة التشريعية في الإقليم، بمقابل تراجع حزب الرئيس طلباني، ومن المتوقع أن ينعكس هذا التغيير الداخلي على المستوى الداخلي للإقليم فقط، بحسب رؤيتي الشخصية.

فالأكراد مطالبون -إقليمياً ودولياً- بتوحيد مواقفهم على المستوى الخارجي، وكذلك المحافظة على إستقرار الإقليم داخلياً، وكلنا يذكر التفجيرات التي ضربت أربيل في 29‏ من شهر أيلول في العام الماضي إلاّ أن القليل منّا يعرف أن هذه التفجيرات جاءت بعد حديث كردي سياسي داخلي عن استبعاد حركة (التغيير) من تشكيلة حكومة الإقليم القادمة، إذاً دخول حركة (التغيير) هو مطلب خارجي في اللعبة السياسية للإقليم، ومؤشر ينبئ بأن لهذه الحركة دور على المستوى الداخلي.

لكن بالمقابل ظل الموقف بشأن حكومة المركز ثابت، بل إن الأكراد اعترفوا صراحةً بوجود محاولات من دولة القانون لإقناع أطراف كردية بالدخول منفردةً في مفاوضات لتشكيل الحكومة القادمة بسبب الفيتو الكردي على مرشّح دولة القانون لرئاسة الحكومة القادمة نوري المالكي.

إذاً تغيير كردي داخلي لن يطال الموقف من المركز شيء كبير منه، لاسيما أن مطالب الإقليم واحدة بالنسبة لجميع الكيانات السياسية، وهذا تأكد من خلال موقف الأحزاب الكردية من تصدير نفط الإقليم خارج سلطة المركز.

الساحة السنيّة.. تحولات جديدة

بمقابل الثبات الكردي الشيعي، كان للساحة السنيّة تحولاتها المميّزة، ودخول كتل وكيانات سياسية جديدة.

وللساحة السنيّة تداخلاتها الخاصة، لاسيما بعد دخول رجال الأعمال على الخط، فلم يعد خميس الخنجر تاجر السكائر في زمن النظام السابق رجل الأعمال الوحيد الذي أقتحم عالم السياسة قادماً من عالم التجارة والراعي السابق للقائمة العراقية، وليتبنى هذه المرّة قائمة الكرامة التي هدفت لاستثمار الحراك الشعبي سياسياً وذلك بترشيح بعض من وقفوا في الساحات للانتخابات القادمة فشقّ قيادة الحراك الشعبي بعد أن تضاربت الآراء بين قادة الحراك بين موافق ومعارض لتحويل الحراك إلى كيان سياسي، ومع ذلك لم تفلح القائمة في إيصال أكثر من مرشّح واحد عن صلاح الدين.

كذلك دخل التاجر فاضل الدباس مالك قناة (هنا بغداد) على الخط، وبتنسيق مع دولة القانون التي دفعت له مبلغ (15) مليون دولار ليتولى تشكيل قائمة تخترق المحافظات السنيّة -المعروفة بنزوع ناخبيها نحو القوائم العلمانية – بقائمة تمثل خليطاً غير متجانس، من العلماني إلى الإسلامي والشيعي والسنّي، ونجحت بالفعل في حصد (4) مقاعد، برغم أنه كان من المخطط له أن تحصل على (10-12) مقعداً تأهلها للحصول على وزارة أو اثنتين في حكومة يرأسها المالكي لولاية جديدة.

وهؤلاء اليوم من المتوقع انضمامهم للمالكي في أي لحظة، فهم ممن يطلق عليهم (سنّة المالكي)، والذين يأتي في مقدمتهم قتيبة الجبوري زعيم ما يسمى بـ(العراقية البيضاء) التي أنشق بها عن القائمة العراقيّة وأوجد تحالفاً جديداً داعماً للمالكي.

التحوّل الثاني على مستوى الساحة السنيّة يتمثل بتراجع أو إنكشاف الوزن الحقيقي لكتلة المطلك (العربية) والتي دعمت إعلامياً بشكلٍ كبير وحملت مطالب قريبة من مطالب التيار البعثي -أو الدولة العميقة – في تعديل الدستور  إلاّ أنها لم تحصل على أكثر من (10) مقاعد، وأعرب زعيم القائمة عن استيائه من عدم حصول التغيير، على حد قوله.

والعربية هي أيضاً من القوائم التي يخشى اليوم انضمامها إلى المالكي، كونها لم تعلن موقفاً صريحاً من الولاية الثالثة طيلة المرحلة السابقة، والمطلك لم يتوانَ عن الاستمرار في منصبه كنائب للمالكي رغم كثرة الانتقادات التي طالت الأخير من الجمهور السنّي.

علاوي حافظ بقائمته الوطنية على منافسته للقوائم السنيّة، وهذا مما تكلمنا عنه في ميل الجمهور السنّي -لاسيما في بغداد- للتصويت للقوائم العلمانية، ليحصل علاّوي على (21) مقعد، نصفها من بغداد، فيما وزّعت البقيّة على المحافظات السنيّة، ومشكلة القائمة (الوطنيّة) بالنسبة لأهل السنّة أنها غير متماسكة، بمعنى أنها قائمة تأخذ أصواتاً بقدر كبير من الجمهور السنّي لكنها لا تترجمها إلى كتلة برلمانية قوية مخيفة بالنسبة للحكومة.

وتجربة القائمة العراقيّة ليست عنّا ببعيد، إذ تحوّل الأمر إلى حصص وزارية للكتل السياسية، ولم تعد هناك طروحات متعلّقة بالمكوّن السنّي وما يتعرّض له من إضطهاد وجور، لكن مع ذلك لعلاوي جمهوره السنّي، والذي أوصل بفعل أصواته مرشحي بغداد عن الوطنية إلى مجلس النوّاب بعد أن صوّت لزعيم القائمة بأكثر من (250) ألف صوت.

كتلة متحدون هي الأخرى تجاوزت العشرين بثلاثة مقاعد، ويمكن أن نضيف لها عدداً من مقاعد قائمة (ديالى هويتنا)، والتي تضم ممثلين عن القائمة العربية والوطنية.

لكن متحدون التي أكدت أنها خسرت (15) مقعداً بسبب غرق قضاء أبي غريب، والعمليات العسكرية في محافظة الأنبار، هي الأخرى خليط من عدة كيانات سياسية، وزعيمها أسامة النجيفي يقع بذات الموقف الذي مرّ به علاوي مع العراقيّة، فهو زعيم الكيان إلاّ أنه ليس صاحب أكثر المقاعد فيه.

إذ أن التجمع الذي يرأسه (عراقيون) يمثل (5) مقاعد من مجموع المقاعد التي حصلت عليها متحدون، بمقابل (11) لإئتلاف العمل و(8) لكتلة الحل، وهذا الأمر يجعل من رئيس هذا الإئتلاف صيداً سهلاً في المفاوضات كونه لا يمتلك القوّة التي تؤهله لضبط حلفاءه، خصوصاً في مرحلة التفاوض على تشكيل الحكومة والتي يكون فيها عامل الإغراء قوياً جداً، حيث الوزارات والمناصب والصفقات.

ويبدو أن التوجه الإقليمي يسعى لإبقاء هذه المعادلة قائمة، وذلك بوجود رئيس كتلة سنيّة مرتبكة عوامل ثباتها قليلة، للإبقاء على معادلة الأغلبية الشيعية مقابل الأقلية السنيّة، والتي ستؤدي لاستمرار الفوضى لسنين قادمة في العراق.

وبالعموم يرى جمهور كبير أن قائمة متحدون باتت هي الممثل لأهل السنّة في العراق، بحكم كونها القائمة الأكبر في المحافظات الست.

الكتل السنيّة أو التي يمثل السنّة أكبر عدد أعضائها بدأت تلملم شتاتها لتشكّل كتلة برلمانية موحّدة، وهي اليوم تضم أكثر من (70) نائب ضمن ما يسمى كتلة الاتحاد، والذي من المفترض أن يكون معبراً عن أهل السنّة في عموم العراق متبنيّاً مطالبهم وممثلاً إياهم في الحكومة القادمة، لكن تبقى ذات المشكلة.. كتلة قوية برأس ضعيف..

ويبدو أن التيار المدني الديمقراطي سنّي بامتياز، بعد أن فشل في الحصول على مقعد واحد في أي محافظة شيعيّة، بينما كان كل الفائزون عن قائمة التحالف المدني الديمقراطي قد حصلوا على أصواتهم من السنّة، فهم حصلوا على (3) مقاعد نيابية في بغداد فقط، ويصف الصحفي العراقي عامر الكبيسي حال التحالف المدني الديمقراطي بالقول: “نتائجهم كانت محبطة ومخيبة للآمال وكل التوقعات، حصلوا فقط على (3) مقاعد، ولم يمنحهم الشيعة في كل الجنوب مقعداً واحداً وهي فضيحة انتخابية، وفاز الثلاثة بأصوات المناطق السنية فقط في بغداد، ومع ذلك يعبرون عن فرح بالغ وسموا صعود (3) من بينهم مثال الآلوسي بأنه (ثقب في جدار برلين ) وتسميات مفخمة لا أساس لها من الواقع”.

خاتمة:

إذاً الخريطة السياسية العراقيّة بعد الانتخابات يمكن إختصار صورتها بالشكل الآتي:

1. ثبات سياسي شيعي تقوده ثلاث كتل رئيسة، دولة القانون والتيار الصدري والمجلس الأعلى، وكل من يرتقي على المستوى السياسي الشيعي يأتي من تحتِ عباءة هؤلاء، لاسيما أن الناخب الشيعي أكد بنسبة تتجاوز الـ(95%) أنه طائفي في اختياره بامتياز، لا يميل لانتخاب إلاّ من يمثل طائفته دينيّاً.

2. تحوّل كردي داخلي، لن ينتقل تأثيره إلى المركز، بعد أن وحّد الأكراد صفّهم في مفاوضات تشكيل الحكومة القادمة، لكن قد يكون هناك تغيّراً على مستوى الخريطة السياسية الداخلية الكردستانية.

3. لا زال جزء كبير من الجمهور السنّي يميل للتيار العلماني الليبرالي، وهو ما أكسب علاّوي والمطلك والتحالف المدني الديمقراطي مقاعدهم، ورغم أن مشاركة السنّة كانت كبيرة نسبياً في الانتخابات الأخيرة إلاّ أنها كانت في الاتجاه الخاطئ.

4. لا زال الجمهور السنّي غير متفهّم لطبيعة اللعبة الديمقراطية، فهو ينتخب وعينه على رئاسة الحكومة، غير مدركاً أن هذا المنصب حسم للكتل السياسية الشيعية، أما هدف السنّة من الانتخابات هو إيجاد كتلة سنيّة قوية قادرة على الضغط على الحكومة المركزيّة، أما المتحدثين عن الـ(20%) السنيّة التي أقرها الاحتلال الأميركي ولن تزيد عنها نسبة أهل السنّة في مجلس النوّاب، فهم واهمون، إذ بجمع أصوات الناخبين السنّة نكتشف أن الوطنية والعربية ومتحدون والتحالف المدني الديمقراطي وإئتلاف العراق يوصلهم لأكثر من (80) مقعد، والتي تمثّل أكثر من (30%) من مقاعد مجلس النوّاب، ولو كانت المشاركة بنفس نسبة مشاركة الشيعة والأكراد، لكانت النسبة تتجاوز الـ(40%).

—————————————————

ولمزيد من إلقاء الضوء على الخريطة السياسية لعراق ما بعد الانتخابات،

ألتقينا المحلل السياسي صلاح العبيدي فكان هذا الحوار.. المحلل السياسي صلاح العبيدي لـ”الرائد”:

جوهر المشهد السياسي في العراق لازال ثابتاً

تشتّت الواقع السنّي أضعف تأثيره كتيار

الرائد: كيف يمكننا قراءة نتائج الانتخابات الأخير؟

العبيدي: دعنا في البداية سيدي الفاضل نقرأ قراءة عامة للظاهرة اﻻنتخابية العراقية وما أفرزته من نتائج..

الحملة اﻻنتخابية بصورة عامة تتفاوت قطاعات المجتمع العراقي من حيث التعاطي معها واﻻهتمام بها، فترى اهتماماً واسعاً على صعيد جمهور التحالف الوطني والتحالف الكردستاني، بينما ترى ضعف هذا التعاطي لدى جمهور المكون السني، وقد أثبتت نسب المشاركة هذه الحقيقة..

بيد أن الملفت للنظر أن الناخب العراقي بشكل عام ازدادت وتيرة وعيه اﻻنتخابي من خلال عزوفه عن كثير من الوجوه التقليدية التي اعتدنا على رؤيتها في البرلمان من أمثال حسن السنيد وسامي العسكري ووليد الحلي وسلمان الجميلي..

إن نتائج اﻻنتخابات على الصعيد الوطني لم تعط أفضلية مريحة ﻷي تحالف على حساب اﻵخر.. حيث وكما هو معلوم أن الكتلة النيابية اﻷكبر تحتاج إلى (165) مقعداً كي تحظى بالثقة لتشكيل الحكومة..

أما النتائج على صعيد الكتلة الواحدة داخل التحالفات.. فغاية ما حصلت علية كتلة المالكي على سبيل المثال (30) مقعد والمجلس اﻷعلى (29) مقعد وكتلة عمل داخل متحدون حصلت على (11) مقعد، وهكذا مما يؤثر على فرصة كل طرف في مسألة أن يكون المرشح لرئاسة الوزراء من كتلته، أو يؤثر على عدد الحقائب الوزارية التي ستكون من حصته.

الرائد: هل ترون أن هناك تحولات حقيقية حصلت على مستوى الساحات السياسية الشيعية، السنيّة، الكردية؟

العبيدي: للأسف لم يتغير جوهر المشهد السياسي في العراق.. فلا تزال المحاصصة الطائفية هي الحاكمة.. ولم يتغير من المشهد سوى بعض الوجوه السياسية المخضرمة كما قلت قبل قليل، ومما زاد المشهد تعقيداً أنه بدأ يتجه نحو الغلو في تفرد التحالف الوطني بالسلطة من خلال كتلة دولة القانون متجاوزاً الكثير من القضايا الدستورية، كالامتناع عن إكمال النظام الداخلي لمجلس الوزراء، وتحييد صلاحية البرلمان التشريعية من خلال الحكم القضائي الذي أصدرته المحكمة اﻻتحادية العليا والتي قضت بعدم دستورية اقتراح مشاريع القوانين من قبل مجلس النوّاب إلاّ من خلال وصول مقترح مشروع القانون من السلطة التنفيذية ليناقشه مجلس النوّاب فقط فقط.

بل إن دستورية المحكمة اﻻتحادية مشكوك فيه أصلاً. حيث إن هذه المحكمة قد تم تشكيلها في زمن الحكومة اﻻنتقالية، لغرض محدد وينتهي دورها بعد ذلك، ومع ذلك تم اﻻبقاء على هيكلها غير الدستوري حتى اللحظة..

أما الحديث عن احتكار خيوط الوزارات واﻷجهزة اﻷمنية بيد رئيس الوزراء فحديث مؤلم يعكس حالة اﻻستئثار بالسلطة كما إنه يفسر أسباب للفشل والتدهور الحاصل على مستوى أمن المواطن.

الرائد: ألا تعتقد أن الانتخابات كانت مجرد عملية تبادل أدوار؟ ولم يكن هناك تحولاً حقيقياً لاسيما الساحتين الكردية والشيعية؟

العبيدي: بالتأكيد وكما أشرت قبل قليل، أن المشهد السياسي لم يتغير جوهره والحديث عن جوهر التغيير المطلوب أمر مهم، فما هو المطلوب فعلاً؟ كان المطلوب أيام اجتماعات المعارضة -سلطة اليوم- في أربيل ولندن، هو تغيير النظام القائم واستبداله بنظام بديل ديمقراطي اتحادي يؤمن بالتداول السلمي للسلطة ويعترف للجميع بحقوقهم؟؟ فما نسبة ما تحقق من هذه الرؤية للعراق الجديد؟!..

للأسف إن العراق قد شهد تحولاً من إطار نظام مستبد إلى إطار جديد لم يقل عن استبداد من سبقه إن لم يكن اﻷسوأ من خلال المؤشرات المؤلمة عن تدهور حالة حقوق اﻹنسان في العراق.

جوهر ما هو مطلوب أن تأتي حكومة عراقية عندها اﻻستعداد لأن تعمل لصالح العراق، وليس لصالح فئة أو طائفة أو قومية منه، وهذا ﻻ يتقاطع مع منح الحريات العامة السياسية والدينية وغيرها، ولا يتعارض أيضا مع مراعاة العراق لمصالح محيطه العربي واﻹقليمي والدولي، ولكن ﻻ أن تكون المصلحة الخارجية لها اﻷولوية على مصالح العراق وشعبه، بغير هذه النظرة العامة التي تراعي المصالح العليا للبلاد سوف لن يكتب لنا الخروج من أزماتنا الحالية التي أتت على اﻷخضر واليابس.

الرائد: دخول رجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال إلى اللعبة السياسية من تحت عباءة الانتخابات النيابية كخميس الخنجر وفاضل الدبّاس، هل تعتقده دخول حقيقي بهدف تحقيق أو خلق كيانات سياسية مؤثرة؟ أم القضية متعلّقة بمكاسب مادية ومقاولات فحسب؟

العبيدي: الدخول لرأس المال السياسي على خط السلطة لم يكن وليد المشهد اﻻنتخابي اﻷخير، فالمال السياسي كان وﻻ يزال حاضراً وبقوة من خلال ما رأيناه من كم اﻷموال التي صرفت على الحملات اﻻنتخابية.

الجديد في هذه القضية أن بعض الشخصيات التي كانت تمد سابقاً بالمال السياسي من خلف الستار، اعتلت اليوم مسرح العملية السياسية من خلال شخوصها بشكل مباشر ومنهم من ذكرت جنابك الكريم.

بالتأكيد المال السياسي لا ينفقه أصحابه حسبة لله تعالى، بل في الغالب أن أصحابه يبتغون من وراء إنفاقه مكاسب مادية وسلطوية وما إلى ذلك.

والمهم في هذه القضية أيضا أن الناخب العراقي كان واعيا لهذا المشهد الجديد فلم يمنح ثقته كثيرا لهؤﻻء، وهذا واضح من خلال ما حصلوا عليه من أصوات انتخابية.

الرائد: كتلة (الاتحاد) التي أعلن عنها بعد الانتخابات، كم يمكننا أن نعطيها نسبة للثبات والمقاومة ككتلة في عملية المفاوضات على تشكيل الحكومة، لاسيما أن مطالبها ذات سقف مرتفع؟

العبيدي: الحديث عن التحالفات المصلحية، حديث ينطوي على ذكريات محزنة، فهو يذكرنا بتحالف العراقية في انتخابات 2010.. الذي انسحبت منه كتلة كبيرة (العراقية البيضاء)، وبعض النواب بشكل فردي، وقد سمعنا في حينها عن شجارات تصل إلى مستوى التشابك باﻷيدي للأسف الشديد بين نواب القائمة العراقية سعياً منهم وراء المكاسب!!..

أعتقد أن اﻻتحاد المزمع تشكيله جامعه مصلحي وليس مبدئي للأسف، ويضم مشارب ذات غايات ومصالح متناقضة، لا تجمعهم رؤية واضحة تبتغي المصلحة العامة، وفي اعتقادي المتواضع أن هذا التشكيل سوف لن يصمد طويلاً.

أعتقد أنه وفي إطار تشكيل تحالف قوي، ينبغي الحديث عن تشكيل تحالف واسع يضم زعماء الكتل السياسية الذين تجمعهم رؤية مبدئية واضحة، وفي هذا الصدد أعتقد أن تحالف بين زعامة القائمة الوطنية وزعامة متحدون وزعامة التحالف الكردستاني يمكن أن يتشكل منه كتلة نيابية متماسكة قادرة على إحداث توازن في الحكومة المقبلة.

الرائد: هل تعتقد أن التمثيل السنّي سيكون قويّاً ومؤثراً في مجلس النوّاب القادم؟

العبيدي: في إطار تحالف متحدون فقد حصل التحالف على (27) مقعداً نيابياً وحصلت كتلة عمل على الصعيد الوطني على أحد عشر نائباً، وتضم القائمة الوطنية عدد من النواب السنة أيضاً، أعتقد أن لغة اﻷرقام النيابية أمر مهم ﻻسيما في إطار أوزان الكتل واستحقاقاتها الحكومية، بيد أن الحديث عن اﻷعداد النوعية للنواب الفائزين هو حديث مهم أيضاً، من حيث قوة التأثير لهؤلاء النواب في المشهد السياسي، أعتقد أن هنالك عدد ﻻ بأس به من النواب السنة قد تبوؤا مقاعد نيابية وهم يتسمون بالكفاءة والخبرة السياسية والشجاعة والجرأة في تبني هموم المحافظات الست التي تم تجاوز حقوقها خلال الدورات النيابية الماضية وننتظر منهم أداءً جيداً يلبي طموح جمهورهم وناخبيهم.

الرائد: ما الذي يمنع من تمثيل سياسي سنّي قوي.. هل هو تشتت الجمهور السنّي؟ أم التدخل الإقليمي والخارجي؟

العبيدي: واقع المجتمع السني واقع معقد، كون الجمهور قد تجاذبته مشاريع متعددة ظاهرها التناقض في حين لو توفرت إرادات صادقة لأمكن لهذه المشاريع الخروج بتصور مشترك.

لا زال للأسف حزب البعث يلعب دوراً سلبياً في الساحة ينطلق من رفض أي مخرج للازمة إلا من خلال تصوره المأزوم، وﻻ زالت بعض الفصائل تتبنى الخيار المسلح كحل من وجهة نظرها، مما أعطى للمجاميع المسلحة المتطرفة اختراق صفوفهم للأسف، وبطبيعة الحال هنالك شريحة واسعة تتبنى الخط السياسي، إيماناً منها بضرورة عدم غياب المكون السني عن دائرة حكم البلد، ونتيجة لهذه التوجهات المتعددة تجد أن الجمهور السني قد تشتت بينها مما أضعف في تصوري زخمه باتجاه أن يكون تيار مجتمعي واسع له تأثيره القوي على المعادلة العراقية.

بالتأكيد هنالك عوامل خارجية أسهمت في حالة اﻹضعاف هذه، لكن التأثير اﻷكبر حسب قناعتي يكمن في العوامل الداخلية الذاتية للمكون السني نفسه.

الرائد: الخلاف داخل البيت الشيعي الآن.. هل سيكون له إنعكاساً على قوة الحكومة القادمة وتوازنها؟

العبيدي: الخلاف في التوجهات الحاصل داخل التحالف الوطني الشيعي، ﻻ أعتقد حسب تصوري أنه سيؤثر كثيراً على وضع التحالف، فهناك إجماع عام غير معلن بين أطراف التحالف على ضرورة الحفاظ على كيانه وإن اختلفوا حول من سيقود التحالف وأوزان كل كيان داخله.

في اعتقادي كي ننشئ حالة من التوازن مع التحالف الشيعي ﻻبد من تشكيل جبهة قوية بالمقابل تضم متحدون وتحالف الوطنية والتحالف الكردستاني يجمعها جامع رفض الهيمنة على السلطة التنفيذية وذلك عبر تحالف رئاسة الجمهورية ورئاسة البرلمان ليوازنا بذلك الصلاحيات الواسعة لرئاسة الوزراء، هذا أملي أن يحصل لكن النتائج مرتهنة ببراعة المفاوض السياسي وقدرته على إدارة دفة التحالفات بنجاح.

 

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى