الرائد نت
مجلة الرائدمنوعاتنبض العراققصة قصيرة .. تذكرة إلى الجنة..
Paradise Island Wallpapers_4

قصة قصيرة .. تذكرة إلى الجنة..

 

كان صمت المساء المطبق يحيط بالمنزل المتواضع والمشيد ببقايا طابوق لم تغط مساماته بطبقة من الأسمنت، ومن خلال إحدى نوافذه المغبرة تطلعت قلقة إلى الشارع المضاء على نحو خافت بأعمدة نور صدئة.

كان المنظر في الخارج كئيباً وموحشاً فاستغرقت في ذاتها إنها لم تجد منذ فترة طويلة موغلة أي راحة بال تذكر، فقالت: “صدقت.. ياحبيبي يا رسول الله: الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر”.

وسحبت تنهيدة عميقة جداً أيقظ أنينها المكبوت صغيرتها “حنين” ذات الأربع الأعوام النائمة في حضنها، فسألتها بصوت نعس: “ألم يعد أبي..؟”، أبتسمت الأم، وطبعت قبلة على رأسها، وقالت:

– سيعود بعد قليل، لا تقلقي.

– إذن سأنتظره معكِ.

– نامي حبيبتي، عندما يعود سأوقظك.

عادت الصغيرة لغفوتها، غير أنّ الأم لم تغفُ عيناها فذهنها كان مشتتاً تتلاعب به الخواطر المشؤومة، فقد كانت مشغولة الفكر بتأخر زوجها من المسجد القريب نسبياً من دارهم بعد صلاة العشاء.

فهو بالعادة بعد أن يؤم المصلين ينتظر لنصف ساعة أخرى، يجيب فيها على أسئلة تتعلق بالفقه والفتاوى ومشكلات الناس، لكنه لم يعتد التأخر إلى كل هذا الوقت، حاولت الاتصال بهِ مراتٍ عديدة، لكن بكل مرة كان جواله مغلقاً.

بعد نصف ساعة أخرى، أخذ القلق منها كل مأخذ؛ خصوصاً وأن الوضع في الحي الشعبي كان يزداد سوءاً، وكأنه يرجع القهقري للوراء كما تلكم الأيام السوداء الماضية الموبؤة بخفافيش الظلام والقتل على الهوية.

وقد حدثتها مؤخراً إمرأة قريبة لها عن عودة تلكم الأجواء بمناطق منتقاة من العاصمة، وقد نقلت مخاوفها لزوجها وما يمثله مركزه عند الأهالي، فافتر ثغره عن ابتسامه وانفرجت أسنانه البيضاء متألقة مع محياه الحنطي المكلل بلحية سوداء مخضبة ببعض خطوط الشيب، فرد عليها بهدوء:

– مرت علي أيام أسوأ منها ولم تهتز لي شعرة، وما انقطعت عن المسجد، أعمارنا في ذمة الباري وقدره.

كانت لا تزال تجتر ذكرياتها عندما حملت أبنتها لسريرها، وأخذت تذرع أرض الغرفة جيئة وذهاباً محاولة قتل وقت انتظارها المريب، ما لبثت أن توقفت ونوت أن تصلّي ركعتين تدعو فيهما الله أن يرد لها سالماً ويحفظه من كل سوء.

وبينما ازدادت نبضات قلبها، شعرت بأن الدموع تنهمر من عينيها غزيرة حتى نشجت ببكاءً قاسي، فاستعاذت بالله من الشيطان وأنهت صلاتها بدعاء، شعرت بعدها براحة وسكينة كبيرة تغمرها.

حملت كرسياً أبيضاً من البلاستك وجلست مقابل النافذة الخارجية مجدداً، بينما أصابعها تحرك مسبحة تردد من خلالها تسبيحاتها، فأخذتها سنة من النعاس، وسقط رأسها على كتفها الأيمن.

فرأت فيما يرى النائم قصراً كبيراً تحيطه البساتين وأوراق مخضرة، وعناقيد من العنب تلتف حول أعمدة رخامية بيضاء.

ويتخلل القصر من وسطه عين ماءٍ عذبة، قد نُسِقت وزُيّنت بأبهى حُلة، هناك توافدت طيور خضر على عين الماء.

وعند بوابة القصر كان يقف شيخ مهيب ارتدى زياً ابيض نضراً وجميلاً، تمشت نحوه وسألته:

– لمن هذا القصر أيها الشيخ الجليل الطيب..؟.

– هو لزوجكِ سيدتي ..

– حقاً ؟!

ــ نعم سيدتي، وقد طلب زوجك أن نأتي بكِ وابنتك إلى هنا لتعيشوا معاً إلى الأبد.

أيقظها من رؤياها تحطيم أعقاب بنادق مدخل باب المنزل الخشبي، وقبل أن تستفيق من هول الصدمة، كانوا قد أفرغوا عتاد أسلحتهم بكل حقدهم الأسود في رأس الأم والطفلة.

في الصباح كانت عناوين الصحف تعلن عن أغتيال أمام مسجد (الحي القيوم) وزوجته وطفلته، برصاص عصابة ترتدي زياً أسود.

اترك رد

فيديو

مؤسسة الرائد الثقافية

الرائد نت
موسوعة إليكترونيّة شاملة ومحدّثة بطريقة تغني الزائر بكافة المعلومات المرتبطة بالواقع العراقي

تواصل معنا

تواصل مع مؤسسة الرائد الثقافية

العراق - بغداد

+9647801988624 +9647707596529

info@alraeed.net

العودة الى الاعلى